استراتيجيات الدول الكبرى في الشرق الأوسط

باحث مصري يحلل صراعات القوى الدولية وأثرها على الأمن العربي

غلاف «الأصابع على الزناد»
غلاف «الأصابع على الزناد»
TT

استراتيجيات الدول الكبرى في الشرق الأوسط

غلاف «الأصابع على الزناد»
غلاف «الأصابع على الزناد»

يحلل كتاب «الأصابع على الزناد... استراتيجيات الأمن القومي للدول الكبرى وتأثيراتها على الشرق الأوسط» صراعات القوى ونفوذ كلٍ من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية والصين الشعبية في المنطقة، وذلك باعتبارها الدول التي تمثل أقطاب التنافس الدولي هناك. ويدرس الكتاب، الذي صدر حديثاً للباحث الدكتور سيد غنيم عن دار صفصافة بالقاهرة، الاستراتيجيات نفسها المتعلقة بإسرائيل وتركيا وإيران على الصعيد الإقليمي، كما يقوم بتحليل عمليات التنافس الدولي والإقليمي بين هذه الدول وأثرها على الأمن العربي.
ويتضمن الكتاب إطارين زمنيين؛ يتناول الأول الفترة من «2011 وحتى 2017»، وترتبط بالثورات العربية وما تبعها من تداعيات، وحتى تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة وإصدار آخر وثيقة لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) 2017، أما الإطار الثاني فتنحصر دراساته في الفترة من «2018 وحتى 2020».
في الفصل الأول «مناورة الثلاثة الكبار... استراتيجيات الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية والصين الشعبية» يتناول المؤلف المداخل العلمية لمفهومي الاستراتيجية، والأمن القومي، وتطورهما وتمييزهما عن المفاهيم المختلطة بهما بشكل عام، ويقوم بتحليل وتقييم أدوار وآليات قيام المؤسسات السياسية التنفيذية في عملية صنع وتنفيذ استراتيجيات الأمن القومي في الدول المتقدمة والنامية، كما يتعرض للملامح العامة لاستراتيجيات الأمن القومي للدول العظمى ممثلة في الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا الاتحادية، والصين الشعبية، وقد راعى الباحث في تناول وتحليل هذه الاستراتيجيات تقديم لمحة عامة ملخصة عن كل استراتيجية، ونظرتها للقوى الأخرى المتنافسة على الساحة العالمية، كما قام بتحليل المواقف والمردود تجاه هذه الاستراتيجيات، وعقائد رؤساء الدول وقت إصدار الاستراتيجيات، ومدى تفاعلها مع التطورات السياسية والأمنية بمنطقة الشرق الأوسط.
وقسّم الباحث الفصل الأول إلى مباحث عدة، انصبّ الأول على استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، وكان الثاني عن استراتيجية الأمن القومي لدولة روسيا الاتحادية، وتركز المبحث الثالث على استراتيجيات الأمن القومي للصين الشعبية.
وفي الفصل الثاني «لعنة الجار المسلح سياسات إسرائيل وتركيا وإيران تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط»، قام غنيم باستعراض وتحليل محددات وتوجهات وأهداف دول الجوار الإقليمي من قضايا الأمن القومي في الشرق الأوسط، حيث تناول السياسات الخاصة بكل دولة وكيفية صناعة قرارات سياستها الخارجية والأجهزة القائمة بها، كما تحدث عن مصادر تهديد أمن هذه الدول، والمتغيرات الجديدة المؤثرة عليها إقليميّاً من قِبل ثورات الربيع العربي والحروب والصراعات في اليمن وسوريا وليبيا، وانتشار سطوة تنظيمات الإرهاب والتطرف ومنها تنظيما «داعش» و«القاعدة».
وتعرض الباحث للتطورات الدولية منذ عام 2011 حتى 2017، وقال، إنها تشمل تولي إدارة ترمب مقاليد الحكم في أميركا، وإصرارها على تبني سياسات ومواقف جديدة من قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة، ولفت إلى أن كثيراً منها يتناقض مع سياسات ومواقف إدارة أوباما، وأشار إلى أن هذه الفترة شهدت عودة روسيا مرة أخرى لمساندة الدول الحليفة والصديقة في المنطقة، ومنها سوريا ومصر والجزائر، كما شهدت نوعاً من الدخول الهادئ للصين والهند في سياسات وقضايا الشرق الأوسط، لا سيما تلك المتعلقة بالاستثمار والتجارة الخارجية والصناعة وغيرها. وقام غنيم من أجل وضع صورة متكاملة للمشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط باستعراض مصالح ومشروعات كل دولة في الشرق الأوسط والتي تسعى لتحقيقها وتتركز في مواجهة مصادر تهديد الأمن الخاص بها، ودور الدول العربية في ذلك، فضلاً عن محاولاتها للحصول على أكبر قدر من المزايا الاقتصادية.
وتوقف الباحث عند الطموحات الخاصة بكل من إيران وإسرائيل وتركيا ومحاولاتها من أجل أن تصبح دولا إقليمية مؤثرة. بالإضافة إلى مناقشة مشروعات وبرامج كل منها لتحقيق الأمن في المنطقة، ووسائلها المتعددة؛ ذلك بدءاً من السعي لعقد العديد من التحالفات السياسية، وتوقيع اتفاقيات التعاون العسكري والمخابراتي، فضلاً عن الاستثمارات والتجارة المشتركة، والتعاون العلمي والفني والتكنولوجي.
واهتم الباحث ببيان آليات التنسيق في المناطق التي تحتدم فيها الصراعات المسلحة بالدول العربية، وألقى الضوء على نقاط التعارض بين سياسات وخطط كل من إيران وإسرائيل وتركيا، وتناقضاتها مع مصالح الدول العربية الفاعلة مصر والسعودية والإمارات، ومدى تنسيق كل منها مع الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين وغيرها من أجل تحقيق نوع من الاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية المأمولة.
وفي الفصل الثالث من الكتاب والذي تم تقسيمه إلى ثلاثة مباحث، قام المؤلف بدراسة وتحليل السياسة الإسرائيلية والتركية والإيرانية تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، وفيما يخص السياسة الإسرائيلية قال غنيم، إن باحثين إسرائيليين دعيا في النصف الثاني من عام 2015 إلى «مراجعة مفهوم الأمن القومي، وذكرا أنه يحتاج إلى استراتيجية ذات تأثير متعدد المجالات»، وقد أوضح كل من الباحثين الإسرائيليين أودي ديكيل وأومير إيناف، في دراسة لهما بمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أن الحكومة الإسرائيلية لم تجد بعد الطريقة الصحيحة لمراجعة مفهوم الأمن القومي التقليدي للدولة، والذي يتأثر بالانخفاض الكبير في حجم التهديدات العسكرية. وأشارا أيضاً إلى أن هناك حاجة إلى تكييف هذا المفهوم مع التحديات الحالية والمستقبلية بما يتوافق مع الهدف الأساسي من الاستراتيجية المعدلة لتعزيز مصالح إسرائيل وأهدافها السياسية والأمنية بخلق نفوذ في مناطق خارج حدود الدولة، وانتهاج سياسة تقوم على جهود متعددة التخصصات، واتخاذ إجراءات تحقق أقصى قدر من التأثير في البيئة الاستراتيجية باستخدام أدوات متنوعة على مستويات مختلفة، بما فيها التواصل المباشر مع شعب «العدو» من خلال الدبلوماسية العامة، وباستخدام وسائل الإعلام الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي والمساعدات الإنسانية؛ وأدوات القوة الناعمة مثل حرب المعلومات والنفوذ الاقتصادي والوسائل القانونية وأدوات التخريب السياسي وترتيبات المياه والطاقة والمساعدات الأمنية والتكنولوجية، والأسواق الخاصة والمبادرات المدنية.
وذكر غنيم، أن الباحثين الإسرائيليين طالبا بالتعاون مع الجهات الفاعلة التي تتداخل مصالحها مع مصالح إسرائيل؛ وتكثيف الجهود في الحرب السيبرانية؛ وبناء جهاز قانوني وعلاقات عامة تخفف عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، وتقلص الضرر بشرعيتها والقيود والعقوبات المفروضة عليها.
وأضاف، أن «مفهوم الأمن الإسرائيلي يرتكز على بعدين رئيسين، أحدهما ديني ويستند إلى ما أُنزل في التوراة وأرض الميعاد، والآخر تاريخي ويستند إلى الأنبياء ومناطق نزولهم ونسبهم عبر التاريخ الذي يشير إلى تاريخ وجود اليهود في المنطقة العربية». ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تعريفات الأمن القومي من وجهة الإسرائيليين، والتي وضعها ديفيد بن جوريون، والباحث يهوشفاط هاركابي، والجنرال الإسرائيلي يسرائيل تال، وأشار غنيم إلى أن الملف النووي الإسرائيلي يمثل بعداً مهمّاً للأمن القومي الإسرائيلي.
وفيما يخص السياسة التركية تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، وتوجهاتها قبل حزب «العدالة والتنمية» وبعد توليه السلطة، قال غنيم، إن القيادة السياسية التركية تسعى لانتهاج سياسة انفتاح للتفاعل خارج حدودها، بخاصة تجاه الشرق الأوسط، مستغلة في ذلك التحولات التي يشهدها النسق العالمي، لافتاً إلى أن أنقرة بدأت استراتيجيتها تجاه المنطقة بعدما فشلت في الاندماج في الاتحاد الأوروبي، مستندة في ذلك إلى مرتكزات براغماتية من أجل توسيع نفوذها، مستغلة تاريخها الديني والعثماني والذي تسعى من خلاله لقيادة المنطقة العربية، أما عن السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط عقب الثورات عام 2011، فقد كثفت أنقرة جهودها لإنهاء انفصالها عنه، وركزت السياسة الخارجية التركية في إطارها العام والشامل على خدمة فكرة وآيديولوجية العدالة والتنمية سعيا إلى تعظيم التواجد التركي في المنطقة وتكثيف العلاقات مع الدول العربية، وقد منحتها الأحداث الملتهبة آليات جديدة تضمن لها التواجد في قلب الإقليم.
وتحت عنوان «السياسة الإيرانية تجاه الأمن لإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط» ألقى غنيم نظرة داخل النظام الإيراني على المستوى السياسي وأهداف إيران الاستراتيجية في المنطقة، ومحدداتها الآيديولوجية والسياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، كما أشار إلى توجهات السياسة الإيرانية نحو المنطقة، وتسخيرها ما تمتلك من مقومات القوى الشاملة لتحقيق أهدافها الإقليمية، وطبيعة العلاقات الإيرانية بالدول العربية التي تمارس إيران نفوذها فيها.
وفي الفصل الثالث «ذكر المؤلف أن المنطقة العربية منذ عام 2011 تشهد مزيجاً من عودة التنافس بين القوى العظمى لإجراء تغييرات جيوسياسية في المنطقة، وقال إن الولايات المتحدة وروسيا تحاولان صياغة القرار الإقليمي على أراضيها، أما الصين فلا تلعب حالياً دوراً رئيسياً في الشأن الإقليمي العربي، لكنها تبني علاقات اقتصادية ودبلوماسية في جميع بلدان المنطقة، وتستعد لتكون أكثر نفوذاً في المستقبل، أما عن دور الاتحاد الأوروبي فقال إنه يسعى لتهدئة ومنع خطر نشوب صراعات في المنطقة لما تسببه من إرهاب وجرائم عابرة للحدود وهجرة غير شرعية».
وخصص الباحث الفصل الرابع لاستشراف الأفق الذي يتوجه إليه الشرق الأوسط في ظل التحولات الدولية والإقليمية والتأثيرات المتوقعة على الأمن الإقليمي للمنطقة والتأثيرات المتوقعة، محاولاً وضع صورة مستقبلية لتطور النظام العالمي والتحول في سياسات القوى الدولية والإقليمية.



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».