وقاية.. من دون لقاح

وسائل متطورة لنقل جينات صناعية بهدف درء الأمراض قد لا تحظى بشعبية

وقاية.. من دون لقاح
TT

وقاية.. من دون لقاح

وقاية.. من دون لقاح

أعلن فريق من العلماء أخيرا ما قد يتبين أنه خطوة هائلة نحو الأمام في مقاومة فيروس نقص المناعة. وقال العلماء في معهد «سكريبس» للأبحاث، إنهم توصلوا إلى عمل جسم مضاد صناعي، يستطيع الإمساك بالفيروس ومنع نشاطه بمجرد دخوله إلى مجرى الدم. كذلك يستطيع الجزيء القضاء على فيروس نقص المناعة لدى قرود مصابة به وحمايتها من إصابتها بأي عدوى في المستقبل.
مع ذلك، لا يعد هذا العلاج لقاحا بالمعنى المتعارف عليه، حيث يعيد العلماء تشكيل أجسام القردة بحيث تتمكن من مقاومة المرض من خلال زرع جينات صناعية داخل عضلاتها. ولا يختبر الباحثون هذه الطريقة الجديدة في مقاومة فيروس نقص المناعة فحسب، بل وأيضا في مقاومة الإيبولا، والملاريا، والإنفلونزا والالتهاب الكبدي الوبائي. وقال مايكل فارزان، المتخصص في علم المناعة في معهد «سكريبس» والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة: «لا حدود للأمر».

* نقل الجينات
* ويحدو فارزان وعلماء آخرين الأمل في أن تنجح هذه الطريقة في الوقاية لفترة طويلة من الأمراض التي أخفقت اللقاحات في الوقاية منها. ومن المقرر إجراء أول تجربة على البشر استنادا إلى تلك الاستراتيجية، التي تسمى «الوقاية عن طريق نقل الجينات» called immunoprophylaxis by gene transfer، or IGT، قريبًا، وكذلك من المخطط القيام بعدة تجارب جديدة. وقال الدكتور غاري نابل، كبير العلماء في شركة «سانوفي» التي تعمل في مجال الأدوية وتنتج مجموعة متنوعة من اللقاحات: «قد يمثل هذا ثورة في طريقة الحماية من الأخطار التي تهدد الصحة في المستقبل».
ولم يتضح بعد ما إذا كانت طريقة الوقاية عن طريق نقل الجينات ستنجح أم لا. ويحتاج الباحثون إلى قياس مدى أمان وفاعلية الطريقة بين البشر. وقد يثير احتمال أن يقاوم البشر الأمراض المعدية بعد تعديلهم وراثيا، قلق المرضى. وقال الدكتور ديفيد بالتيمور، الحائز على جائزة نوبل والمتخصص في الفيروسات في «معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا» الذي يختبر الطريقة على عدد من الأمراض: «الواقع هو أننا نتعامل مع موضوع حساس، لذا سيتطلب الأمر بعض التفسير» للجمهور.
تحفز اللقاحات التقليدية جهاز المناعة على تعلم كيفية إنتاج أجسام مضادة من خلال تقديم تلك اللقاحات لمسببات أمراض إما ضعيفة أو ميتة، أو حتى بعض جزيئاتها. وتفرز خلايا الجهاز المناعي مجموعة متنوعة من الأجسام المضادة، بعضها يستطيع مقاومة تلك الأمراض. وفي بعض الحالات، تنجح تلك الأجسام المضادة في عمل دفاعات قوية. ويمكن أن تنجح اللقاحات الواقية من أمراض مثل الجدري، والحصبة، في توفير حماية شبه كاملة، في حين لا تستطيع اللقاحات التقليدية إنتاج أجسام مضادة فعّالة في مقاومة أمراض أخرى. أما فيروس نقص المناعة على سبيل المثال فيتخذ أشكالا متعددة بحيث إذا نجح لقاح واحد في الوقاية من أحدها، فلن ينجح في الوقاية من الآخر.

* جينات صناعية
* وتختلف الوقاية عن طريق نقل الجينات تمامًا عن اللقاحات التقليدية، فهي نوع من أنواع العلاج الوراثي، حيث فصل العلماء الجينات التي تنتج أجساما مضادة قوية لمقاومة أمراض محددة، ثم صنعوا نسخًا صناعية منها. وتم وضع الجينات في فيروسات، وحقنها في نسيج بشري عادة ما يكون نسيجا عضليا. تغزو الفيروسات الخلايا البشرية بما تحمله من حمض نووي، ويتم حقن الحمض النووي للمتلقي بالجين الصناعي. وإذا سارت الأمور على ما يرام، فستوجه الجينات الجديدة الخلايا نحو بدء إنتاج أجسام مضادة قوية.
وجاءت فكرة الوقاية عن طريق نقل الجينات أثناء محاولات مقاومة فيروس نقص المناعة. وتبين أن بعض الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة لدى بعض الناس قوية إلى حد كبير جدا. ويمكن أن تلتصق الأجسام المضادة المثبطة بكثير من سلالات الفيروس وتمنعها من إصابة خلايا جديدة.
خطرت للدكتور فيليب جونسون، المتخصص في الفيروسات بجامعة «بنسلفانيا»، فكرة؛ حيث تساءل لماذا لا يحاول لصق الأجسام المضادة المثبطة لدى الجميع. في ذلك الوقت، كان جونسون وباحثون آخرون يطبقون طريقة علاج بالجينات لأمراض مثل الهيموفيليا، أو نزف الدم الوراثي. واكتشف الباحثون كيفية تحميل الجينات على الفيروسات وإقناعها بغزو الخلايا؛ وخطر على بال جونسون أنه قادر على استخدام هذه الاستراتيجية في تعريف الجين بجسم مضاد قوي داخل خلايا المريض. وبعد أن تبدأ الخلايا في إنتاج أجسام مضادة، يتم حقن المريض بلقاح واق من المرض. ومثلت الفكرة توجها ثوريا جديدا في طريقة العلاج بالجينات. وحتى ذلك الحين، كان الباحثون يركزون على علاج الأمراض الوراثية من خلال تقديم نسخ فاعلة من جينات معيبة.
وعلى صعيد آخر، فإن من شأن الوقاية عن طريق نقل الجينات حماية الأصحاء من الإصابة بالأمراض المعدية.
ولا يعد نجاح هذه الطريقة مضمونًا، فأفضل فيروس حصل عليه جونسون لتوصيل الجينات لم ينجح سوى في غزو الخلايا العضلية، التي لا تفرز أجساما مضادة بطبيعتها.
لكن في عام 2009، أعلن جونسون وزملاؤه نجاح الطريقة. وخلال تجربتهم، سعوا إلى حماية قردة من الإصابة بفيروس نقص المناعة الذي يصيب القردة وهو المقابل لفيروس نقص المناعة لدى الإنسان. واستخدموا فيروسات لحقن جينات قوية داخل عضلات القردة أملا في إنتاج أجسام مضادة لفيروس نقص المناعة لديهم. وقاموا بعد ذلك بحقن القردة بفيروس نقص المناعة، وأفرزت القردة في عضلاتها ما يكفي من الأجسام المضادة لمقاومة مرض نقص المناعة بحسب ما اكتشف العلماء. من دون هذه الطريقة، كان مصير تلك القردة سيكون هو الموت.

* طريقة واعدة
* وأقنعت دراسة جونسون فارزان بأن تلك الطريقة واعدة للغاية، حيث قال: «بدأت أتقبل الفكرة». وبدأ فارزان وزملاؤه تعديل الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة من أجل التوصل إلى أنظمة دفاعية أقوى ضد الفيروس.
من جهة أخرى، في عام 2011، أوضح بالتيمور وزملاؤه أن الأجسام المضادة، التي يتم توصيلها إلى الخلايا مع الفيروسات، قادرة على حماية الفئران من فيروس نقص المناعة الذي تم حقنها به، وأشاروا إلى أن طريقة الوقاية بنقل الجينات قادرة على حماية الناس من فيروس نقص المناعة المنقول عن طريق الإبر الملوثة. مع ذلك، تحدث أكثر الإصابات بفيروس نقص المناعة عن طريق العلاقة الجنسية. لذا حقن بالتيمور وزملاؤه فئرانا إناثا بالفيروس عبر أنسجة الرحم. وذكروا العام الماضي أن تلك الطريقة ساعدت في حماية الفئران من الإصابة بالمرض من خلال العلاقة الجنسية.
وقال بالتيمور: «نحن نخدع جهاز المناعة، بدلا من محاولة تحفيزه. ما نفعله يختلف كليا عن الحقن باللقاح، رغم أن النتيجة النهائية مماثلة».
وأذهلت نتائج بالتيمور غاري كيتنر، عالم الأحياء الدقيقة في كلية الصحة العامة في جامعة «جونز هوبكنز بلومبيرغ»، وتساءل عما إذا كانت طريقة الوقاية بنقل الجينات قادرة على مقاومة مرض خطير آخر راوغ اللقاحات، وهو مرض الملاريا. واكتشف كل من كيتنر، وبالتيمور، وزملاؤهم جسما مضادا قويا ضد الملاريا، واستخدموا فيروسا في توصيل الجين من أجل إدخاله في أجسام الفئران. وذكروا خلال شهر أغسطس (آب) الماضي أنه عندما أصيبت الفئران بعضات ناموس حامل للملاريا، كان 80 في المائة منها محصنا ضد المرض. وقال كيتنر: «هذا لأمر مشجع، وجيد كأول تجربة لطريقة لم تثبت فاعليتها بعد؛ لكن ينبغي أن يتحسن الوضع». ويبحث كيتنر حاليا عن أجسام مضادة أفضل تستطيع توفير حماية أكبر بجرعات أصغر. وتشير تلك التجارب إلى أن الأجسام المضادة، التي يتم إنتاجها باستخدام تلك الطريقة، يمكن أن تساعد في الوقاية من الأمراض التي فشلت اللقاحات في الوقاية منها لعقود. وتشير دراسات أخرى إلى أن تلك الطريقة قد تساعد في الوقاية من الأمراض التي تظهر بشكل مفاجئ في المستقبل.
وبحث دكتور جيمس ويلسون، المتخصص في علم مسببات الأمراض في جامعة «بنسلفانيا»، وزملاؤه في إمكانية علاج التليف الكيسي باستخدام الجينات من خلال زراعة جينات داخل الخلايا التي تبطن الممرات الهوائية في جسم المريض. وخطر بباله أن كثيرا من الفيروسات سريعة الانتشار، مثل فيروسي الإنفلونزا و«سارس»، تهاجم الخلايا نفسها. وفي عام 2013، ذكر ويلسون وزملاؤه أن الفيروسات، التي تحمل جينات الأجسام المضادة إلى خلايا الممرات الهوائية، قادرة على تمكين الفئران، وفصائل النمس، من مقاومة مجموعة متنوعة من سلالات فيروس الإنفلونزا.
ومنذ ذلك الحين، يختبر هو وزملاؤه طريقة الوقاية من خلال نقل الجينات في مقاومة أنواع أخرى من الفيروسات التي تتسبب في الظهور المفاجئ لأمراض مهلكة من بينها الإيبولا. وتعاون ويلسون وزملاؤه مع شركة «ماب بيوفارماسيوتيكال»، التي صنعت جسما مضادا لمقاومة الإيبولا يسمى «زد ماب». وصنع العلماء جينا من أجل الجسم المضاد «زد ماب»، وحقنوه داخل عضلات فأر. ولا تزال التجارب في مراحلها المبكرة، لكن ويلسون يقول: «لدينا بيانات مشجعة». أما بالنسبة إلى جونسون، فكان ازدياد الاهتمام بطريقة الوقاية من خلال الجينات يبعث على الشعور بالرضا، حيث قال: «لقد بدأت الطريقة تلقى رواجا، لكنها بالتأكيد لم تصبح سائدة».
ومن المرجح أن هذا الوضع سيتغير عما قريب؛ ففي فبراير (شباط) الماضي، بدأ جونسون أول اختبار عملي لهذه الطريقة على البشر. وحقن فريقه جينات جسم مضاد لفيروس نقص المناعة داخل عضلات المتطوعين لمعرفة ما إذا كان العلاج آمنا أم لا. ويتوقع الباحثون الانتهاء من جمع النتائج بحلول الربيع. وأوضح جونسون قائلا: «نحن متفائلون ويغمرنا الأمل».
على الجانب الآخر، يتعاون بالتيمور مع المعاهد القومية للصحة لبدء تجربة مشابهة في عمل فيروس معدل جينيًا لمقاومة فيروس نقص المناعة. ويستعد ويلسون لتجربة هذه الطريقة في مقاومة الإنفلونزا في وقت لاحق من العام الحالي.
مع ذلك، لا يوجد ما يؤكد أن نجاح التجارب على الحيوانات يعني نجاحها على البشر. وقال دكتور رونالد كريستال، رئيس قسم الطب الوراثي في كلية الطب بجامعة «كورنيل»: «البشر ليسوا فئرانا كبيرة».
وقد تهاجم أجهزة المناعة لدى البشر الأجسام المضادة الصناعية، أو الفيروسات التي تحملها، وهو ما يقوض قدراتها الوقائية. وقد تفرز الخلايا العضلية أجساما مضادة أكثر من اللازم لعدم تمتعها بقدرة على التنظيم مثل تلك التي تتمتع بها خلايا الجهاز المناعي.
ورغم القلق بشأن هذه الطريقة، فإن نابل يقول إنه لا يزال متفائلا. وأضاف قائلا: «هناك مخاوف تتعلق بالسلامة يجب التعامل معها، لكن هناك طرق منطقية للقيام بذلك». ولا يتوقع المتخصصون في أخلاقيات علم الأحياء عقبات أخلاقية تعرقل تقدم هذه الطريقة لأنها تقوم على العلاج بالجينات الذي ظهر منذ أكثر من 30 عاما. وقال جوناثان كيميلمان، الأستاذ المساعد بجامعة «ماغيل»: «لا تفاجئني تلك الطريقة، فهي ليست ثورية». مع ذلك، يقول بالتيمور إنه يتوقع ألا يثق بعض الناس في استراتيجية للحقن بلقاح قد تتطلب تعديل الحمض النووي الخاص بهم، حتى إن كانت تقيهم من مرض مميت محتمل. وأوضح قائلا: «مع ذلك، أشعر بصفتي عالما أن مسؤوليتنا هي إجراء تجارب على الأشياء التي نشعر أنها ستحدث فارقًا كبيرًا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.