أكاديمية تشيلسي للناشئين تهيمن على الدوري الإنجليزي

النادي اللندني لا يبني فريقه فحسب بل يسهم في بناء الفرق الأخرى أيضاً

كالوم هودسون أودوي وهدف تشيلسي الثالث في شباك يوفنتوس (رويترز)
كالوم هودسون أودوي وهدف تشيلسي الثالث في شباك يوفنتوس (رويترز)
TT

أكاديمية تشيلسي للناشئين تهيمن على الدوري الإنجليزي

كالوم هودسون أودوي وهدف تشيلسي الثالث في شباك يوفنتوس (رويترز)
كالوم هودسون أودوي وهدف تشيلسي الثالث في شباك يوفنتوس (رويترز)

كان هناك موسم تحت قيادة المدير الفني الإيطالي ماوريسيو ساري لم يُشرك فيه أي لاعب في التشكيلة الأساسية لتشيلسي من خريجي أكاديمية النادي. وجاء وقت قال فيه المدير الفني لتشيلسي أثناء عرض تقديمي للمدير التقني بالنادي، مايكل إمينالو، إنه يجب على النادي إلغاء أو تقليص أكاديمية الناشئين لأنها تكلفه الكثير ولا تحقق أي فائدة ملموسة للفريق الأول.
وبالنسبة لهؤلاء جميعاً، ورداً على كل ذلك، كان الهدف الثالث الذي سجله تشيلسي في مرمى يوفنتوس في الجولة الخامسة قبل الأخيرة بدوري أبطال أوروبا، أفضل رد: ريس جيمس يركض بعيداً نحو القائم الخلفي ليشكل خطورته المعتادة، وروبن لوفتوس تشيك يتوغل داخل منطقة الجزاء، وكالوم هودسون أودوي يضع الكرة في الشباك. لقد تمت صناعة وإحراز هذا الهدف عن طريق ثلاثة لاعبين من خريجي أكاديمية تشيلسي للناشئين، في مشهد ربما يكون أفضل إثبات حتى الآن على صحة رؤية مالك النادي رومان أبراموفيتش فيما يتعلق بتطوير اللاعبين الشباب.
وإلى جانب جيمس وهودسون أودوي ولوفتوس تشيك، سجل تريفوه تشالوباه الهدف الأول، متوجاً بذلك بدايته الرائعة لهذا الموسم مع «البلوز». وكان ماسون ماونت وأندرياس كريستنسن يجلسان على مقاعد البدلاء. وحتى لو تجاهلنا روميلو لوكاكو، الذي انضم إلى تشيلسي وهو في الثامنة عشرة من عمره قبل أن يعود مرة أخرى هذا الصيف، فإن اللاعبين الصاعدين من أكاديمية الناشئين بالنادي لعبوا 27 في المائة من إجمالي عدد الدقائق التي لعبها الفريق وسجلوا ما يقرب من ثلث الأهداف.ولا تقتصر هذه الظاهرة على تشيلسي فقط، فإذا ألقينا نظرة على جميع مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز في نهاية هذا الأسبوع، فسنجد أن جميع المباريات - باستثناء مباراة واحدة فقط - شارك فيها لاعب من خريجي أكاديمية الناشئين بتشيلسي: إيدي نكيتياه في آرسنال، وتينو ليفرامينتو وأرماندو بروخا في ساوثهامبتون، وبيلي غيلمور في نوريتش سيتي، ومارك غويهي وكونور غالاغر في كريستال بالاس، وبيرتراند تراوري في أستون فيلا، وطارق لامبتي في برايتون، وناثان أكي في مانشستر سيتي، وديكلان رايس في وستهام، ورايان بيرتراند في ليستر سيتي، وجاك كورك ويوهان بيرغ غودموندسون في بيرنلي، بالإضافة إلى لويس بات في ليدز يونايتد.
ويعني هذا أن تشيلسي لا يبني فريقه فحسب، بل يسهم في بناء الفرق الأخرى أيضاً. وعلاوة على ذلك، فإن تشيلسي لا يتصدر جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز فقط، لكنه يستعمره ويحوله إلى اللون الأزرق المميز لأكاديمية الناشئين الخاصة به.
إذن، ما الذي حدث؟ وهل هذا مجرد جيل موهوب بشكل غير طبيعي من شباب تشيلسي يتمتع بقدرة فريدة من نوعها على سد الفجوة بين اللعب في أكاديمية الناشئين والتألق مع الصفوة على مستوى الفريق الأول؟ أم أن هؤلاء اللاعبين الشباب قد حصلوا أخيراً على المساعدة والفرصة التي كانوا ينتظرونها؟ قال المدير الفني لتشيلسي، توماس توخيل، هذا الأسبوع: «لقد رأينا بسرعة كبيرة في التدريبات أن لدينا لاعبين شباباً جيدين للغاية هنا. ما يجعلني سعيداً حقاً هو مدى اهتمامهم بالقميص الذي يدافعون عن ألوانه وبالنادي الذي يلعبون له، وإلى أي مدى يريدون تحقيق النجاح هنا».
وبينما حصل توخيل على قدر كبير من الإشادة بسبب استعداده للدفع بعدد من اللاعبين الشباب الموهوبين الذين ليست لديهم خبرات كبيرة مثل تشالوباه وجيمس، فإن الحقيقة هي أن هذا الأمر قد بدأ، من نواحٍ كثيرة، قبل وصول المدير الفني الألماني إلى «ستامفورد بريدج» بسنوات، وقد شهد هذا الأمر اتخاذ بعض الخطوات الخاطئة على طول الطريق. فعلى مدار سنوات طويلة، كان نهج تشيلسي تجاه أكاديمية الناشئين يشبه وسيط العقارات الذي لديه مجموعة كبيرة من الشقق الفاخرة التي ليس لديه أي نية للعيش فيها على الإطلاق! وبفضل الثروات والإمكانات الهائلة لتشيلسي، كان يمكن للنادي التعاقد مع أفضل اللاعبين الشباب في أوروبا ويمنحهم أجراً كبيراً، لكنه كان يراكمهم من دون أن يتمكن أي منهم من الوصول إلى اللعب مع الفريق الأول.
وكان تشيلسي يعلن على الملأ أنه يعمل على تطوير اللاعبين الشباب من أجل تقديم الدعم اللازم للفريق الأول بالنادي. وبطبيعة الحال، من المعروف أن المديرين الفنيين بارعون للغاية في الإدلاء بالتصريحات المناسبة في المؤتمرات الصحافية. وكان المدير الفني الإيطالي أنطونيو كونتي معجباً بقدرات وإمكانات أولا أينا وناثانيال تشالوباه عندما تولى قيادة النادي لأول مرة في عام 2016 ثم فاز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز مع 13 لاعباً. وعندما جعلت اقتصاديات كرة القدم من المربح للغاية بيع اللاعبين على سبيل الإعارة ثم بيعهم بشكل نهائي، وفي ظل وجود مالك للنادي لا يتردد أبداً في فتح الباب أمام رحيل أي شخص عندما تسوء النتائج، أصبح النادي يتخلى عن أفضل نجومه الشباب.
لكن نقطة التحول الكبرى حدثت عندما تولى فرانك لامبارد قيادة الفريق في عام 2019، بينما كان تشيلسي يواجه عقوبة تمنع من التعاقد مع لاعبين جدد. ولم يخفِ سلف لامباراد في قيادة تشيلسي - ماوريسيو ساري - عدم اهتمامه بأكاديمية الناشئين، حيث لم يحضر أي حصة تدريبية للناشئين ولم يشاهد أي مباراة لفريق النادي تحت 23 عاماً خلال فترة وجوده في «ستامفورد بريدج». لكن في المقابل، أشرك لامبارد ثمانية لاعبين من خريجي أكاديمية الناشئين في المباريات مع الفريق الأول في موسمه الأول، وهو رقم قياسي للنادي في حقبة الدوري الإنجليزي الممتاز. وكان ماسون ماونت وفيكايو توموري وتامي أبراهام من بين اللاعبين الشباب الذين اعتمد عليهم بقوة والذين كانوا يقدمون مستويات جيدة في بعض الأحيان ويرتكبون أخطاء في أحيان أخرى، لكن الأهم من ذلك أنهم تعلموا الكثير في كبرى المباريات.
ويمكن القول بطريقة ما إن الأضرار التي لحقت بسمعة لامبارد التدريبية تأتي نتيجة النجاح المذهل والسريع لتوماس توخيل. وفي نهاية المطاف، فإن أبراموفيتش لن يتردد أيضاً في الإطاحة بتوخيل في حال تراجع النتائج. لكن السؤال الآن هو: ما مصير ماونت وجيمس من دون تلك الثمانية عشر شهراً الحاسمة من التطوير؟ في الحقيقة، تجب الإشادة بفرانك لامبارد لأنه هو الذي آمن بهؤلاء اللاعبين الشباب ومنحهم فرصة المشاركة مع الفريق الأول، ومن دونه كان من الممكن أن يرحل هؤلاء النجوم إلى أندية أخرى أو أن يكونوا في طي النسيان الآن.
وبطبيعة الحال، تحقق أكاديمية الناشئين مكاسب مالية جيدة، والدليل على ذلك أن النادي حصل على أكثر من 90 مليون جنيه إسترليني خلال الصيف الماضي من بيع أبراهام وتوموري وجويهي وآخرين. كما أعار النادي 22 لاعباً آخر. وإذا تمكن مات ميازغا أو دوجون ستيرلينغ أو إيثان أمبادو من تحقيق أي شيء في كرة القدم، فمن المؤكد أنه لن يكون مع تشيلسي. لقد وجد توموري فرصة جديدة للحياة تحت قيادة ستيفانو بيولي في ميلان، كما استفاد أبراهام من علاقته الشخصية القوية مع المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو وانتقل إلى روما.
لكن الأهم من ذلك أن الطريق إلى الفريق الأول أصبحت مفتوحة الآن. ولم يعد اللاعبون الشباب الموهوبون في صفوف الناشئين - مثل جود سونسوب بيل أو هارفي فالي - بحاجة إلى الدخول في حلقة مفرغة من المباريات الودية التي لا معنى لها قبل بداية الموسم أو الرحيل على سبيل الإعارة إلى أندية مثل فيتيسه آرنهم وهيدرسفيلد، وأصبحوا يعرفون جيداً أنه إذا قدموا مستويات جيدة فإنه سيتم تصعيدهم إلى الفريق الأول ويلعبون بدوري أبطال أوروبا.
هذا هو النموذج الذي يعرفه توخيل بنفسه بشكل غريزي، حيث بدأ مسيرته التدريبية كمدير فني لفريق الشباب بنادي شتوتغارت تحت قيادة رالف رانغنيك، الذي تولى القيادة الفنية لمانشستر يونايتد. ويعرف توخيل أن أفضل الفرق الحديثة هي تلك التي تمزج بين اللاعبين المحليين والأجانب: فريق لديه نواة محلية مرصعة بعدد قليل من النجوم. ويعلم المدير الفني الألماني أن إيمانه بالشباب سوف يمتد لأطول فترة ممكنة ما دام يحقق نتائج جيدة وما دام صبر أبراموفيتش لم ينفد.



هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

 

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.
وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023 بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

 

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.