استراتيجيات الدول الكبرى في الشرق الأوسط

باحث مصري يحلل صراعات القوى الدولية وأثرها على الأمن العربي

غلاف «الأصابع على الزناد»
غلاف «الأصابع على الزناد»
TT

استراتيجيات الدول الكبرى في الشرق الأوسط

غلاف «الأصابع على الزناد»
غلاف «الأصابع على الزناد»

يحلل كتاب «الأصابع على الزناد... استراتيجيات الأمن القومي للدول الكبرى وتأثيراتها على الشرق الأوسط» صراعات القوى ونفوذ كلٍ من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية والصين الشعبية في المنطقة، وذلك باعتبارها الدول التي تمثل أقطاب التنافس الدولي هناك. ويدرس الكتاب، الذي صدر حديثاً للباحث الدكتور سيد غنيم عن دار صفصافة بالقاهرة، الاستراتيجيات نفسها المتعلقة بإسرائيل وتركيا وإيران على الصعيد الإقليمي، كما يقوم بتحليل عمليات التنافس الدولي والإقليمي بين هذه الدول وأثرها على الأمن العربي.
ويتضمن الكتاب إطارين زمنيين؛ يتناول الأول الفترة من «2011 وحتى 2017»، وترتبط بالثورات العربية وما تبعها من تداعيات، وحتى تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة وإصدار آخر وثيقة لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) 2017، أما الإطار الثاني فتنحصر دراساته في الفترة من «2018 وحتى 2020».
في الفصل الأول «مناورة الثلاثة الكبار... استراتيجيات الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية والصين الشعبية» يتناول المؤلف المداخل العلمية لمفهومي الاستراتيجية، والأمن القومي، وتطورهما وتمييزهما عن المفاهيم المختلطة بهما بشكل عام، ويقوم بتحليل وتقييم أدوار وآليات قيام المؤسسات السياسية التنفيذية في عملية صنع وتنفيذ استراتيجيات الأمن القومي في الدول المتقدمة والنامية، كما يتعرض للملامح العامة لاستراتيجيات الأمن القومي للدول العظمى ممثلة في الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا الاتحادية، والصين الشعبية، وقد راعى الباحث في تناول وتحليل هذه الاستراتيجيات تقديم لمحة عامة ملخصة عن كل استراتيجية، ونظرتها للقوى الأخرى المتنافسة على الساحة العالمية، كما قام بتحليل المواقف والمردود تجاه هذه الاستراتيجيات، وعقائد رؤساء الدول وقت إصدار الاستراتيجيات، ومدى تفاعلها مع التطورات السياسية والأمنية بمنطقة الشرق الأوسط.
وقسّم الباحث الفصل الأول إلى مباحث عدة، انصبّ الأول على استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، وكان الثاني عن استراتيجية الأمن القومي لدولة روسيا الاتحادية، وتركز المبحث الثالث على استراتيجيات الأمن القومي للصين الشعبية.
وفي الفصل الثاني «لعنة الجار المسلح سياسات إسرائيل وتركيا وإيران تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط»، قام غنيم باستعراض وتحليل محددات وتوجهات وأهداف دول الجوار الإقليمي من قضايا الأمن القومي في الشرق الأوسط، حيث تناول السياسات الخاصة بكل دولة وكيفية صناعة قرارات سياستها الخارجية والأجهزة القائمة بها، كما تحدث عن مصادر تهديد أمن هذه الدول، والمتغيرات الجديدة المؤثرة عليها إقليميّاً من قِبل ثورات الربيع العربي والحروب والصراعات في اليمن وسوريا وليبيا، وانتشار سطوة تنظيمات الإرهاب والتطرف ومنها تنظيما «داعش» و«القاعدة».
وتعرض الباحث للتطورات الدولية منذ عام 2011 حتى 2017، وقال، إنها تشمل تولي إدارة ترمب مقاليد الحكم في أميركا، وإصرارها على تبني سياسات ومواقف جديدة من قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة، ولفت إلى أن كثيراً منها يتناقض مع سياسات ومواقف إدارة أوباما، وأشار إلى أن هذه الفترة شهدت عودة روسيا مرة أخرى لمساندة الدول الحليفة والصديقة في المنطقة، ومنها سوريا ومصر والجزائر، كما شهدت نوعاً من الدخول الهادئ للصين والهند في سياسات وقضايا الشرق الأوسط، لا سيما تلك المتعلقة بالاستثمار والتجارة الخارجية والصناعة وغيرها. وقام غنيم من أجل وضع صورة متكاملة للمشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط باستعراض مصالح ومشروعات كل دولة في الشرق الأوسط والتي تسعى لتحقيقها وتتركز في مواجهة مصادر تهديد الأمن الخاص بها، ودور الدول العربية في ذلك، فضلاً عن محاولاتها للحصول على أكبر قدر من المزايا الاقتصادية.
وتوقف الباحث عند الطموحات الخاصة بكل من إيران وإسرائيل وتركيا ومحاولاتها من أجل أن تصبح دولا إقليمية مؤثرة. بالإضافة إلى مناقشة مشروعات وبرامج كل منها لتحقيق الأمن في المنطقة، ووسائلها المتعددة؛ ذلك بدءاً من السعي لعقد العديد من التحالفات السياسية، وتوقيع اتفاقيات التعاون العسكري والمخابراتي، فضلاً عن الاستثمارات والتجارة المشتركة، والتعاون العلمي والفني والتكنولوجي.
واهتم الباحث ببيان آليات التنسيق في المناطق التي تحتدم فيها الصراعات المسلحة بالدول العربية، وألقى الضوء على نقاط التعارض بين سياسات وخطط كل من إيران وإسرائيل وتركيا، وتناقضاتها مع مصالح الدول العربية الفاعلة مصر والسعودية والإمارات، ومدى تنسيق كل منها مع الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين وغيرها من أجل تحقيق نوع من الاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية المأمولة.
وفي الفصل الثالث من الكتاب والذي تم تقسيمه إلى ثلاثة مباحث، قام المؤلف بدراسة وتحليل السياسة الإسرائيلية والتركية والإيرانية تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، وفيما يخص السياسة الإسرائيلية قال غنيم، إن باحثين إسرائيليين دعيا في النصف الثاني من عام 2015 إلى «مراجعة مفهوم الأمن القومي، وذكرا أنه يحتاج إلى استراتيجية ذات تأثير متعدد المجالات»، وقد أوضح كل من الباحثين الإسرائيليين أودي ديكيل وأومير إيناف، في دراسة لهما بمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أن الحكومة الإسرائيلية لم تجد بعد الطريقة الصحيحة لمراجعة مفهوم الأمن القومي التقليدي للدولة، والذي يتأثر بالانخفاض الكبير في حجم التهديدات العسكرية. وأشارا أيضاً إلى أن هناك حاجة إلى تكييف هذا المفهوم مع التحديات الحالية والمستقبلية بما يتوافق مع الهدف الأساسي من الاستراتيجية المعدلة لتعزيز مصالح إسرائيل وأهدافها السياسية والأمنية بخلق نفوذ في مناطق خارج حدود الدولة، وانتهاج سياسة تقوم على جهود متعددة التخصصات، واتخاذ إجراءات تحقق أقصى قدر من التأثير في البيئة الاستراتيجية باستخدام أدوات متنوعة على مستويات مختلفة، بما فيها التواصل المباشر مع شعب «العدو» من خلال الدبلوماسية العامة، وباستخدام وسائل الإعلام الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي والمساعدات الإنسانية؛ وأدوات القوة الناعمة مثل حرب المعلومات والنفوذ الاقتصادي والوسائل القانونية وأدوات التخريب السياسي وترتيبات المياه والطاقة والمساعدات الأمنية والتكنولوجية، والأسواق الخاصة والمبادرات المدنية.
وذكر غنيم، أن الباحثين الإسرائيليين طالبا بالتعاون مع الجهات الفاعلة التي تتداخل مصالحها مع مصالح إسرائيل؛ وتكثيف الجهود في الحرب السيبرانية؛ وبناء جهاز قانوني وعلاقات عامة تخفف عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، وتقلص الضرر بشرعيتها والقيود والعقوبات المفروضة عليها.
وأضاف، أن «مفهوم الأمن الإسرائيلي يرتكز على بعدين رئيسين، أحدهما ديني ويستند إلى ما أُنزل في التوراة وأرض الميعاد، والآخر تاريخي ويستند إلى الأنبياء ومناطق نزولهم ونسبهم عبر التاريخ الذي يشير إلى تاريخ وجود اليهود في المنطقة العربية». ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تعريفات الأمن القومي من وجهة الإسرائيليين، والتي وضعها ديفيد بن جوريون، والباحث يهوشفاط هاركابي، والجنرال الإسرائيلي يسرائيل تال، وأشار غنيم إلى أن الملف النووي الإسرائيلي يمثل بعداً مهمّاً للأمن القومي الإسرائيلي.
وفيما يخص السياسة التركية تجاه الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، وتوجهاتها قبل حزب «العدالة والتنمية» وبعد توليه السلطة، قال غنيم، إن القيادة السياسية التركية تسعى لانتهاج سياسة انفتاح للتفاعل خارج حدودها، بخاصة تجاه الشرق الأوسط، مستغلة في ذلك التحولات التي يشهدها النسق العالمي، لافتاً إلى أن أنقرة بدأت استراتيجيتها تجاه المنطقة بعدما فشلت في الاندماج في الاتحاد الأوروبي، مستندة في ذلك إلى مرتكزات براغماتية من أجل توسيع نفوذها، مستغلة تاريخها الديني والعثماني والذي تسعى من خلاله لقيادة المنطقة العربية، أما عن السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط عقب الثورات عام 2011، فقد كثفت أنقرة جهودها لإنهاء انفصالها عنه، وركزت السياسة الخارجية التركية في إطارها العام والشامل على خدمة فكرة وآيديولوجية العدالة والتنمية سعيا إلى تعظيم التواجد التركي في المنطقة وتكثيف العلاقات مع الدول العربية، وقد منحتها الأحداث الملتهبة آليات جديدة تضمن لها التواجد في قلب الإقليم.
وتحت عنوان «السياسة الإيرانية تجاه الأمن لإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط» ألقى غنيم نظرة داخل النظام الإيراني على المستوى السياسي وأهداف إيران الاستراتيجية في المنطقة، ومحدداتها الآيديولوجية والسياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، كما أشار إلى توجهات السياسة الإيرانية نحو المنطقة، وتسخيرها ما تمتلك من مقومات القوى الشاملة لتحقيق أهدافها الإقليمية، وطبيعة العلاقات الإيرانية بالدول العربية التي تمارس إيران نفوذها فيها.
وفي الفصل الثالث «ذكر المؤلف أن المنطقة العربية منذ عام 2011 تشهد مزيجاً من عودة التنافس بين القوى العظمى لإجراء تغييرات جيوسياسية في المنطقة، وقال إن الولايات المتحدة وروسيا تحاولان صياغة القرار الإقليمي على أراضيها، أما الصين فلا تلعب حالياً دوراً رئيسياً في الشأن الإقليمي العربي، لكنها تبني علاقات اقتصادية ودبلوماسية في جميع بلدان المنطقة، وتستعد لتكون أكثر نفوذاً في المستقبل، أما عن دور الاتحاد الأوروبي فقال إنه يسعى لتهدئة ومنع خطر نشوب صراعات في المنطقة لما تسببه من إرهاب وجرائم عابرة للحدود وهجرة غير شرعية».
وخصص الباحث الفصل الرابع لاستشراف الأفق الذي يتوجه إليه الشرق الأوسط في ظل التحولات الدولية والإقليمية والتأثيرات المتوقعة على الأمن الإقليمي للمنطقة والتأثيرات المتوقعة، محاولاً وضع صورة مستقبلية لتطور النظام العالمي والتحول في سياسات القوى الدولية والإقليمية.



تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.


اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد
TT

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه من هيمنة مفهوم «العروبة»، وهو ما أثار أسئلة تتعلق بمن يكون عربياً ومن لا يكون كذلك، على نحو دفع «الآخرين» إلى هوامش محصورة.

هذا ما تذهب إليه الباحثة الفلسطينية نجاة عبد الحق، الحاصلة على الدكتوراه من قسم «التاريخ الحديث للشرق الأوسط» بمعهد العلوم السياسية بجامعة فريدريش ألكسندر إيرلانجن نورنبرغ الألمانية، في كتابها «اليهود واليونانيون في مصر - ودورهم الاقتصادي حتى 1960»، الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة عبد الرحيم يوسف.

تشير المؤلفة إلى أن المسار الاقتصادي لمصر منذ 1857 والذي وصل إلى ذروته مع تأميم الشركات والمصانع والمؤسسات في عامي 1960-1961 لم يستهدف القطاع الخاص وإنما قلل من شأنه، إضافة إلى النقد اللاذع الموجه إلى «البرجوازية الزراعية» من أجل الترويج لفكر الاشتراكية.

واعتبر صناع هذا المسار أن وكلاء هذه البرجوازية لم يكونوا أكثر من رأسماليين جشعين قاموا باستغلال الشعب أبشع استغلال في الوقت الذي كانت فيه الأقليات سواء محلية أو أجنبية، أرمنية أو يونانية أو إيطالية أو يهودية أو سورية منخرطة بشدة في القطاع الخاص وهيمنت بالفعل على نسبة منه، وهو ما أثر على الصورة النهائية لتك الأقليات.

تبرز هنا الأقليتان اليهودية واليونانية باعتبارهما الأقليتين الأكبر من ناحية العدد والتأثر الاقتصادي، فبرغم الجدل المثار حول كلتا الجماعتين، يبين تحليل بيانات 759 شركة مساهمة جرى توثيقها في الفترة من 1885إلى 1960، فإنَّ مشاركة اليهود واليونانيين المصريين في تأسيس هذه الشركات قد تجاوز النصف وكان العنصر المركزي في ريادة الأعمال وهو الابتكار حاضراً بوضوح بينهم، حيث بلغ عدد الشركات الابتكارية المصرية نحو الثلث من إجمالي عدد الشركات في السوق مع هيمنة واضحة لليهود واليونانيين على هذا الثلث.

تراوح عدد اليونانيين المصريين ما بين عامي 1937و1947 من 8 آلاف إلى 57 ألف فرد، فيما تراوح عدد اليهود المصريين في الفترة نفسها بين 63 ألف إلى 100 ألف فرد من إجمالي عدد السكان الذي بلغ نحو إلى 19 مليون نسمة في عام 1947، بحسب الإحصاءات والبيانات التي تستند إليها المؤلفة، وهى معلومات مهمة على صعيد تحليل الدور الاقتصادي لكل جالية مقارنة بالعدد التقريبي لأفرادها.

في الفترة بين 1929 و1948 لم يتغير قانون الجنسية المصرية لكن السياق الداخلي والخارجي كان هو ما تغير ومعه تغير الموقف تجاه الأقليات، حيث يكشف تعداد عام 1947 أن نحو 75 في المائة من يهود مصر كانت لديهم جنسية مصرية، لكن مع تطبيق السياسات المتعلقة بقانون الشركات رقم 138 وما يرتبط به من حقوق منح الجنسية، أدى إلى أن تصبح نسبة كبيرة للغاية من هؤلاء بلا جنسية وبالتبعية إلى الخروج من مصر.

كان قانون الشركات رقم 138 لسنة 1947 السبب الرئيسي وراء احتياج اليهود المصريين إلى دليل توثيقي لوضعهم بوصفهم مواطنين مصريين بصرف النظر عما إذا كانت جذورهم ممتدة في هذا البلد لأجيال، وقد توجه ذلك القانون في الأساس نحو مراجعة حالة الحرية واسعة النطاق التي كان يتمتع بها القطاع الخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وفي الوقت نفسه نحو محاولة توفير وظائف للشباب المصريين عن طريق تحديد عدد الموظفين والعمال غير المصريين.

مثَّل عام 1956 وما شهده من عدوان ثلاثي ضد مصر قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل نقطة تحول جوهرية بالنسبة إلى وضع الأقليات في مصر وتزايدت معدلات هجرتها العكسية، وهو ما تزامن مع القانون رقم 315 لسنة 1955 والقرار الوزاري رقم 10 لسنة 1956 الخاص بتحويل كل الشركات الأجنبية والممتلكات الأجنبية إلى أيدي المصريين.

ومع تراجع دور القطاع الخاص، تأثَّرت الروح الريادية في الأعمال وهي التي كانت قاطرة الاقتصاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، فالأفراد الذين كانوا هم العقول المدبرة للنمو الاقتصادي سواء كانوا يهوداً أو يونانيين أو حتى مسلمين وأقباطاً غادروا مواقعهم، حيث ظلت مباني الشركات وماكيناتها وعمالها قائمين، ولكن من دون عناصر الإلهام والبراعة التي كانت تتمثل في القيادات المغادرة.

ورغم تلك التطورات، تؤكد الباحثة أن جميع أفراد الطائفتين اليونانية واليهودية التي التقتهم عبر المقابلات الشخصية والحوارات العامة والاستبيانات يؤكدون على عنصر واحد يشتركون فيه جميعاً، وهو انتماؤهم القوي إلى مصر كبلد عظيم بطعامه وثقافته وأهله، فضلاً عما يشعرون به من حنين لا شفاء منه.


كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية
TT

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف طويلاً أمام تجربة المخرج كمال سليم باعتباره أول من أخذ على عاتقه تقديم دراما مستلهمة من الحارة الشعبية والشارع عبر الشاشة الفضية، على نحو يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع، لتصبح أعماله بمثابة نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ الفن، ويطلق عليه البعض لقب «أبو السينما المصرية».

ويشير المؤلف إلى أن كمال سليم وُلد في حي «القلعة» العريق بالقاهرة عام 1913، لينشأ في بيئة شعبية خصبة كانت بمثابة المنبع الأول لوعيه السينمائي الذي تشكَّل مبكراً في فترة تميزت بحراك وطني وثقافي، حيث كانت البلاد تسعى لترسيخ هويتها في مواجهة الاستعمار، وكانت الفنون، والسينما تحديداً، تبحث عن لغة تعبر عن «المصري الأفندي» و«المصري الكادح» بعيداً عن القصص المقتبسة حرفياً من الروايات الفرنسية أو الأفلام الهوليودية التي كانت سائدة آنذاك.

بدأ شغف كمال سليم بالسينما يتجاوز مجرد المشاهدة، فسافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتي، وهناك احتك بالتيارات الواقعية الأوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع والاهتمام بقضايا الإنسان البسيط، وهو ما جعله يعود إلى مصر محملاً برؤية مغايرة تماماً لما كان يقدمه رواد السينما الأوائل مثل يوسف وهبي أو عزيزة أمير الذين غلب على أعمالهم الطابع الميلودرامي المسرحي.

عند عودته، واجه سليم تحديات عديدة في إقناع المنتجين بجدوى تقديم أفلام تخلو من القصور والباشوات، لكن محطته الأبرز والأهم في تاريخ السينما العربية جاءت عام 1939 حين أخرج فيلمه الخالد «العزيمة»، الذي لم يكن عملاً سينمائياً عابراً، بل جاء بمثابة «بيان الواقعية الأول».

تدور أحداث الفيلم في حارة شعبية حقيقية، متناولاً قصة (محمد) الشاب المتعلم الذي يكافح من أجل الحصول على وظيفة ويرغب في الزواج من ابنة جاره، ليصطدم بآلام البطالة والفساد والمحسوبية، عبر شريط سينمائي أتاح للجمهور المصري لأول مرة أن يرى نفسه على الشاشة ويشاهد الحارة بتفاصيلها اليومية، ويسمع لغة الشارع الصادقة، فضلاً عن الصراع الطبقي والاجتماعي الذي طُرح بجرأة فنية لم يسبق لها مثيل.

نجح كمال سليم في «العزيمة» في توظيف الإضاءة والزوايا ليجعل من «المكان» بطلاً موازياً للشخصيات، مما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية حتى يومنا هذا.

امتدت مسيرة كمال سليم لتشمل مجموعة من الأعمال التي حاولت تكريس هذا المنهج رغم الضغوط الإنتاجية، منها فيلم «إلى الأبد» عام 1941، و«شهداء الغرام» عام 1944 الذي قدم فيه رؤية سينمائية لقصة روميو وجولييت بروح مصرية، كما تميز أسلوبه بقدرة فائقة على إدارة الممثلين، حيث استطاع استخراج أداء طبيعي وتلقائي من نجوم مثل فاطمة رشدي وحسين صدقي، بعيداً عن المبالغات المسرحية التي كانت شائعة في ذلك التوقيت.

كما اهتم سليم بالبناء الدرامي المتماسك، فكان يكتب السيناريو والحوار لأغلب أفلامه، ليمنح أعماله وحدة فنية ورؤية إخراجية متكاملة، من خلال رؤية فكرية ترى في السينما رسالة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة ترفيه، ولذلك كانت أفلامه دائماً ما تنتهي ببارقة أمل أو دعوة للعمل والكفاح، وهو ما يفسر تسمية فيلمه الأهم باسم «العزيمة».

غيَّب الموت كمال سليم في ريعان شبابه عام 1945 عن عمر ناهز 32 عاماً فقط، غير أن الأثر الذي تركه كان عميقاً ومستداماً بعد أن مهَّد الطريق لظهور جيل كامل من مخرجي الواقعية الذين جاءوا من بعده، أمثال صلاح أبو سيف وصلاح التهامي، الذين استلهموا من مدرسته ضرورة الالتصاق بقضايا المجتمع.

وتكشف شهادات من ممثلين ومخرجين ونقاد عن عمق تجربة كمال سليم وخصوصيتها البارزة، باعتباره أحد الرواد الأوائل الذين لم يحظوا بما يستحقون من تقدير، ومنهم المخرج صلاح أبو سيف الذي كان يعتبره أستاذه الأول، وأكد مراراً بأنه هو من أخرجه من جدران الاستوديوهات الضيقة إلى الحارة المصرية الحقيقية، لافتاً إلى أنه لولا «العزيمة» لما وجدت المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أبو سيف لاحقاً.

أما يوسف شاهين فوصفه بأنه المخرج الذي «كسر القالب التقليدي» للسينما الغنائية والكوميدية التي كانت سائدة، ونجح في جعل «الحارة» بطلاً درامياً يضاهي الشخصيات البشرية، بينما يشير الناقد سمير فريد في دراساته التاريخية إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية سابقة لعصره، حيث لم يكتفِ بنقل الواقع، بل حلل الصراع الطبقي بذكاء سينمائي، معتبراً رحيله خسارة فادحة.

وذكر الفنان أنور وجدي في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس في «الأداء الطبيعي»، حيث كان سليم يرفض المبالغة المسرحية ويصر على أن يتحدث الممثلون كما يتحدث الناس في الشارع.