مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (3): الهم النسوي في أفلام تبحث داخل الذات والتاريخ

مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (3): الهم النسوي في أفلام تبحث داخل الذات والتاريخ

7 منها تتناول شخصيات ومواضيع نسائية
الجمعة - 28 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 03 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15711]

\تتألف مسابقة الأفلام الروائية في الدورة الحالية من مهرجان القاهرة السينمائي من خمسة عشر فيلماً من بينها سبعة تتناول مواضيع وشخصيات نسائية.

أكثر من هذا العدد نجده في تظاهرات وأقسام أخرى من هذا المهرجان العتيد في دورته الثالثة والأربعين. في مسابقة «آفاق السينما العربية» على سبيل المثال هناك ستة وفي قسم «أسبوع النقاد» والأفلام المعروضة خارج المسابقات المذكورة.

أحد أسباب كثرة الأفلام التي تتحدث عن المرأة يكمن في أنها إذا لم تتحدث عن الرجل والمرأة معاً أو عن الرجل وحده، فإن البديل الطبيعي هو التحدث عن المرأة. إلى ذلك، فإن معظم هذه الأفلام هي أوروبية وآسيوية وعربية حيث «القضايا» تسود، في أحيان متعددة، على النوعية والحكايات ليست منسوجة من أفلام ذات نصوص شاملة كما حال الأفلام الأميركية على سبيل المثال.

بالطبع هناك هامش واسع من القضايا النسائية التي يمكن طرحها. هناك حالات مختلفة تنتمي كل منها إلى وضع مغاير سواء أكان إنسانياً محضاً أو اجتماعياً أو سواه. المواضيع غالباً جادّة لا ضحكات فيها ولا هزل. المشاكل المبثوثة عبر الشاشة مهمّة ولو في الظاهر. توفر، في العادة، شخصيات عادية على خلفيات أكبر منها. نساء يحاولن إيجاد موضع قدم لهن في حياة تقع بين الواقع والطموح.


تفعيل منخفض

مثل هذا الشأن نجده في فيلم بيتر كيركس «107 أمهات». هو فيلم سلوفاكي من نوع الدوكيودراما يدور حول سجن نسائي تشغله سجينات لديهن أطفال رضّع في السجن ذاته تحت إشراف مديرته إرينا.

إرينا تبدو في مطلع الفيلم كما لو أنها لا يمكن لها أن تشعر حيال السجينات وأطفالهن بأي قدر ملموس من الاهتمام. تمارس عملها بحزم. تستوجب السجينات بلهجة آمرة ولا تبتسم لأحد منهن. لكنها تملك تحت هذا الستار قلباً حنوناً وتبدي اهتماماً خاصاً لحالة السجينة الشابة أليسا التي عليها أن تختار بين تسليم طفلها للميتم (بعدما بلغ الثالثة من العمر) وإما لوالدتها. هذا ليس اختياراً سهلاً كون علاقتها مع والدتها ليست جيدة.

تنصب الكاميرا على السجينات وهن يُجبن على أسئلة تتعلّق بالجرائم التي ارتكبنها والعاطفة. بعضهن يُظهر ندماً أكثر من بعضهن الآخر لكنهن جميعاً ضحايا الذات والغيرة والعاطفة أكثر مما هن ضحايا ظروف اجتماعية محددة. كذلك عليهن في مشاهد حياتية اعتيادية ضمن الوضع غير الاعتيادي الذي يعشنه.

لفترة يجيد المخرج بيتر كيركس العمل بمنظومة الدوكيودراما. هناك تفعيل منخفض للدراما عبر المواقف التي لا تصل إلى مستوى الأحداث. بعد حين يتبدّى أن الزواج بين «التسجيلي» و«الروائي» ليس متوازياً. «التسجيلي» يطغى على الدراما، وهو لا يفعل ذلك إلا لأن الدراما في الفيلم ليس لديها الكثير مما توفره. هناك جهد مبذول وواضح في معالجة المخرج الكليّة لهذا الفيلم. اختياراته من المشاهد ليست عبثية والحالات التي يوفّرها للسجينات تدعو للاهتمام والمحور الذي يختاره (وضع الشابّة إليسا) يجسّد الوضع برمّته.

منهج مختلف تماماً يوفره المخرج يهوناس كاربينانو في فيلمه «كيارا» حول فتاة تحمل ذلك الاسم تنتمي إلى عائلة تبدو عادية لكن الحقيقة تتبدى أمام الفتاة بعدما اختفى رب العائلة فجأة إثر انفجار سيارة ملغومة. تحريات الفتاة تقودها إلى اكتشاف أن والدها يعمل مع المافيا وأن والدتها تعلم ذلك وتؤازره. هذا ما يجعلها تقف على مفترق طرقات. من ناحية هي تريد معرفة تاريخ أبيها، ومن ناحية يغريها أن تهرب منه ومن ثالثة أن تنصاع له وتواصل العيش في كنف العائلة التي قد تصبح مهددة وسط توتر صراع محتمل.

تختار كيارا (سوامي روتولو) الحل الأول بينما تنتقل عاماً بعد عام من البراءة إلى الشعور بالأنوثة. من سن ما قبل المراهقة إلى الشباب بما يحمله هذا الانتقال من أحاسيس جديدة متلاطمة. التأسيس العام للفيلم جيد. الحبكة التي تسردها كذلك، لكن مشاكل الفيلم تبدأ من بعد وضع هذا التأسيس موضع التنفيذ، خاصّة في نحو نصف الساعة الأخيرة من العرض عندما تبدأ مهمّة البحث عن أبيها المتواري عن الأنظار.

لأداء الممثلة غير المحترفة سوامي روتولو نصيب في تماسك الفيلم. معظم العمل في البداية مشدود الوتيرة، وصولاً إلى حيث لم يعد هناك مجال للتطوير.


بحث في الذات

هناك بحث آخر مختلف جداً في فيلم كوري (جنوبي بالطبع كون الأفلام الكورية الشمالية نادرة وإن وُجدت فهي غالباً منشورات سياسية) عنوانه «انطوائيون» للمخرجة هونغ سونغ - إيون.

تقترح حكايتها وجود شخصية امرأة شابة تعمل في شركة بطاقات تأمين وتعيش وحدها في شقّة وتؤكد لنفسها ولسواها أنها لا تود أن تفرّط في وحدتها تلك لأنها كل ما تملكه. هذا الانطواء يشمل كذلك مواصلة الابتعاد عن أبيها الذي ورث أمّها ولم يكترث لمساعدة ابنته في بناء حياتها الخاصة.

الموضوع ليس هنا، وحكاية الأب تأتي في السياق وليس في الأساس. ما يرد أولاً في هذا الفيلم ملاحظتها لجارها الذي يعيش وحيداً أيضاً. لاحقاً ما سيموت ذلك الرجل وحيداً من دون سؤال أحد عنه وموته سيجعلها تفكر في مصيرها إذا ما استمرت على هذه الحالة.

يأتي هذا الفيلم في الوقت التي تثير مسألة الانطوائيين في المدن الكورية انتباه الحكومة الكورية بعدما لاحظت تزايد عدد حالات الموت بين نساء ورجال اخترن، لسبب أو لآخر، العيش منفردين. الفيلم مثير كحالة أكثر منه إبداعاً فنياً. هذا مصير العديد من الأفلام الحديثة التي تدور في رحى الشخصيات أكثر مما تسرد حكايات أكبر مما تعرضه.

وفي «قمر أزرق» قصّة فتاة شابّة ‫في الثانية والعشرين من عمرها عذراء إلى أن تلتقي برجل متزوّج لتفيق في اليوم التالي وحيدة. كونها تعيش مع أفراد عائلتها يدرك الجميع ما قامت به لكنهم مشغولون عنها بخلافات مستفيضة وعندما يولّونها الاهتمام تتلقى سخطهم وتعاليهم عليها كونها لم تنجز بعد وضعاً اجتماعياً أو دراسياً ما. غمار الأحداث سينقلنا معها من حدث لآخر حالما تبدأ عملية البحث عن هويّتها الذاتية. لا أحد يتركها بسلام ولا الفيلم كذلك. من غير المُتاح، لمن لم يقرأ السيناريو، التعرّف على الشخصيات الكثيرة التي تظهر وتختفي وتعاود الظهور متى أريد لها ذلك سواء أكان هذا مناسباً أو لا. هذا ينطلي على الرجال المتشابهين (كلهم بلحى أوروبية صغيرة وأمارات متشابهة). الفيلم معجوق صوتاً. الجميع يتحدث في وقت واحد ومشاهد الطعام أكثر مما يجب.‬‬‬

في مطلع الفيلم هناك ذلك المشهد المفترض أن يكون عابراً، لولا أنه يعكس أسلوب المخرج في سرد حكايته: تسقط المفاتيح فتنزل الكاميرا من وجه بطلة الفيلم إرينا (أووانا شيتو) إلى الأرض لتصاحب وقوع المفاتيح وحركة يد إرينا لالتقاطها ثم تصعد لوجهها مرّة ثانية. لا تمنح اختيارات المخرجة إلينا غريغور لحركات الكاميرا الفيلم قيمة استثنائية. هي كاميرا محمولة تدور بلا كلل فوق كل شيء وتحمل زخماً بتخطيط مسبق هو مقبول بحد ذاته لكنه لا يضيف شيئاً.

كل واحدة من بطلات هذه الأفلام لديها ما تبحث عنه. هو الذات في مختلف الأحوال سواء أكان محور هذا البحث عن الأب أو عن تاريخ الجار أو عن المستقبل. لكن في «خلية» لبلرتا باشوللي هو بحث عن التاريخ.


مفقودون

هذا فيلم جيد يتولى سرد حكاية امرأة استرعت حياتها اهتمام المخرجة فقررت تحقيق هذا الفيلم الجيد حولها. هنا تؤدي بطلة الفيلم (بيكا غاشي) دور المرأة الأربعينية التي اختفى زوجها خلال الحرب اليوغوسلافية بين كوسوفو وصربيا ولم يعد. من المرجّح أنه ميت، لكن بطلة الفيلم لا تود الاستسلام لهذا الاحتمال.

تعيش حياتها بصعوبة وفي بالها أن ما هو مهم هو التمسّك بالأمل، ولهذا السبب سنراها تؤسس لجمعية نسائية تريد حث المسؤولين على المطالبة بمعرفة مصير المخطوفين والمفقودين في تلك الحرب. لا نعرف مستقبل هذه الخطوة لكننا سنتابع في موازاتها حياة امرأة في الأربعينات من عمرها وهي تقوم بعمل زوجها في رعاية خلايا النحل لبيعها في الأسواق. سنراها بوجه لا يعرف الابتسام وهي تحاول تأمين تكاليف المعيشة لها ولولديها ولوالد زوجها المقعد.

الفيلم هادئ النبرة ربما أكثر مما يجب. مأساة بطلته تطغى على أي جانب آخر. الثمن الذي تدفعه المخرجة مقابل ذلك هو تجاهلها لباقي الشخصيات (القريبة من حياة فاريا أو البعيدة). ليس هناك تطوير حتى بالنسبة لابنة فاريا الثائرة على أمها، والفصل الأخير من الأحداث هو تحصيل حاصل لا يتساوى مع المتوقع لفيلم يطرح مشكلة عميقة.

وما يشترك به مع الأفلام الأخرى حقيقة أن ممثلته غاشي تستحق جائزة أفضل تمثيل نسائي، كذلك بطلات الأفلام المذكورة بلا استثناء.


مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

فيديو