استراتيجيات الدول الكبرى في الشرق الأوسط

باحث مصري يحلل صراعات القوى الدولية وأثرها على الأمن العربي

غلاف «الأصابع على الزناد»
غلاف «الأصابع على الزناد»
TT

استراتيجيات الدول الكبرى في الشرق الأوسط

غلاف «الأصابع على الزناد»
غلاف «الأصابع على الزناد»

يحلل كتاب «الأصابع على الزناد... استراتيجيات الأمن القومي للدول الكبرى وتأثيراتها على الشرق الأوسط» صراعات القوى ونفوذ كلٍ من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية والصين الشعبية في المنطقة، وذلك باعتبارها الدول التي تمثل أقطاب التنافس الدولي هناك. ويدرس الكتاب، الذي صدر حديثاً للباحث الدكتور سيد غنيم عن دار صفصافة بالقاهرة، الاستراتيجيات نفسها المتعلقة بإسرائيل وتركيا وإيران على الصعيد الإقليمي، كما يقوم بتحليل عمليات التنافس الدولي والإقليمي بين هذه الدول وأثرها على الأمن العربي.
ويتضمن الكتاب إطارين زمنيين؛ يتناول الأول الفترة من «2011 وحتى 2017»، وترتبط بالثورات العربية وما تبعها من تداعيات، وحتى تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة وإصدار آخر وثيقة لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) 2017، أما الإطار الثاني فتنحصر دراساته في الفترة من «2018 وحتى 2020».
في الفصل الأول «مناورة الثلاثة الكبار... استراتيجيات الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية والصين الشعبية» يتناول المؤلف المداخل العلمية لمفهومي الاستراتيجية، والأمن القومي، وتطورهما وتمييزهما عن المفاهيم المختلطة بهما بشكل عام، ويقوم بتحليل وتقييم أدوار وآليات قيام المؤسسات السياسية التنفيذية في عملية صنع وتنفيذ استراتيجيات الأمن القومي في الدول المتقدمة والنامية، كما يتعرض للملامح العامة لاستراتيجيات الأمن القومي للدول العظمى ممثلة في الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا الاتحادية، والصين الشعبية، وقد راعى الباحث في تناول وتحليل هذه الاستراتيجيات تقديم لمحة عامة ملخصة عن كل استراتيجية، ونظرتها للقوى الأخرى المتنافسة على الساحة العالمية، كما قام بتحليل المواقف والمردود تجاه هذه الاستراتيجيات، وعقائد رؤساء الدول وقت إصدار الاستراتيجيات، ومدى تفاعلها مع التطورات السياسية والأمنية بمنطقة الشرق الأوسط.
وقسّم الباحث الفصل الأول إلى مباحث عدة، انصبّ الأول على استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، وكان الثاني عن استراتيجية الأمن القومي لدولة روسيا الاتحادية، وتركز المبحث الثالث على استراتيجيات الأمن القومي للصين الشعبية.
وفي الفصل الثاني «لعنة الجار المسلح سياسات إسرائيل وتركيا وإيران تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط»، قام غنيم باستعراض وتحليل محددات وتوجهات وأهداف دول الجوار الإقليمي من قضايا الأمن القومي في الشرق الأوسط، حيث تناول السياسات الخاصة بكل دولة وكيفية صناعة قرارات سياستها الخارجية والأجهزة القائمة بها، كما تحدث عن مصادر تهديد أمن هذه الدول، والمتغيرات الجديدة المؤثرة عليها إقليميّاً من قِبل ثورات الربيع العربي والحروب والصراعات في اليمن وسوريا وليبيا، وانتشار سطوة تنظيمات الإرهاب والتطرف ومنها تنظيما «داعش» و«القاعدة».
وتعرض الباحث للتطورات الدولية منذ عام 2011 حتى 2017، وقال، إنها تشمل تولي إدارة ترمب مقاليد الحكم في أميركا، وإصرارها على تبني سياسات ومواقف جديدة من قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة، ولفت إلى أن كثيراً منها يتناقض مع سياسات ومواقف إدارة أوباما، وأشار إلى أن هذه الفترة شهدت عودة روسيا مرة أخرى لمساندة الدول الحليفة والصديقة في المنطقة، ومنها سوريا ومصر والجزائر، كما شهدت نوعاً من الدخول الهادئ للصين والهند في سياسات وقضايا الشرق الأوسط، لا سيما تلك المتعلقة بالاستثمار والتجارة الخارجية والصناعة وغيرها. وقام غنيم من أجل وضع صورة متكاملة للمشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط باستعراض مصالح ومشروعات كل دولة في الشرق الأوسط والتي تسعى لتحقيقها وتتركز في مواجهة مصادر تهديد الأمن الخاص بها، ودور الدول العربية في ذلك، فضلاً عن محاولاتها للحصول على أكبر قدر من المزايا الاقتصادية.
وتوقف الباحث عند الطموحات الخاصة بكل من إيران وإسرائيل وتركيا ومحاولاتها من أجل أن تصبح دولا إقليمية مؤثرة. بالإضافة إلى مناقشة مشروعات وبرامج كل منها لتحقيق الأمن في المنطقة، ووسائلها المتعددة؛ ذلك بدءاً من السعي لعقد العديد من التحالفات السياسية، وتوقيع اتفاقيات التعاون العسكري والمخابراتي، فضلاً عن الاستثمارات والتجارة المشتركة، والتعاون العلمي والفني والتكنولوجي.
واهتم الباحث ببيان آليات التنسيق في المناطق التي تحتدم فيها الصراعات المسلحة بالدول العربية، وألقى الضوء على نقاط التعارض بين سياسات وخطط كل من إيران وإسرائيل وتركيا، وتناقضاتها مع مصالح الدول العربية الفاعلة مصر والسعودية والإمارات، ومدى تنسيق كل منها مع الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين وغيرها من أجل تحقيق نوع من الاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية المأمولة.
وفي الفصل الثالث من الكتاب والذي تم تقسيمه إلى ثلاثة مباحث، قام المؤلف بدراسة وتحليل السياسة الإسرائيلية والتركية والإيرانية تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، وفيما يخص السياسة الإسرائيلية قال غنيم، إن باحثين إسرائيليين دعيا في النصف الثاني من عام 2015 إلى «مراجعة مفهوم الأمن القومي، وذكرا أنه يحتاج إلى استراتيجية ذات تأثير متعدد المجالات»، وقد أوضح كل من الباحثين الإسرائيليين أودي ديكيل وأومير إيناف، في دراسة لهما بمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أن الحكومة الإسرائيلية لم تجد بعد الطريقة الصحيحة لمراجعة مفهوم الأمن القومي التقليدي للدولة، والذي يتأثر بالانخفاض الكبير في حجم التهديدات العسكرية. وأشارا أيضاً إلى أن هناك حاجة إلى تكييف هذا المفهوم مع التحديات الحالية والمستقبلية بما يتوافق مع الهدف الأساسي من الاستراتيجية المعدلة لتعزيز مصالح إسرائيل وأهدافها السياسية والأمنية بخلق نفوذ في مناطق خارج حدود الدولة، وانتهاج سياسة تقوم على جهود متعددة التخصصات، واتخاذ إجراءات تحقق أقصى قدر من التأثير في البيئة الاستراتيجية باستخدام أدوات متنوعة على مستويات مختلفة، بما فيها التواصل المباشر مع شعب «العدو» من خلال الدبلوماسية العامة، وباستخدام وسائل الإعلام الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي والمساعدات الإنسانية؛ وأدوات القوة الناعمة مثل حرب المعلومات والنفوذ الاقتصادي والوسائل القانونية وأدوات التخريب السياسي وترتيبات المياه والطاقة والمساعدات الأمنية والتكنولوجية، والأسواق الخاصة والمبادرات المدنية.
وذكر غنيم، أن الباحثين الإسرائيليين طالبا بالتعاون مع الجهات الفاعلة التي تتداخل مصالحها مع مصالح إسرائيل؛ وتكثيف الجهود في الحرب السيبرانية؛ وبناء جهاز قانوني وعلاقات عامة تخفف عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، وتقلص الضرر بشرعيتها والقيود والعقوبات المفروضة عليها.
وأضاف، أن «مفهوم الأمن الإسرائيلي يرتكز على بعدين رئيسين، أحدهما ديني ويستند إلى ما أُنزل في التوراة وأرض الميعاد، والآخر تاريخي ويستند إلى الأنبياء ومناطق نزولهم ونسبهم عبر التاريخ الذي يشير إلى تاريخ وجود اليهود في المنطقة العربية». ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تعريفات الأمن القومي من وجهة الإسرائيليين، والتي وضعها ديفيد بن جوريون، والباحث يهوشفاط هاركابي، والجنرال الإسرائيلي يسرائيل تال، وأشار غنيم إلى أن الملف النووي الإسرائيلي يمثل بعداً مهمّاً للأمن القومي الإسرائيلي.
وفيما يخص السياسة التركية تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، وتوجهاتها قبل حزب «العدالة والتنمية» وبعد توليه السلطة، قال غنيم، إن القيادة السياسية التركية تسعى لانتهاج سياسة انفتاح للتفاعل خارج حدودها، بخاصة تجاه الشرق الأوسط، مستغلة في ذلك التحولات التي يشهدها النسق العالمي، لافتاً إلى أن أنقرة بدأت استراتيجيتها تجاه المنطقة بعدما فشلت في الاندماج في الاتحاد الأوروبي، مستندة في ذلك إلى مرتكزات براغماتية من أجل توسيع نفوذها، مستغلة تاريخها الديني والعثماني والذي تسعى من خلاله لقيادة المنطقة العربية، أما عن السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط عقب الثورات عام 2011، فقد كثفت أنقرة جهودها لإنهاء انفصالها عنه، وركزت السياسة الخارجية التركية في إطارها العام والشامل على خدمة فكرة وآيديولوجية العدالة والتنمية سعيا إلى تعظيم التواجد التركي في المنطقة وتكثيف العلاقات مع الدول العربية، وقد منحتها الأحداث الملتهبة آليات جديدة تضمن لها التواجد في قلب الإقليم.
وتحت عنوان «السياسة الإيرانية تجاه الأمن لإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط» ألقى غنيم نظرة داخل النظام الإيراني على المستوى السياسي وأهداف إيران الاستراتيجية في المنطقة، ومحدداتها الآيديولوجية والسياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، كما أشار إلى توجهات السياسة الإيرانية نحو المنطقة، وتسخيرها ما تمتلك من مقومات القوى الشاملة لتحقيق أهدافها الإقليمية، وطبيعة العلاقات الإيرانية بالدول العربية التي تمارس إيران نفوذها فيها.
وفي الفصل الثالث «ذكر المؤلف أن المنطقة العربية منذ عام 2011 تشهد مزيجاً من عودة التنافس بين القوى العظمى لإجراء تغييرات جيوسياسية في المنطقة، وقال إن الولايات المتحدة وروسيا تحاولان صياغة القرار الإقليمي على أراضيها، أما الصين فلا تلعب حالياً دوراً رئيسياً في الشأن الإقليمي العربي، لكنها تبني علاقات اقتصادية ودبلوماسية في جميع بلدان المنطقة، وتستعد لتكون أكثر نفوذاً في المستقبل، أما عن دور الاتحاد الأوروبي فقال إنه يسعى لتهدئة ومنع خطر نشوب صراعات في المنطقة لما تسببه من إرهاب وجرائم عابرة للحدود وهجرة غير شرعية».
وخصص الباحث الفصل الرابع لاستشراف الأفق الذي يتوجه إليه الشرق الأوسط في ظل التحولات الدولية والإقليمية والتأثيرات المتوقعة على الأمن الإقليمي للمنطقة والتأثيرات المتوقعة، محاولاً وضع صورة مستقبلية لتطور النظام العالمي والتحول في سياسات القوى الدولية والإقليمية.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً