مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (3): الهم النسوي في أفلام تبحث داخل الذات والتاريخ

7 منها تتناول شخصيات ومواضيع نسائية

نساء سجينات في «107 أمهات»
نساء سجينات في «107 أمهات»
TT

مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (3): الهم النسوي في أفلام تبحث داخل الذات والتاريخ

نساء سجينات في «107 أمهات»
نساء سجينات في «107 أمهات»

\تتألف مسابقة الأفلام الروائية في الدورة الحالية من مهرجان القاهرة السينمائي من خمسة عشر فيلماً من بينها سبعة تتناول مواضيع وشخصيات نسائية.
أكثر من هذا العدد نجده في تظاهرات وأقسام أخرى من هذا المهرجان العتيد في دورته الثالثة والأربعين. في مسابقة «آفاق السينما العربية» على سبيل المثال هناك ستة وفي قسم «أسبوع النقاد» والأفلام المعروضة خارج المسابقات المذكورة.
أحد أسباب كثرة الأفلام التي تتحدث عن المرأة يكمن في أنها إذا لم تتحدث عن الرجل والمرأة معاً أو عن الرجل وحده، فإن البديل الطبيعي هو التحدث عن المرأة. إلى ذلك، فإن معظم هذه الأفلام هي أوروبية وآسيوية وعربية حيث «القضايا» تسود، في أحيان متعددة، على النوعية والحكايات ليست منسوجة من أفلام ذات نصوص شاملة كما حال الأفلام الأميركية على سبيل المثال.
بالطبع هناك هامش واسع من القضايا النسائية التي يمكن طرحها. هناك حالات مختلفة تنتمي كل منها إلى وضع مغاير سواء أكان إنسانياً محضاً أو اجتماعياً أو سواه. المواضيع غالباً جادّة لا ضحكات فيها ولا هزل. المشاكل المبثوثة عبر الشاشة مهمّة ولو في الظاهر. توفر، في العادة، شخصيات عادية على خلفيات أكبر منها. نساء يحاولن إيجاد موضع قدم لهن في حياة تقع بين الواقع والطموح.

تفعيل منخفض
مثل هذا الشأن نجده في فيلم بيتر كيركس «107 أمهات». هو فيلم سلوفاكي من نوع الدوكيودراما يدور حول سجن نسائي تشغله سجينات لديهن أطفال رضّع في السجن ذاته تحت إشراف مديرته إرينا.
إرينا تبدو في مطلع الفيلم كما لو أنها لا يمكن لها أن تشعر حيال السجينات وأطفالهن بأي قدر ملموس من الاهتمام. تمارس عملها بحزم. تستوجب السجينات بلهجة آمرة ولا تبتسم لأحد منهن. لكنها تملك تحت هذا الستار قلباً حنوناً وتبدي اهتماماً خاصاً لحالة السجينة الشابة أليسا التي عليها أن تختار بين تسليم طفلها للميتم (بعدما بلغ الثالثة من العمر) وإما لوالدتها. هذا ليس اختياراً سهلاً كون علاقتها مع والدتها ليست جيدة.
تنصب الكاميرا على السجينات وهن يُجبن على أسئلة تتعلّق بالجرائم التي ارتكبنها والعاطفة. بعضهن يُظهر ندماً أكثر من بعضهن الآخر لكنهن جميعاً ضحايا الذات والغيرة والعاطفة أكثر مما هن ضحايا ظروف اجتماعية محددة. كذلك عليهن في مشاهد حياتية اعتيادية ضمن الوضع غير الاعتيادي الذي يعشنه.
لفترة يجيد المخرج بيتر كيركس العمل بمنظومة الدوكيودراما. هناك تفعيل منخفض للدراما عبر المواقف التي لا تصل إلى مستوى الأحداث. بعد حين يتبدّى أن الزواج بين «التسجيلي» و«الروائي» ليس متوازياً. «التسجيلي» يطغى على الدراما، وهو لا يفعل ذلك إلا لأن الدراما في الفيلم ليس لديها الكثير مما توفره. هناك جهد مبذول وواضح في معالجة المخرج الكليّة لهذا الفيلم. اختياراته من المشاهد ليست عبثية والحالات التي يوفّرها للسجينات تدعو للاهتمام والمحور الذي يختاره (وضع الشابّة إليسا) يجسّد الوضع برمّته.
منهج مختلف تماماً يوفره المخرج يهوناس كاربينانو في فيلمه «كيارا» حول فتاة تحمل ذلك الاسم تنتمي إلى عائلة تبدو عادية لكن الحقيقة تتبدى أمام الفتاة بعدما اختفى رب العائلة فجأة إثر انفجار سيارة ملغومة. تحريات الفتاة تقودها إلى اكتشاف أن والدها يعمل مع المافيا وأن والدتها تعلم ذلك وتؤازره. هذا ما يجعلها تقف على مفترق طرقات. من ناحية هي تريد معرفة تاريخ أبيها، ومن ناحية يغريها أن تهرب منه ومن ثالثة أن تنصاع له وتواصل العيش في كنف العائلة التي قد تصبح مهددة وسط توتر صراع محتمل.
تختار كيارا (سوامي روتولو) الحل الأول بينما تنتقل عاماً بعد عام من البراءة إلى الشعور بالأنوثة. من سن ما قبل المراهقة إلى الشباب بما يحمله هذا الانتقال من أحاسيس جديدة متلاطمة. التأسيس العام للفيلم جيد. الحبكة التي تسردها كذلك، لكن مشاكل الفيلم تبدأ من بعد وضع هذا التأسيس موضع التنفيذ، خاصّة في نحو نصف الساعة الأخيرة من العرض عندما تبدأ مهمّة البحث عن أبيها المتواري عن الأنظار.
لأداء الممثلة غير المحترفة سوامي روتولو نصيب في تماسك الفيلم. معظم العمل في البداية مشدود الوتيرة، وصولاً إلى حيث لم يعد هناك مجال للتطوير.

بحث في الذات
هناك بحث آخر مختلف جداً في فيلم كوري (جنوبي بالطبع كون الأفلام الكورية الشمالية نادرة وإن وُجدت فهي غالباً منشورات سياسية) عنوانه «انطوائيون» للمخرجة هونغ سونغ - إيون.
تقترح حكايتها وجود شخصية امرأة شابة تعمل في شركة بطاقات تأمين وتعيش وحدها في شقّة وتؤكد لنفسها ولسواها أنها لا تود أن تفرّط في وحدتها تلك لأنها كل ما تملكه. هذا الانطواء يشمل كذلك مواصلة الابتعاد عن أبيها الذي ورث أمّها ولم يكترث لمساعدة ابنته في بناء حياتها الخاصة.
الموضوع ليس هنا، وحكاية الأب تأتي في السياق وليس في الأساس. ما يرد أولاً في هذا الفيلم ملاحظتها لجارها الذي يعيش وحيداً أيضاً. لاحقاً ما سيموت ذلك الرجل وحيداً من دون سؤال أحد عنه وموته سيجعلها تفكر في مصيرها إذا ما استمرت على هذه الحالة.
يأتي هذا الفيلم في الوقت التي تثير مسألة الانطوائيين في المدن الكورية انتباه الحكومة الكورية بعدما لاحظت تزايد عدد حالات الموت بين نساء ورجال اخترن، لسبب أو لآخر، العيش منفردين. الفيلم مثير كحالة أكثر منه إبداعاً فنياً. هذا مصير العديد من الأفلام الحديثة التي تدور في رحى الشخصيات أكثر مما تسرد حكايات أكبر مما تعرضه.
وفي «قمر أزرق» قصّة فتاة شابّة ‫في الثانية والعشرين من عمرها عذراء إلى أن تلتقي برجل متزوّج لتفيق في اليوم التالي وحيدة. كونها تعيش مع أفراد عائلتها يدرك الجميع ما قامت به لكنهم مشغولون عنها بخلافات مستفيضة وعندما يولّونها الاهتمام تتلقى سخطهم وتعاليهم عليها كونها لم تنجز بعد وضعاً اجتماعياً أو دراسياً ما. غمار الأحداث سينقلنا معها من حدث لآخر حالما تبدأ عملية البحث عن هويّتها الذاتية. لا أحد يتركها بسلام ولا الفيلم كذلك. من غير المُتاح، لمن لم يقرأ السيناريو، التعرّف على الشخصيات الكثيرة التي تظهر وتختفي وتعاود الظهور متى أريد لها ذلك سواء أكان هذا مناسباً أو لا. هذا ينطلي على الرجال المتشابهين (كلهم بلحى أوروبية صغيرة وأمارات متشابهة). الفيلم معجوق صوتاً. الجميع يتحدث في وقت واحد ومشاهد الطعام أكثر مما يجب.‬‬‬
في مطلع الفيلم هناك ذلك المشهد المفترض أن يكون عابراً، لولا أنه يعكس أسلوب المخرج في سرد حكايته: تسقط المفاتيح فتنزل الكاميرا من وجه بطلة الفيلم إرينا (أووانا شيتو) إلى الأرض لتصاحب وقوع المفاتيح وحركة يد إرينا لالتقاطها ثم تصعد لوجهها مرّة ثانية. لا تمنح اختيارات المخرجة إلينا غريغور لحركات الكاميرا الفيلم قيمة استثنائية. هي كاميرا محمولة تدور بلا كلل فوق كل شيء وتحمل زخماً بتخطيط مسبق هو مقبول بحد ذاته لكنه لا يضيف شيئاً.
كل واحدة من بطلات هذه الأفلام لديها ما تبحث عنه. هو الذات في مختلف الأحوال سواء أكان محور هذا البحث عن الأب أو عن تاريخ الجار أو عن المستقبل. لكن في «خلية» لبلرتا باشوللي هو بحث عن التاريخ.

مفقودون
هذا فيلم جيد يتولى سرد حكاية امرأة استرعت حياتها اهتمام المخرجة فقررت تحقيق هذا الفيلم الجيد حولها. هنا تؤدي بطلة الفيلم (بيكا غاشي) دور المرأة الأربعينية التي اختفى زوجها خلال الحرب اليوغوسلافية بين كوسوفو وصربيا ولم يعد. من المرجّح أنه ميت، لكن بطلة الفيلم لا تود الاستسلام لهذا الاحتمال.
تعيش حياتها بصعوبة وفي بالها أن ما هو مهم هو التمسّك بالأمل، ولهذا السبب سنراها تؤسس لجمعية نسائية تريد حث المسؤولين على المطالبة بمعرفة مصير المخطوفين والمفقودين في تلك الحرب. لا نعرف مستقبل هذه الخطوة لكننا سنتابع في موازاتها حياة امرأة في الأربعينات من عمرها وهي تقوم بعمل زوجها في رعاية خلايا النحل لبيعها في الأسواق. سنراها بوجه لا يعرف الابتسام وهي تحاول تأمين تكاليف المعيشة لها ولولديها ولوالد زوجها المقعد.
الفيلم هادئ النبرة ربما أكثر مما يجب. مأساة بطلته تطغى على أي جانب آخر. الثمن الذي تدفعه المخرجة مقابل ذلك هو تجاهلها لباقي الشخصيات (القريبة من حياة فاريا أو البعيدة). ليس هناك تطوير حتى بالنسبة لابنة فاريا الثائرة على أمها، والفصل الأخير من الأحداث هو تحصيل حاصل لا يتساوى مع المتوقع لفيلم يطرح مشكلة عميقة.
وما يشترك به مع الأفلام الأخرى حقيقة أن ممثلته غاشي تستحق جائزة أفضل تمثيل نسائي، كذلك بطلات الأفلام المذكورة بلا استثناء.



هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.