مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (3): الهم النسوي في أفلام تبحث داخل الذات والتاريخ

7 منها تتناول شخصيات ومواضيع نسائية

نساء سجينات في «107 أمهات»
نساء سجينات في «107 أمهات»
TT

مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (3): الهم النسوي في أفلام تبحث داخل الذات والتاريخ

نساء سجينات في «107 أمهات»
نساء سجينات في «107 أمهات»

\تتألف مسابقة الأفلام الروائية في الدورة الحالية من مهرجان القاهرة السينمائي من خمسة عشر فيلماً من بينها سبعة تتناول مواضيع وشخصيات نسائية.
أكثر من هذا العدد نجده في تظاهرات وأقسام أخرى من هذا المهرجان العتيد في دورته الثالثة والأربعين. في مسابقة «آفاق السينما العربية» على سبيل المثال هناك ستة وفي قسم «أسبوع النقاد» والأفلام المعروضة خارج المسابقات المذكورة.
أحد أسباب كثرة الأفلام التي تتحدث عن المرأة يكمن في أنها إذا لم تتحدث عن الرجل والمرأة معاً أو عن الرجل وحده، فإن البديل الطبيعي هو التحدث عن المرأة. إلى ذلك، فإن معظم هذه الأفلام هي أوروبية وآسيوية وعربية حيث «القضايا» تسود، في أحيان متعددة، على النوعية والحكايات ليست منسوجة من أفلام ذات نصوص شاملة كما حال الأفلام الأميركية على سبيل المثال.
بالطبع هناك هامش واسع من القضايا النسائية التي يمكن طرحها. هناك حالات مختلفة تنتمي كل منها إلى وضع مغاير سواء أكان إنسانياً محضاً أو اجتماعياً أو سواه. المواضيع غالباً جادّة لا ضحكات فيها ولا هزل. المشاكل المبثوثة عبر الشاشة مهمّة ولو في الظاهر. توفر، في العادة، شخصيات عادية على خلفيات أكبر منها. نساء يحاولن إيجاد موضع قدم لهن في حياة تقع بين الواقع والطموح.

تفعيل منخفض
مثل هذا الشأن نجده في فيلم بيتر كيركس «107 أمهات». هو فيلم سلوفاكي من نوع الدوكيودراما يدور حول سجن نسائي تشغله سجينات لديهن أطفال رضّع في السجن ذاته تحت إشراف مديرته إرينا.
إرينا تبدو في مطلع الفيلم كما لو أنها لا يمكن لها أن تشعر حيال السجينات وأطفالهن بأي قدر ملموس من الاهتمام. تمارس عملها بحزم. تستوجب السجينات بلهجة آمرة ولا تبتسم لأحد منهن. لكنها تملك تحت هذا الستار قلباً حنوناً وتبدي اهتماماً خاصاً لحالة السجينة الشابة أليسا التي عليها أن تختار بين تسليم طفلها للميتم (بعدما بلغ الثالثة من العمر) وإما لوالدتها. هذا ليس اختياراً سهلاً كون علاقتها مع والدتها ليست جيدة.
تنصب الكاميرا على السجينات وهن يُجبن على أسئلة تتعلّق بالجرائم التي ارتكبنها والعاطفة. بعضهن يُظهر ندماً أكثر من بعضهن الآخر لكنهن جميعاً ضحايا الذات والغيرة والعاطفة أكثر مما هن ضحايا ظروف اجتماعية محددة. كذلك عليهن في مشاهد حياتية اعتيادية ضمن الوضع غير الاعتيادي الذي يعشنه.
لفترة يجيد المخرج بيتر كيركس العمل بمنظومة الدوكيودراما. هناك تفعيل منخفض للدراما عبر المواقف التي لا تصل إلى مستوى الأحداث. بعد حين يتبدّى أن الزواج بين «التسجيلي» و«الروائي» ليس متوازياً. «التسجيلي» يطغى على الدراما، وهو لا يفعل ذلك إلا لأن الدراما في الفيلم ليس لديها الكثير مما توفره. هناك جهد مبذول وواضح في معالجة المخرج الكليّة لهذا الفيلم. اختياراته من المشاهد ليست عبثية والحالات التي يوفّرها للسجينات تدعو للاهتمام والمحور الذي يختاره (وضع الشابّة إليسا) يجسّد الوضع برمّته.
منهج مختلف تماماً يوفره المخرج يهوناس كاربينانو في فيلمه «كيارا» حول فتاة تحمل ذلك الاسم تنتمي إلى عائلة تبدو عادية لكن الحقيقة تتبدى أمام الفتاة بعدما اختفى رب العائلة فجأة إثر انفجار سيارة ملغومة. تحريات الفتاة تقودها إلى اكتشاف أن والدها يعمل مع المافيا وأن والدتها تعلم ذلك وتؤازره. هذا ما يجعلها تقف على مفترق طرقات. من ناحية هي تريد معرفة تاريخ أبيها، ومن ناحية يغريها أن تهرب منه ومن ثالثة أن تنصاع له وتواصل العيش في كنف العائلة التي قد تصبح مهددة وسط توتر صراع محتمل.
تختار كيارا (سوامي روتولو) الحل الأول بينما تنتقل عاماً بعد عام من البراءة إلى الشعور بالأنوثة. من سن ما قبل المراهقة إلى الشباب بما يحمله هذا الانتقال من أحاسيس جديدة متلاطمة. التأسيس العام للفيلم جيد. الحبكة التي تسردها كذلك، لكن مشاكل الفيلم تبدأ من بعد وضع هذا التأسيس موضع التنفيذ، خاصّة في نحو نصف الساعة الأخيرة من العرض عندما تبدأ مهمّة البحث عن أبيها المتواري عن الأنظار.
لأداء الممثلة غير المحترفة سوامي روتولو نصيب في تماسك الفيلم. معظم العمل في البداية مشدود الوتيرة، وصولاً إلى حيث لم يعد هناك مجال للتطوير.

بحث في الذات
هناك بحث آخر مختلف جداً في فيلم كوري (جنوبي بالطبع كون الأفلام الكورية الشمالية نادرة وإن وُجدت فهي غالباً منشورات سياسية) عنوانه «انطوائيون» للمخرجة هونغ سونغ - إيون.
تقترح حكايتها وجود شخصية امرأة شابة تعمل في شركة بطاقات تأمين وتعيش وحدها في شقّة وتؤكد لنفسها ولسواها أنها لا تود أن تفرّط في وحدتها تلك لأنها كل ما تملكه. هذا الانطواء يشمل كذلك مواصلة الابتعاد عن أبيها الذي ورث أمّها ولم يكترث لمساعدة ابنته في بناء حياتها الخاصة.
الموضوع ليس هنا، وحكاية الأب تأتي في السياق وليس في الأساس. ما يرد أولاً في هذا الفيلم ملاحظتها لجارها الذي يعيش وحيداً أيضاً. لاحقاً ما سيموت ذلك الرجل وحيداً من دون سؤال أحد عنه وموته سيجعلها تفكر في مصيرها إذا ما استمرت على هذه الحالة.
يأتي هذا الفيلم في الوقت التي تثير مسألة الانطوائيين في المدن الكورية انتباه الحكومة الكورية بعدما لاحظت تزايد عدد حالات الموت بين نساء ورجال اخترن، لسبب أو لآخر، العيش منفردين. الفيلم مثير كحالة أكثر منه إبداعاً فنياً. هذا مصير العديد من الأفلام الحديثة التي تدور في رحى الشخصيات أكثر مما تسرد حكايات أكبر مما تعرضه.
وفي «قمر أزرق» قصّة فتاة شابّة ‫في الثانية والعشرين من عمرها عذراء إلى أن تلتقي برجل متزوّج لتفيق في اليوم التالي وحيدة. كونها تعيش مع أفراد عائلتها يدرك الجميع ما قامت به لكنهم مشغولون عنها بخلافات مستفيضة وعندما يولّونها الاهتمام تتلقى سخطهم وتعاليهم عليها كونها لم تنجز بعد وضعاً اجتماعياً أو دراسياً ما. غمار الأحداث سينقلنا معها من حدث لآخر حالما تبدأ عملية البحث عن هويّتها الذاتية. لا أحد يتركها بسلام ولا الفيلم كذلك. من غير المُتاح، لمن لم يقرأ السيناريو، التعرّف على الشخصيات الكثيرة التي تظهر وتختفي وتعاود الظهور متى أريد لها ذلك سواء أكان هذا مناسباً أو لا. هذا ينطلي على الرجال المتشابهين (كلهم بلحى أوروبية صغيرة وأمارات متشابهة). الفيلم معجوق صوتاً. الجميع يتحدث في وقت واحد ومشاهد الطعام أكثر مما يجب.‬‬‬
في مطلع الفيلم هناك ذلك المشهد المفترض أن يكون عابراً، لولا أنه يعكس أسلوب المخرج في سرد حكايته: تسقط المفاتيح فتنزل الكاميرا من وجه بطلة الفيلم إرينا (أووانا شيتو) إلى الأرض لتصاحب وقوع المفاتيح وحركة يد إرينا لالتقاطها ثم تصعد لوجهها مرّة ثانية. لا تمنح اختيارات المخرجة إلينا غريغور لحركات الكاميرا الفيلم قيمة استثنائية. هي كاميرا محمولة تدور بلا كلل فوق كل شيء وتحمل زخماً بتخطيط مسبق هو مقبول بحد ذاته لكنه لا يضيف شيئاً.
كل واحدة من بطلات هذه الأفلام لديها ما تبحث عنه. هو الذات في مختلف الأحوال سواء أكان محور هذا البحث عن الأب أو عن تاريخ الجار أو عن المستقبل. لكن في «خلية» لبلرتا باشوللي هو بحث عن التاريخ.

مفقودون
هذا فيلم جيد يتولى سرد حكاية امرأة استرعت حياتها اهتمام المخرجة فقررت تحقيق هذا الفيلم الجيد حولها. هنا تؤدي بطلة الفيلم (بيكا غاشي) دور المرأة الأربعينية التي اختفى زوجها خلال الحرب اليوغوسلافية بين كوسوفو وصربيا ولم يعد. من المرجّح أنه ميت، لكن بطلة الفيلم لا تود الاستسلام لهذا الاحتمال.
تعيش حياتها بصعوبة وفي بالها أن ما هو مهم هو التمسّك بالأمل، ولهذا السبب سنراها تؤسس لجمعية نسائية تريد حث المسؤولين على المطالبة بمعرفة مصير المخطوفين والمفقودين في تلك الحرب. لا نعرف مستقبل هذه الخطوة لكننا سنتابع في موازاتها حياة امرأة في الأربعينات من عمرها وهي تقوم بعمل زوجها في رعاية خلايا النحل لبيعها في الأسواق. سنراها بوجه لا يعرف الابتسام وهي تحاول تأمين تكاليف المعيشة لها ولولديها ولوالد زوجها المقعد.
الفيلم هادئ النبرة ربما أكثر مما يجب. مأساة بطلته تطغى على أي جانب آخر. الثمن الذي تدفعه المخرجة مقابل ذلك هو تجاهلها لباقي الشخصيات (القريبة من حياة فاريا أو البعيدة). ليس هناك تطوير حتى بالنسبة لابنة فاريا الثائرة على أمها، والفصل الأخير من الأحداث هو تحصيل حاصل لا يتساوى مع المتوقع لفيلم يطرح مشكلة عميقة.
وما يشترك به مع الأفلام الأخرى حقيقة أن ممثلته غاشي تستحق جائزة أفضل تمثيل نسائي، كذلك بطلات الأفلام المذكورة بلا استثناء.



«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)
TT

«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)

في وقتٍ تشهد فيه السينما السعودية تنوّعاً في العروض بين الجديد والكلاسيكي، يعود الفيلم الأيقوني «Goodfellas» («غودفيلاز» أو «الأصدقاء الطيبون») للمخرج مارتن سكورسيزي، الصادر عام 1990، إلى صالات العرض بوصفه واحداً من أكثر الأعمال رسوخاً في سينما العصابات. ويأتي عرضه اليوم، بتوزيع «سينيويفز»، بعد أكثر من 35 عاماً على طرحه الأول، ضمن حراك سينمائي أوسع يستعيد أعمالاً تركت بصمتها في تاريخ السينما، وامتدَّ تأثيرها عبر أجيال متعاقبة من المشاهدين.

ويستمد الفيلم قيمته من مكانته بوصفه أحد أبرز الأعمال تأثيراً في تناول عالم الجريمة المنظمة. وتأتي إعادة عرضه في صالات السينما السعودية ضمن توجه متزايد لإحياء أفلام بارزة أمام جمهور جديد، في تجربة تمنحها حياة إضافية خارج زمنها الأصلي. وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت دور العرض السعودية عدداً من العناوين التي عادت إلى الشاشة، مثل: «تايتانيك» (1997) و«إنترستلر» (2014)، إلى جانب روائع سينمائية أخرى.

قصة حقيقية... صعود داخل العصابات

رجال العصابة بالفيلم في محاكاة للقصة التي رواها هنري هيل للصحافة (imdb)

يستند «غودفيلاز» إلى قصة حقيقية جرت أحداثها بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، داخل عالم الجريمة المنظمة في نيويورك. ويروي الفيلم حكاية هنري هيل (راي ليوتا)، الشاب الذي نشأ في حيٍّ تحكمه العصابات، وانجذب منذ طفولته إلى ما تمثِّله من قوة ونفوذ، ليتسلل تدريجياً إلى هذا العالم. وتتحول حياته من مراقبة الحلم إلى عيشه، ثم إلى مواجهة ثمنه.

يستند السيناريو إلى كتاب للصحافي نيكولاس بيليجي، الذي وثّق تجربة هنري من الداخل، اعتماداً على شهادته الشخصية وما ارتبط بها من أحداث وعلاقات وشخصيات حقيقية.

وخلال رحلته، يتعرَّف هنري إلى عدد من رجال العصابات، أبرزهم جيمي كونواي (روبرت دي نيرو)، الرجل الهادئ الذي تستند سلطته إلى الحضور والحسابات الدقيقة بعيداً عن الصخب، وتومي ديفيتو (جو بيشي)، بشخصيته الحادّة والمتقلّبة، القادر على تحويل المزاح إلى خطر في لحظة.

وفي خضمّ هذا العالم، يرتبط هنري بكارين هيل (لورين براكو)، فيتزوجها وينجب منها طفلتين. تدخل كارين هذه التجربة بدافع الإعجاب به، لكنها تجد نفسها تدريجياً داخل دوامة يصعب الخروج منها.

مشاهد أيقونية... راسخة في الذاكرة

والدة سكورسيزي الحقيقية تظهر في مشهد من الفيلم (imdb)

وقدم سكورسيزي في الفيلم أسلوباً بصرياً مختلفاً عن السائد آنذاك، جعل كثيراً من مشاهد «غودفيلاز» تُصنَّف بوصفها لقطات أيقونية تُدرَّس في بعض الجامعات. ومن أبرزها اللقطة الطويلة التي تتابع هنري وكارين في أثناء دخولهما المطعم من الباب الخلفي، متجاوزين انتظار الدور، في تجسيد واضح لطبيعة العالم الذي يعيشان فيه، وحجم النفوذ الذي بلغه هنري، حيث يصبح الوصول امتيازاً، وتُزال الحواجز.

ومن المشاهد اللافتة أيضاً مشهد «هل أنا مضحك؟»، الذي يبدأ بأجواء مرحة داخل مطعم، حين يضحك هنري على تعليق لتومي ويصفه بأنه «مضحك»، قبل أن تنقلب النبرة فجأة، مع سؤال تومي الحاد: «هل أنا مضحك؟ هل تراني مهرجاً؟». سؤال يبدو عابراً، لكنه يتحوَّل إلى اختبار قوة صامت يكشف عن توتر كامن خلف المزاح. وتنبع قوة المشهد من أداء جو بيشي، الذي يتنقّل ببراعة بين الضحك والحدّة في لحظات خاطفة، مانحاً الشخصية طابعاً متقلّباً ومقلقاً، وهو ما أسهم في فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن دوره في الفيلم.

روبرت دي نيرو... العقل الهادئ

روبرت دي نيرو في دور مجرم العصابات الحقيقي جيمي (imdb)

أما روبرت دي نيرو، فجسَّد شخصية جيمي كونواي، المستوحاة من المجرم الحقيقي جيمس بيرك، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بعالم السرقة المنظمة في نيويورك خلال السبعينات. وكان بيرك العقل المدبر لعملية سرقة «لوفتهانزا» الشهيرة عام 1978، وهي من كبرى عمليات السرقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث جرى الاستيلاء على ملايين الدولارات من مطار جون إف كينيدي.

وتعامل دي نيرو مع الدور ببحث دقيق؛ إذ تواصل مع هنري هيل الحقيقي للوقوف على تفاصيل شخصية بيرك، من طريقة التدخين وحمل السيجارة إلى الإيماءات الدقيقة وأسلوب التعامل مع المحيطين به. وانعكست هذه الملاحظات على أدائه، حيث جاء كثير من التفاصيل الجسدية، مثل حركة اليدين، وطريقة النظر، والهدوء المتعمّد قبل اتخاذ قرار عنيف، مبنية على وصف هنري هيل للشخصية الحقيقية.

ويُعد هذا الدور من أبرز تعاونات دي نيرو مع مارتن سكورسيزي، ويأتي ضمن سلسلة أدوار أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أهم من جسّدوا شخصيات الجريمة المنظمة في السينما الأميركية.

العنف بوصفه حياة يومية

لورين براكو تؤدي دور زوجة هنري هيل (imdb)

يقدّم الفيلم العنف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة داخل هذا العالم، حيث تتعامل الشخصيات مع الخطر بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع تفاصيلها اليومية، مما يضفي على التجربة قسوة مضاعفة. وفي كثير من المشاهد، يظهر العنف بشكل مفاجئ، قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، في تناقض حاد يترك أثراً عميقاً. ويتجلّى ذلك في مشهد العشاء داخل منزل والدة تومي، حيث تجتمع أجواء عائلية هادئة، وحديث بسيط وطعام منزلي، في وقت يدرك فيه المشاهد أن الحاضرين كانوا منخرطين في فعل عنيف قبل لحظات.

ويزداد المشهد تأثيراً بكون والدة تومي هي في الواقع والدة المخرج سكورسيزي، وقد جاء ظهورها بعفوية لافتة، إذ يبدو الحوار طبيعياً إلى حد مربك، كما لو أن الكاميرا التقطت لحظة من الحياة كما هي. هذا التداخل بين الألفة والخطر يمنح المشهد وزناً خاصاً، ويجعله عالقاً في الذاكرة.

الزمن في إيقاع الصوت

المخرج مارتن سكورسيزي يتوسط نجوم الفيلم (imdb)

يلعب الصوت في «غودفيلاز» دوراً محورياً في بناء التجربة، لا سيما من خلال التعليق الصوتي لهنري هيل (راي ليوتا)، الذي يرافق الأحداث ويكشف عن طبقات من وعي الشخصية، مقرّباً المتفرج من عالمها الداخلي بدل الاكتفاء بالمراقبة من الخارج. كما ترتبط الاختيارات الموسيقية بزمن الأحداث، مانحة الفيلم إحساساً دقيقاً بالحقبة، وتضع المشاهد داخل أجواء نيويورك في الستينات والسبعينات، حيث يتقاطع صعود العصابات مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

ورغم أن الفيلم يتحرك داخل عالم يهيمن عليه الرجال، فإن شخصية كارين هيل (لورين براكو) تمنح الأحداث بعداً مختلفاً، إذ تكشف عن أثر هذا العالم على الحياة الخاصة. ومن خلال منظورها، يتجلّى التوتر بين الانجذاب إلى السلطة والخوف من تبعاتها، وكذلك بين البحث عن الأمان والانزلاق إلى الخطر. وفي علاقتها بهنري، تنكشف هشاشة الروابط حين تُبنى على الانبهار، ويظهر كيف يمكن للولاء أن يتحول إلى عبء، وللحب أن يصبح ساحة صراع.

اللحظات الأخيرة للفيلم حين تتصدع العلاقة بين هنري وجيمي (imdb)

يمكن القول إن عودة «غودفيلاز» إلى صالات السينما في السعودية أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شارك الجمهور انطباعاتهم حول التجربة، في حين توقّف آخرون عند مشاهد أعادوا اكتشافها، وتناولت بعض النقاشات أداء الممثلين أو أسلوب الإخراج، بينما انشغل آخرون بالتفاصيل الدقيقة التي تتجلّى بشكل أوضح على الشاشة الكبيرة.

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم حقق نجاحاً تجارياً وجماهيرياً لافتاً في شباك التذاكر الأميركي، بإيرادات بلغت 46.8 مليون دولار، أي ما يقارب ضعف ميزانيته المقدّرة بـ25 مليون دولار. كما رُشّح لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وفاز بخمس جوائز من الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (البافتا)، بما في ذلك أفضل فيلم وأفضل مخرج.


السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
TT

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية (مثل إيصال الجسد الميت بالكهرباء التي توفِّرها الصواعق)، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر.

في كل الحالات، لا تعدو المسألة أكثر من صنع كيان بشري أو حاسوبي أو رقمي، يكون أقوى، بدنياً أو ككيان معلوماتي، ثم إطلاقه في مواجهة قدرات الإنسان العادية. الرغبة في التفوّق، ولو عبر ابتكار هذا «الآخر»، تدفع العلماء إلى إنجاز ذي وجهة واحدة: شيء يمارس الحياة من دون أن يكون حياً بالفعل، ويتفوَّق على الإنسان قوةً أو ذكاءً.

الروبوت في السينما ليس وليد تطوُّر علمي فحسب، بل هو نبوءة أيضاً. فقد قدَّمت الأربعينات عدداً كبيراً من أفلام الخيال العلمي حول مصنوعات آلية لديها القدرة على الحركة. ثم تطوَّر مفهومها نحو قبولها شريكاً مؤيِّداً للإنسان، كما في سلسلة «ستار وورز»، بفضل شخصية الروبوت الذكي والظريف «C-3PO».

هالي جويل أوزمنت في «ذكاء إصطناعي» (وورنر برذرز)

فكرة قديمة

عندما أخرج ستيڤن سبيلبرغ فيلمه الجدير بالاحتفاء «ذكاء اصطناعي» (A.I.: Artificial Intelligence) 2001، بدا كما لو كان أول فيلم يتحدَّث عن روبوت مُحمَّل بالذكاء والمشاعر. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً، إلا من حيث كونه من أوائل الأفلام التي تتناول شخصية روبوت على امتداد الأحداث.

وضع هذا الفيلم في سياقه التاريخي الصحيح يكشف أنه واحد من أفلام عدِّة ظهر فيها روبوت أو مخلوقات مصنوعة. والحقيقة أن الفارق بين رواية ماري شيلي «فرانكنستين» (1818)، وبين الصبي ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» (كما أدّاه هايلي جويل أوزمنت) يقوم على الفكرة نفسها؛ الاختلاف قصصي، لكن المنبع واحد، وكذلك الدلالات.

كان المخرج ستانلي كوبريك قد قرأ رواية برايان ألديس القصيرة «Supertoys Last All Summer Long» المنشورة سنة 1969، وضمَّها إلى مشروعاته التي كان ينوي تحقيقها، قبل أن يهبها لسبيلبرغ. وباعتراف الأخير، في مقابلة أجريتها معه عام 2001، (واحدة من 5 مقابلات بدأت عام 2000)، ذكر أن نحو نصف الساعة الأولى من الفيلم (الذي تبلغ مدته 146 دقيقة) مأخوذ من السيناريو الذي أوصى كوبريك بكتابته، وكذلك آخر عشرين دقيقة. وهذه الأجزاء، في الواقع، هي من أفضل ما في الفيلم.

الروبوت «C‪-‬3 PO» شريك في أحداث «ستار وورز» (لوكاس فيلم)

استعارة

بعد بدايته، يواجه الفيلم مشكلة عميقة، إذ يتحوَّل، بشكل غير مُعلن، إلى سرد لحكاية الإيطالي كارلو كولودي «بينوكيو» (1881). كلا العملين يدور حول دمية، وكلاهما يبحث عن وسيلة للتحوُّل إلى إنسان.

لا يروي الفيلم أحداث «بينوكيو» حرفياً، لكنه يحتوي على خلاصتها وفحواها. فسعي بينوكيو وديڤيد إلى التحوُّل إلى بشر (الأول من دمية، والثاني من روبوت) واحد، وكذلك مشاعرهما العاطفية خلال تلك الرحلة، واكتشاف كلٍّ منهما أنه لا أحد مستعد لمبادلته الحب في عالم يعجز عن توفيره.

لقد طردت العائلة ديڤيد، الذي تبنَّته، وتركته في العراء. لكنه ليس مجرد روبوت عادي، بل مُزوَّد بالمشاعر الإنسانية ليؤدي دوره بإقناع. أراد أن يثبت جدارته للأم التي لم تلده؛ أحبها وتمنَّى أن تبادله الحب. لكن العائلة لم تستطع قبوله بعد عودة ابنها الحقيقي، فقرَّرت التخلِّي عنه.

رحلة ديڤيد للتحوُّل إلى إنسان تمتد مئات السنين، قضاها في أعماق البحر، إلى أن تعثر عليه مخلوقات فضائية تهبط إلى الأرض بعد دمارها، فتُعيد بناءه وتمنحه فرصة اللقاء بأمِّه بعد إحيائها.

الرغبة في التفوُّق تدفع الإنسان لابتكار كيان يحاكي الحياة ويتفوّق عليه

شبيه آخر

لسبيلبرغ اهتمام خاص بموضوعي الطفولة والعائلة، وهو اهتمام نابع من تجربة شخصية عميقة. فقد كان في الـ15 عندما انفصل والداه، وترك ذلك أثراً كبيراً انعكس في عدد من أفلامه اللاحقة، مع لوم غير مباشر لوالدته، كما في «مبارزة» (Duel)، و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) 1977.

في أفلام أخرى، مثل «شوغرلاند إكسبرس» (1974)، تبدو العائلة ككتلة متماسكة، بينما تقترب من التفكك الكامل في «اللون الأرجواني» (The Color Purple) 1985.

«ذكاء اصطناعي» في جوهره أكثر من كونه قراءة مستقبلية شبيهة بما قدَّمه كوبريك في «2001: أوديسة الفضاء» (1968). إنه فيلم عن طفولة تحتاج إلى أم لتستحق الحياة.

ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» لا يختلف كثيراً عن «جيم» في «إمبراطورية الشمس» (Empire of the Sun)، الذي أخرجه سبيلبرغ في 1987، حيث أدَّى كريستيان بيل دور الصبي الذي استيقظ يوماً ليجد نفسه منفصلاً عن والديه، اللذين اضطُرَّا إلى الهرب من الصين بسبب الغزو الياباني.

ما يعنيه ذلك أن ديڤيد لم يكن بحاجة إلى أن يكون روبوتاً ليقود بطولة الفيلم؛ فالحكاية يمكن أن تحدث لأي طفل يجد نفسه وحيداً في هذا العالم، باحثاً عن الحنان الذي يفتقده.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)

THE LONELIEST MAN IN TOWN

★★★1‪/‬2

* إخراج:‫ تيزا كوڤي، راينر فريمل| ألمانيا (2026)‬

البلوز زارته يوماً... وبقي فيه

لمن لا يزال غير ملمّ بـ«البلوز» كنوع موسيقي، فهو ذلك الغناء الحزين الذي انطلق في مطلع القرن الماضي، ولا يزال حاضراً حتى اليوم. لم يتفق المؤرخون على نشأته بدقة، لكن المؤكد أنه ارتبط بمشاق الحياة لدى السود الأميركيين، وتناول موضوعات تتراوح بين الوقوع في براثن العنصرية والفقر، وسوء الطالع (كما يغني ألبرت كينغ: «لولا سوء الحظ، لما كان لديّ حظ على الإطلاق»)، أو الاستيقاظ يوماً وحيداً بعد هجران الحبيبة.

بطل هذا الفيلم الألماني مغنّي بلوز (أبيض) تأثر بهذا الفن، وغنَّى له، وعاش حياته مخلصاً له بالكامل. لديه جمهور صغير في نادٍ ليلي، ويعيش وحيداً بلا عائلة أو أهل أو أصدقاء. ليس مجرد رجل حزين ومنطوٍ، بل إن البلوز، كما تقول إحدى الأغنيات، زاره يوماً واستقر فيه.

الممثل الذي يؤدي الدور، إلويس كوخ، ليس شخصية خيالية بل حقيقية، وهذا يمنح الفيلم مسحة تسجيلية واضحة، رغم أن العمل يمزج بمهارة بين تلك البصمة والمنحى الروائي. يتابع الفيلم حياته في عمارة آيلة للهدم، وهو آخر من بقي فيها، فيضطر إلى بيع أثاثه وتسجيلاته وأدواته الموسيقية، وكلها أجزاء من تاريخه وهويته. يتابعه الفيلم عبر سلسلة من المواقف التي لا تؤلِّف حبكة تقليدية، بل تنقل وحدة حياة أسلوب المخرجين هادئ الإيقاع، متماسك البناء، كلاسيكي التنفيذ.

بعد أن يبيع ما استطاع من ممتلكاته، لا يبقى لديه سوى غيتاره ورغبته في السفر إلى أميركا والانضمام، كما يقول، إلى أصدقائه هناك. غير أن هذه الصداقات رمزية، إذ لا يعرف شخصياً أياً من ملوك البلوز وفنانيه... لكنه، في النهاية، رجل وحيد يسعى إلى تحقيق حلمه.

28 YEARS LATER‪:‬ THE BONE TEMPLE

★★★

* إخراج: نيا داكوستا | الولايات المتحدة (2026)

«زومبيز» المستقبل يقودهم شيطان

بدايةً، كان هناك «بعد 28 يوماً» (2003)، أخرجه البريطاني داني بويل وكتبه أليكس غارلاند. تبعه عام 2007 «بعد 28 أسبوعاً»، من إخراج الإسباني خوان كارلوس فريسناديلو، ثم، وبعد غياب، جاء الجزء الثالث «بعد 28 عاماً» في العام الماضي، مع عودة داني بويل إلى الإخراج.

«بعد 28 سنة: معبد العظام» (سوني)

الفيلم الجديد هو الرابع في السلسلة، والثاني ضمن ثلاثية جديدة تستخدم الشطر الأول من العنوان «بعد 28 عاماً»، على أن يستكمل الفيلم المقبل، المقرر عرضه العام القادم، هذه الثلاثية.

إنها نهاية العالم كما نعرفه؛ عالم لم يعد آمناً بعد سقوط ما كان سائداً من نظم وقوانين. هكذا، ومع كل جزء، يزداد «الزومبيز» قوةً وخطراً، وإن كانت الأحداث، منذ الجزء الثالث وهذا الفيلم، قد انتقلت إلى الغابات البريطانية الشمالية، بعدما أغلقت لندن على نفسها وأصبحت قلعةً لا يدخلها أحد، ومن يغادرها لا يعود.

يتناول الفيلم الجديد تشكَّل نظام بديل يقوم على الإلحاد وعبادة الشيطان. بطله الدكتور كلسون (راف فاينس)، الذي يسعى إلى فهم أسباب الوباء، في وقت يعجز فيه عن شفاء نفسه. الحكاية هنا تركِّز على الحرب ضد الزومبيز بالصورة التقليدية التي عرفناها في هذه السلسلة وغيرها، بقدر ما تتجه نحو طرح مسائل تمزج بين المعتقدات والممارسات العنيفة لأتباعها.

في خضم ذلك، يتبنى الفيلم تصوراً يتنبأ بأن العالم ماضٍ إلى ما نخشى أن يصير إليه، ولا مفرّ من ذلك. ويترافق هذا التصور مع جرعة عالية من العنف والمشاهد الدموية، التي تبدو، في الجزأين الأخيرين، عنصراً أساسياً في البناء.

النقلة الأبرز هنا هي التوسع في تناول شؤون موازية، من الطبيعي أن تنشأ في مجتمعات كهذه. في مجمله، يقف الفيلم بين التحذير والإلهاء، غير أن إخراج داكوستا متماسك، مدعوم بأفكار لا تتوقف عن التطور.

THE BRIDE

★★

* إخراج:‫ ماجي جيلنهال | الولايات المتحدة (2026)‬

عودة إلى عالم فرانكنستين مع الروك أند رول

ثاني فيلم يصل إلينا خلال 6 أشهر عن شخصية فرانكنستين: الأول لغِييرمو دل تورو «فرانكنستين»، والثاني «العروس» لماجي جيلنهال. الأول ليس أكبر حجماً فحسب، بل يتفوق فنياً ودرامياً في مختلف جوانبه، في حين يبدو الفيلم الجديد، بالمقارنة، أشبه بشبح باهت. صحيح أن الممثلة جيلنهال، في ثاني تجاربها الإخراجية بعد «The Lost Daughter» قبل 4 أعوام، تقدِّم عملاً يحمل بعض الخصائص الفنية والمضامين، غير أنه يشبه العلكة التي لا يعرف المرء لماذا اعتاد عليها.

من «العروس» (وورنر برذرز)

جيسيكا باكلي (فازت بالأوسكار قبل نحو شهر) تؤدي دور المؤلفة الروائية ماري شيلي، وكذلك دور العروس التي يرغب مخلوق فرانكنستين في أن تكون له. تدور الأحداث في ثلاثينات القرن الماضي، مع كمٍّ كبير من الحوار يكفي لمسلسل تلفزيوني، وبعض الإشارات إلى قضايا حقوق المرأة. لكن لا شيء يلتئم تماماً، ولا يقدّم الفيلم تفسيراً مقنعاً لفواصل مهمة من الأحداث.

يتكئ الفيلم على استعادة رائعة جيمس وايل «عروس فرانكنستين»، مما يدفع من شاهد ذلك العمل الرائع إلى التساؤل عن اقتباس لا يرتقي إلى مستوى الأصل. وهذا واحد من تساؤلات عدة يمرّ عليها الفيلم من دون إجابات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز