وقاية.. من دون لقاح

وسائل متطورة لنقل جينات صناعية بهدف درء الأمراض قد لا تحظى بشعبية

وقاية.. من دون لقاح
TT

وقاية.. من دون لقاح

وقاية.. من دون لقاح

أعلن فريق من العلماء أخيرا ما قد يتبين أنه خطوة هائلة نحو الأمام في مقاومة فيروس نقص المناعة. وقال العلماء في معهد «سكريبس» للأبحاث، إنهم توصلوا إلى عمل جسم مضاد صناعي، يستطيع الإمساك بالفيروس ومنع نشاطه بمجرد دخوله إلى مجرى الدم. كذلك يستطيع الجزيء القضاء على فيروس نقص المناعة لدى قرود مصابة به وحمايتها من إصابتها بأي عدوى في المستقبل.
مع ذلك، لا يعد هذا العلاج لقاحا بالمعنى المتعارف عليه، حيث يعيد العلماء تشكيل أجسام القردة بحيث تتمكن من مقاومة المرض من خلال زرع جينات صناعية داخل عضلاتها. ولا يختبر الباحثون هذه الطريقة الجديدة في مقاومة فيروس نقص المناعة فحسب، بل وأيضا في مقاومة الإيبولا، والملاريا، والإنفلونزا والالتهاب الكبدي الوبائي. وقال مايكل فارزان، المتخصص في علم المناعة في معهد «سكريبس» والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة: «لا حدود للأمر».

* نقل الجينات
* ويحدو فارزان وعلماء آخرين الأمل في أن تنجح هذه الطريقة في الوقاية لفترة طويلة من الأمراض التي أخفقت اللقاحات في الوقاية منها. ومن المقرر إجراء أول تجربة على البشر استنادا إلى تلك الاستراتيجية، التي تسمى «الوقاية عن طريق نقل الجينات» called immunoprophylaxis by gene transfer، or IGT، قريبًا، وكذلك من المخطط القيام بعدة تجارب جديدة. وقال الدكتور غاري نابل، كبير العلماء في شركة «سانوفي» التي تعمل في مجال الأدوية وتنتج مجموعة متنوعة من اللقاحات: «قد يمثل هذا ثورة في طريقة الحماية من الأخطار التي تهدد الصحة في المستقبل».
ولم يتضح بعد ما إذا كانت طريقة الوقاية عن طريق نقل الجينات ستنجح أم لا. ويحتاج الباحثون إلى قياس مدى أمان وفاعلية الطريقة بين البشر. وقد يثير احتمال أن يقاوم البشر الأمراض المعدية بعد تعديلهم وراثيا، قلق المرضى. وقال الدكتور ديفيد بالتيمور، الحائز على جائزة نوبل والمتخصص في الفيروسات في «معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا» الذي يختبر الطريقة على عدد من الأمراض: «الواقع هو أننا نتعامل مع موضوع حساس، لذا سيتطلب الأمر بعض التفسير» للجمهور.
تحفز اللقاحات التقليدية جهاز المناعة على تعلم كيفية إنتاج أجسام مضادة من خلال تقديم تلك اللقاحات لمسببات أمراض إما ضعيفة أو ميتة، أو حتى بعض جزيئاتها. وتفرز خلايا الجهاز المناعي مجموعة متنوعة من الأجسام المضادة، بعضها يستطيع مقاومة تلك الأمراض. وفي بعض الحالات، تنجح تلك الأجسام المضادة في عمل دفاعات قوية. ويمكن أن تنجح اللقاحات الواقية من أمراض مثل الجدري، والحصبة، في توفير حماية شبه كاملة، في حين لا تستطيع اللقاحات التقليدية إنتاج أجسام مضادة فعّالة في مقاومة أمراض أخرى. أما فيروس نقص المناعة على سبيل المثال فيتخذ أشكالا متعددة بحيث إذا نجح لقاح واحد في الوقاية من أحدها، فلن ينجح في الوقاية من الآخر.

* جينات صناعية
* وتختلف الوقاية عن طريق نقل الجينات تمامًا عن اللقاحات التقليدية، فهي نوع من أنواع العلاج الوراثي، حيث فصل العلماء الجينات التي تنتج أجساما مضادة قوية لمقاومة أمراض محددة، ثم صنعوا نسخًا صناعية منها. وتم وضع الجينات في فيروسات، وحقنها في نسيج بشري عادة ما يكون نسيجا عضليا. تغزو الفيروسات الخلايا البشرية بما تحمله من حمض نووي، ويتم حقن الحمض النووي للمتلقي بالجين الصناعي. وإذا سارت الأمور على ما يرام، فستوجه الجينات الجديدة الخلايا نحو بدء إنتاج أجسام مضادة قوية.
وجاءت فكرة الوقاية عن طريق نقل الجينات أثناء محاولات مقاومة فيروس نقص المناعة. وتبين أن بعض الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة لدى بعض الناس قوية إلى حد كبير جدا. ويمكن أن تلتصق الأجسام المضادة المثبطة بكثير من سلالات الفيروس وتمنعها من إصابة خلايا جديدة.
خطرت للدكتور فيليب جونسون، المتخصص في الفيروسات بجامعة «بنسلفانيا»، فكرة؛ حيث تساءل لماذا لا يحاول لصق الأجسام المضادة المثبطة لدى الجميع. في ذلك الوقت، كان جونسون وباحثون آخرون يطبقون طريقة علاج بالجينات لأمراض مثل الهيموفيليا، أو نزف الدم الوراثي. واكتشف الباحثون كيفية تحميل الجينات على الفيروسات وإقناعها بغزو الخلايا؛ وخطر على بال جونسون أنه قادر على استخدام هذه الاستراتيجية في تعريف الجين بجسم مضاد قوي داخل خلايا المريض. وبعد أن تبدأ الخلايا في إنتاج أجسام مضادة، يتم حقن المريض بلقاح واق من المرض. ومثلت الفكرة توجها ثوريا جديدا في طريقة العلاج بالجينات. وحتى ذلك الحين، كان الباحثون يركزون على علاج الأمراض الوراثية من خلال تقديم نسخ فاعلة من جينات معيبة.
وعلى صعيد آخر، فإن من شأن الوقاية عن طريق نقل الجينات حماية الأصحاء من الإصابة بالأمراض المعدية.
ولا يعد نجاح هذه الطريقة مضمونًا، فأفضل فيروس حصل عليه جونسون لتوصيل الجينات لم ينجح سوى في غزو الخلايا العضلية، التي لا تفرز أجساما مضادة بطبيعتها.
لكن في عام 2009، أعلن جونسون وزملاؤه نجاح الطريقة. وخلال تجربتهم، سعوا إلى حماية قردة من الإصابة بفيروس نقص المناعة الذي يصيب القردة وهو المقابل لفيروس نقص المناعة لدى الإنسان. واستخدموا فيروسات لحقن جينات قوية داخل عضلات القردة أملا في إنتاج أجسام مضادة لفيروس نقص المناعة لديهم. وقاموا بعد ذلك بحقن القردة بفيروس نقص المناعة، وأفرزت القردة في عضلاتها ما يكفي من الأجسام المضادة لمقاومة مرض نقص المناعة بحسب ما اكتشف العلماء. من دون هذه الطريقة، كان مصير تلك القردة سيكون هو الموت.

* طريقة واعدة
* وأقنعت دراسة جونسون فارزان بأن تلك الطريقة واعدة للغاية، حيث قال: «بدأت أتقبل الفكرة». وبدأ فارزان وزملاؤه تعديل الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة من أجل التوصل إلى أنظمة دفاعية أقوى ضد الفيروس.
من جهة أخرى، في عام 2011، أوضح بالتيمور وزملاؤه أن الأجسام المضادة، التي يتم توصيلها إلى الخلايا مع الفيروسات، قادرة على حماية الفئران من فيروس نقص المناعة الذي تم حقنها به، وأشاروا إلى أن طريقة الوقاية بنقل الجينات قادرة على حماية الناس من فيروس نقص المناعة المنقول عن طريق الإبر الملوثة. مع ذلك، تحدث أكثر الإصابات بفيروس نقص المناعة عن طريق العلاقة الجنسية. لذا حقن بالتيمور وزملاؤه فئرانا إناثا بالفيروس عبر أنسجة الرحم. وذكروا العام الماضي أن تلك الطريقة ساعدت في حماية الفئران من الإصابة بالمرض من خلال العلاقة الجنسية.
وقال بالتيمور: «نحن نخدع جهاز المناعة، بدلا من محاولة تحفيزه. ما نفعله يختلف كليا عن الحقن باللقاح، رغم أن النتيجة النهائية مماثلة».
وأذهلت نتائج بالتيمور غاري كيتنر، عالم الأحياء الدقيقة في كلية الصحة العامة في جامعة «جونز هوبكنز بلومبيرغ»، وتساءل عما إذا كانت طريقة الوقاية بنقل الجينات قادرة على مقاومة مرض خطير آخر راوغ اللقاحات، وهو مرض الملاريا. واكتشف كل من كيتنر، وبالتيمور، وزملاؤهم جسما مضادا قويا ضد الملاريا، واستخدموا فيروسا في توصيل الجين من أجل إدخاله في أجسام الفئران. وذكروا خلال شهر أغسطس (آب) الماضي أنه عندما أصيبت الفئران بعضات ناموس حامل للملاريا، كان 80 في المائة منها محصنا ضد المرض. وقال كيتنر: «هذا لأمر مشجع، وجيد كأول تجربة لطريقة لم تثبت فاعليتها بعد؛ لكن ينبغي أن يتحسن الوضع». ويبحث كيتنر حاليا عن أجسام مضادة أفضل تستطيع توفير حماية أكبر بجرعات أصغر. وتشير تلك التجارب إلى أن الأجسام المضادة، التي يتم إنتاجها باستخدام تلك الطريقة، يمكن أن تساعد في الوقاية من الأمراض التي فشلت اللقاحات في الوقاية منها لعقود. وتشير دراسات أخرى إلى أن تلك الطريقة قد تساعد في الوقاية من الأمراض التي تظهر بشكل مفاجئ في المستقبل.
وبحث دكتور جيمس ويلسون، المتخصص في علم مسببات الأمراض في جامعة «بنسلفانيا»، وزملاؤه في إمكانية علاج التليف الكيسي باستخدام الجينات من خلال زراعة جينات داخل الخلايا التي تبطن الممرات الهوائية في جسم المريض. وخطر بباله أن كثيرا من الفيروسات سريعة الانتشار، مثل فيروسي الإنفلونزا و«سارس»، تهاجم الخلايا نفسها. وفي عام 2013، ذكر ويلسون وزملاؤه أن الفيروسات، التي تحمل جينات الأجسام المضادة إلى خلايا الممرات الهوائية، قادرة على تمكين الفئران، وفصائل النمس، من مقاومة مجموعة متنوعة من سلالات فيروس الإنفلونزا.
ومنذ ذلك الحين، يختبر هو وزملاؤه طريقة الوقاية من خلال نقل الجينات في مقاومة أنواع أخرى من الفيروسات التي تتسبب في الظهور المفاجئ لأمراض مهلكة من بينها الإيبولا. وتعاون ويلسون وزملاؤه مع شركة «ماب بيوفارماسيوتيكال»، التي صنعت جسما مضادا لمقاومة الإيبولا يسمى «زد ماب». وصنع العلماء جينا من أجل الجسم المضاد «زد ماب»، وحقنوه داخل عضلات فأر. ولا تزال التجارب في مراحلها المبكرة، لكن ويلسون يقول: «لدينا بيانات مشجعة». أما بالنسبة إلى جونسون، فكان ازدياد الاهتمام بطريقة الوقاية من خلال الجينات يبعث على الشعور بالرضا، حيث قال: «لقد بدأت الطريقة تلقى رواجا، لكنها بالتأكيد لم تصبح سائدة».
ومن المرجح أن هذا الوضع سيتغير عما قريب؛ ففي فبراير (شباط) الماضي، بدأ جونسون أول اختبار عملي لهذه الطريقة على البشر. وحقن فريقه جينات جسم مضاد لفيروس نقص المناعة داخل عضلات المتطوعين لمعرفة ما إذا كان العلاج آمنا أم لا. ويتوقع الباحثون الانتهاء من جمع النتائج بحلول الربيع. وأوضح جونسون قائلا: «نحن متفائلون ويغمرنا الأمل».
على الجانب الآخر، يتعاون بالتيمور مع المعاهد القومية للصحة لبدء تجربة مشابهة في عمل فيروس معدل جينيًا لمقاومة فيروس نقص المناعة. ويستعد ويلسون لتجربة هذه الطريقة في مقاومة الإنفلونزا في وقت لاحق من العام الحالي.
مع ذلك، لا يوجد ما يؤكد أن نجاح التجارب على الحيوانات يعني نجاحها على البشر. وقال دكتور رونالد كريستال، رئيس قسم الطب الوراثي في كلية الطب بجامعة «كورنيل»: «البشر ليسوا فئرانا كبيرة».
وقد تهاجم أجهزة المناعة لدى البشر الأجسام المضادة الصناعية، أو الفيروسات التي تحملها، وهو ما يقوض قدراتها الوقائية. وقد تفرز الخلايا العضلية أجساما مضادة أكثر من اللازم لعدم تمتعها بقدرة على التنظيم مثل تلك التي تتمتع بها خلايا الجهاز المناعي.
ورغم القلق بشأن هذه الطريقة، فإن نابل يقول إنه لا يزال متفائلا. وأضاف قائلا: «هناك مخاوف تتعلق بالسلامة يجب التعامل معها، لكن هناك طرق منطقية للقيام بذلك». ولا يتوقع المتخصصون في أخلاقيات علم الأحياء عقبات أخلاقية تعرقل تقدم هذه الطريقة لأنها تقوم على العلاج بالجينات الذي ظهر منذ أكثر من 30 عاما. وقال جوناثان كيميلمان، الأستاذ المساعد بجامعة «ماغيل»: «لا تفاجئني تلك الطريقة، فهي ليست ثورية». مع ذلك، يقول بالتيمور إنه يتوقع ألا يثق بعض الناس في استراتيجية للحقن بلقاح قد تتطلب تعديل الحمض النووي الخاص بهم، حتى إن كانت تقيهم من مرض مميت محتمل. وأوضح قائلا: «مع ذلك، أشعر بصفتي عالما أن مسؤوليتنا هي إجراء تجارب على الأشياء التي نشعر أنها ستحدث فارقًا كبيرًا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل
TT

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

إذا كنتِ تبحثين باستمرار عن أماكن هادئة في العمل للاختباء، أو الصراخ، أو التنفيس عن غضبك، أو حتى البكاء، ثم تعودين بعد فترة وكأن كل شيء على ما يرام، فقد تكونين عرضة لما يُسمى «التأقلم الصامت hushed coping». وقد يُعيقكِ هذا الأمر في الكثير من النساء في مسيرتهن المهنية، كما كتبت ليندسي دودجسون (*).

«التأقلم الصامت»

يُشير التأقلم الصامت إلى عادة كبت مشاعر الإرهاق والضغط النفسي، والمضي قدماً في العمل بصمت. بالنسبة للنساء، قد يُضيف هذا الأمر تعقيداً آخر يتمثل في مكافحتهن للصورة النمطية الراسخة التي تعدّ أن إظهار الكثير من المشاعر في العمل أمر غير مهني.

وقد وجدت دراسة أُجريت على 115 امرأة عاملة في القطاع العام، ونُشرت في مجلة «العدالة الاجتماعية والإدارة العامة» في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن نحو 55 في المائة من المشاركات وافقن على أن وظائفهن تتطلب منهن إخفاء مشاعرهن الحقيقية. أفادت المشاركات أيضاً بأنهن غالباً ما يخفين الغضب (43 في المائة)، والانزعاج (40 في المائة)، والشعور بالعجز (37 في المائة)، والحزن (34 في المائة).

بيئة العمل: «اصمتي واعملي»

تقول ليوني كينيبول، خبيرة القيادة النسائية والمؤسسة المشاركة لمنصة Female x Finance المهنية والإعلامية، لمجلة «فاست كومباني»: «ترغب النساء بشدة في الشعور بالتقدير والاهتمام، ويشعرن بمشاعر كثيرة في مكان العمل. لكنهن لا يجدن البيئة المناسبة للتعبير عن رغباتهن بصراحة». وتضيف: «يبدو أن بيئة العمل مصممة على أساس (اصمتي واعملي)». قد يبدو الصمت الخيار الأكثر أماناً مهنياً.

تكلفة مهنية ونفسية خفية ومتراكمة

لكن السلوكيات التي تقلل من احتمالية وصف الشخص بأنه عاطفي قد تقلل أيضاً من فرص ملاحظته كموظف، والاستماع إليه، وترقيته في نهاية المطاف. كما أن التأقلم الصامت قد يعني تجنب المحادثات الصعبة، ورفض الفرص، وتحمل أعباء عمل مرهقة بصمت.

وتقول كينيبول: «تفترض النساء وجود الكثير من الأمور عن الشركات دون التحدث عنها». بينما تقول كريستين سيكلز، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لشركة الاستشارات «مايك دروب وركشوب»: «لذلك؛ قد يصعب رصد التكلفة المهنية لأنها تتراكم من خلال كل ما لا يفعله الشخص. وهذا ما يجعل التأقلم الصامت مكلفاً للغاية... فالتكلفة خفية ومتراكمة».

وتضيف: «إنها الترقية التي لا تسعى (المرأة) إليها لأنها غارقة في المشاكل، والتقييمات السلبية التي تتجاهلها. ولا يظهر أي من ذلك في لحظة واحدة، وهذا تحديداً ما يجعل الاستمرار في فعله سهلاً للغاية».

تأقلم ناجم عن التجاهل وعدم التقدير

من جهتها، تقول إيمي فيجليوتي، الاختصاصية النفسية المرخصة ومؤسسة عيادة «سيلف ووركس» للعلاج النفسي، لمجلة «فاست كومباني» إن التأقلم الصامت قد ينبع من الشعور بالتجاهل أو عدم الاحترام أو عدم التقدير؛ أو التعامل مع مُديرين سامّين؛ أو قلة فرص النمو. ومع مرور الوقت، قد يتطور إلى نوع من اليأس المكتسب؛ إذ تفترض المرأة العاملة أنه إذا لم يُجدِ التحدث نفعاً في الماضي، فلماذا أُرهق نفسي بالمحاولة مجدداً؟

تقول فيجليوتي إن المعاناة في صمت قد تُنهك الموظفات عاطفياً ونفسياً؛ ما يُضعف اندفاعهن في نهاية المطاف، بل ويجعلهن يشككن في كفاءتهن. وقد يُلحق ذلك الضرر بأصحاب العمل أيضاً: فعندما لا يشعر غالبية الموظفين بالأمان الكافي لمشاركة أفكارهم، أو طرح أسئلتهم، أو التعبير عن مخاوفهم، يُمكن أن يُصبح صمتهم «عائقاً كبيراً أمام التغيير والتطوير التنظيمي»، على حد قولها.

التأقلم في صمت دليل على ضرورة التغيير

تقول جيني هاريسون، محامية حقوق الموظفين والمؤسسة المشاركة لمكتب جيني هاريسون للمحاماة، لمجلة «فاست كومباني»، إنه إذا وقع أي شخص في فخ التأقلم الصامت نتيجة عبء عمل يفوق طاقته، فعليه أولاً الاستعداد لمحادثة صريحة مع مديره بشأن قائمة مشاريعه، ومتطلبات الجدول الزمني، والتزامه تجاه الشركة. كما تنصح هاريسون بالتدرب على طريقة العرض بهدوء قبل الاجتماع؛ حتى يتمكن الموظف أو الموظفة من التعبير عن احتياجاته دون الشعور بالإرهاق.

وتضيف: «فكّري في إخبار مديرك بأنك تعتقدين أن من مصلحة الشركة زيادة الموارد المخصصة للمشاريع لضمان تسليمها في الوقت المحدد وبأعلى مستوى من الكفاءة والتنفيذ. إذا حاولت التواصل بوضوح ولم تستجب الشركة، فسيكون لديك كل المعلومات الكافية عن طبيعة هذه الشركة».

البحث عن مُحاورين

وتتفق فيجليوتي على أهمية التعبير عن الرأي، لكنها تقول إن التخلص من هذه العادة لا يعني بالضرورة البدء بمديرك.

وتضيف: «أعتقد أن النقطة الأساسية هنا هي أنه عند محاولة التخلص من عادة معينة، ابدأ بأفراد من جمهور تشعر معه بالراحة والأمان، ويحترم رأيك». بينما تقترح كينيبول بالمثل البدء بخطوات صغيرة. يمكن أن تكون الخطوة الأولى ببساطة هي التحدث عن مخاوفك مع زميلة أو زميل تثقين بها أو به، وهما اللذان قد يشاركانك إياها أو يقدمان لك رأياً واقعياً قيّماً. وتقول: «الخطوة الأولى دائماً هي التحدث مع شخص تثق به في المؤسسة، شخص لديه خبرة أطول منك، ويعرف ثقافة العمل، ويعرف كيف تُدار الأمور هناك – حينذاك ستسمعين، على الأرجح، أن الأمر ليس شخصياً (بل عمومياً)».

وأحياناً، قد يكشف هذا الحوار عن أن التوتر الذي يُظهره مديرك لا علاقة له بأدائك، وقد يفتح الباب أمام تواصل أكثر صراحة.

وتقول كينيبول: «الجميع مشغولون، والجميع يتعامل مع التوتر بطريقة مختلفة، لكن لا تأخذي الأمر على محمل شخصي».

* مجلة «فاست كومباني»


هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
TT

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

تثير التحذيرات الجديدة -التي تشير إلى أن البشر يقتربون من مرحلة فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي- تساؤلاً مقلقاً: هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي ليصبح واحداً من أخطر التهديدات التي تواجه البشرية؟

ورغم صعوبة تقييم مخاطر هذه التكنولوجيا، فإن السيناريو الأسوأ -وهو انقراض البشرية- يجعل المخاوف الأرضية الأخرى تبدو ضئيلة الأهمية، كما كتب تشيكو هارلان (*).

التغير المناخي... علم راسخ

البشرية... من أزمة «صناعية» إلى أخرى

صحيح أن التغير المناخي يتسبب في ظروف حرارة خطيرة، ويؤجج العواصف العاتية، ويدمر المحاصيل، وقد يؤدي إلى اضطرابات هائلة على مستوى الكوكب، لكن كل ذلك لا يهم إلا إذا ظلت حضارتنا قائمة ومعروفة بهيئتها الحالية.

يقول توبي أورد، الباحث في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب «الهاوية: المخاطر الوجودية ومستقبل البشرية» (The Precipice): «فيما يتعلق بالأمور التي قد تؤدي إلى نهاية البشرية، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطراً أكبر».

يضع هذا الوضع نشطاء المناخ في حالة تنافس للحصول على قدر محدود من الاهتمام السياسي، ففي حين يجتمع الدبلوماسيون وقادة العالم في الأمم المتحدة هذا الأسبوع لمعالجة أكثر مشكلات الكوكب إلحاحاً، يخشى البعض أن يتم تجاهل قضية الاحتباس الحراري رغم تفاقمها.

عندما يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ مع الرئيس ترمب في واشنطن يوم الخميس، من المتوقع أن يناقش زعيما الدولتين الأكثر إنتاجاً لغازات الدفيئة قضايا عدة، من بينها سلامة الذكاء الاصطناعي. أما التغير المناخي -الذي يصفه ترمب بأنه «خدعة»- فمن غير المرجح أن يكون مدرجاً على جدول الأعمال.

التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً وأكثر واقعية

كتبت ليا ستوكس، أستاذة سياسات البيئة في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، الأسبوع الماضي، أن الذكاء الاصطناعي «يستحوذ على كل اهتمامنا»، وجادلت بأن التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً أكثر واقعية، مستشهدة بموجات الحر القاتلة التي اجتاحت أوروبا هذا الصيف والانهيار الجليدي المروع الذي وقع الشهر الماضي في نيبال.

وكتبت الدكتورة ستوكس: «على عكس الذكاء الاصطناعي، فإن التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً؛ إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن. يبدو أيضاً أن الكثيرين قد تناسوا -بشكل مريح لأنفسهم- مدى إلحاح ضرورة حل هذه المشكلة».

تكهنات حول كارثة الذكاء الاصطناعي

من المعروف أن البشر يفتقرون إلى الكفاءة في تقييم المخاطر. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، تظل المخاطر في الغالب مجرد تكهنات في هذه المرحلة، فحتى أكثر التوقعات جرأةً بشأن تسبب الذكاء الاصطناعي في فناء البشرية غالباً ما تفتقر إلى تفاصيل حول كيفية وقوع هذه الكارثة.. هل ستأتي النهاية على شكل ميكروب فائق الخطورة صممه الذكاء الاصطناعي أم عبر إطلاق أسلحة نووية؟ كما أن دمار المجتمع البشري قد يحدث ببطء أكبر، من خلال استيلاء نظام ذكاء اصطناعي مارق على البنية التحتية، في حين يعاني البشر من الجوع ويُحرمون من الحصول على الدواء.

الأتمتة تنتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل... ثم يقع خلل ما

يقول سيث باوم، المدير التنفيذي لمعهد المخاطر الكارثية العالمية: «هناك سيناريوهات لكوارث تدريجية قد يسببها الذكاء الاصطناعي، فنحن نواصل أتمتة المزيد والمزيد من العمليات بمرور الوقت، لننتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل، ثم يقع خلل ما».

تنبع هذه التوقعات من شعور بأن البشر بصدد خلق كيان قد يستعصي على السيطرة، كيان قد يكتسب القدرة على تطوير نفسه ذاتياً، ليصبح أذكى وأسرع منا بكثير من جميع النواحي الجوهرية. أما عن الحلول للحيلولة دون حدوث كل ذلك فهي غير موجودة بعد.

التغير المناخي... علم راسخ

في المقابل، تتسم قضية التغير المناخي بوجود حقائق ومعطيات معلومة، فالعلم الذي يربط بين انبعاثات الوقود الأحفوري وارتفاع درجات الحرارة العالمية هو علم راسخ لا يقبل الجدل. كما أن الحلول المتاحة للحد من الانبعاثات -مثل الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية- هي حلول مُثبتة الفعالية ومتوفرة بكثرة. وعلى الصعيد العالمي، أصبحت المؤتمرات السنوية الرامية إلى درء هذه الأزمة جزءاً ثابتاً من الأجندة الدولية، وهي مؤتمرات تزخر بالمصطلحات العلمية والسياسية، فضلاً عن السجالات الدبلوماسية حول خطط العمل طويلة الأجل.

قد تبدو هذه المؤتمرات ذات طابع بيروقراطي، إلا أنها أثبتت أهميتها، فقد كانت التوقعات السابقة تشير إلى احتمال ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 4 درجات مئوية (7.2 درجة فهرنهايت) مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، أما الآن فيقول العلماء إن الاحترار يسير في مسار يؤدي إلى ارتفاع قدره 2.6 درجة مئوية (4.7 درجة فهرنهايت)، وذلك بناءً على السياسات والاتجاهات الحالية. ومع ذلك، يظل هذا المستوى أعلى بكثير من الحد الذي عدّته الدول مقبولاً أو قابلاً للتحمل.

تتجلى عواقب تغير المناخ في أحداث متطرفة ومفاجئة مثل حرائق الغابات وموجات الحر والفيضانات. وفي الوقت نفسه، تتفاقم المشكلة ببطء نسبي، وبطرق قد لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه المستمر. فمنذ أن أصبحت هذه القضية محط اهتمام العالم قبل جيل مضى، أثارت لحظات من التكاتف الجماعي، فضلاً عن ردود فعل معارضة ومشاعر اليأس والإرهاق. يقول الدكتور بوم: «نحن نميل إلى اعتبار الأمور التي تحدث تدريجياً أموراً طبيعية ونعتاد عليها. فالناس العاديون لا يرغبون في أن يكون هذا الأمر هو محور تفكيرهم الدائم».

مخطط دائري لبيانات الاستدامة (صورة رقمية مُولّدة لمقطع عرضي دائري متعدد البيئات تُظهر تطور المدينة من مدينة قديمة ملوثة إلى نمط حياة نظيف يعتمد على الطاقة البديلة المستدامة)

مشكلات من صنع البشر

ثمة روابط ملحوظة بين الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ باعتبارهما تهديدين للبشرية. ففي كلتا الحالتين، تنبع المخاطر من أنشطة بشرية؛ سواء كان ذلك يتمثل في تطوير «نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة والرائدة» (frontier models)، أو في حرق الوقود الأحفوري الذي يغذّي الاقتصاد العالمي الحديث. وفي كلتا الحالتين أيضاً، تمارس شركات عملاقة (سواء كانت شركات تكنولوجيا تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الدولارات أو شركات طاقة عملاقة عابرة للقارات) تأثيراً هائلاً على مسار التاريخ.

وقد قلّل الرئيس ترمب من شأن التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً أخيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنها تصدر عن «الأشخاص أنفسهم الذين قالوا قبل وقت قصير، إن العالم سيفنى بسبب (تغير المناخ)».

الذكاء الاصطناعي... تدمير البيئة أم حمايتها؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يكون أداة فعالة في مكافحة تغير المناخ، إذ يمكنه -على سبيل المثال- تصميم أنظمة إنذار أكثر تطوراً للكوارث، أو ابتكار حلول تخفف من حدة نقص المياه العالمي. وبالفعل، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تعزيز حماية جزر المالديف (التي تتميز بانخفاض مستوى أراضيها عن سطح البحر) وإعادة تأهيل المناطق الساحلية.

الذكاء الاصطناعي سيستهلك عام 2030 كهرباء تعادل ما يستهلكه نحو 200 مليون نسمة

ولكن على المدى القصير على الأقل، يجعل الذكاء الاصطناعي خفض انبعاثات غازات الدفيئة أمراً أكثر صعوبة؛ إذ يؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 في المائة خلال العام الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. وقد ذكر معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك بحلول عام 2030 كمية من الكهرباء تعادل ثلاثة أضعاف ما تستهلكه نيجيريا وباكستان وبنغلاديش مجتمعة، وهي دول يبلغ مجموع سكانها نحو 650 مليون نسمة.

تراجع الشركات عن أهدافها البيئية

لقد أصبحت شركات التكنولوجيا مشترياً رئيسياً للطاقة، وباتت تدعم مشروعات تعتمد على كل من الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري. في خطاب ألقاه يوم الاثنين، وصف سايمون ستيل، مسؤول المناخ في الأمم المتحدة، قطاع الذكاء الاصطناعي بأنه «شره لاستهلاك الطاقة»، وقال إنه بحاجة إلى «احترام العلم وبدء مواءمة مساره مع الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، وبشكل عاجل».

وفي اليوم نفسه، صرح وزير البيئة التركي، مراد كوروم -الذي سيرأس مؤتمر المناخ الدولي لهذا العام في نوفمبر (تشرين الثاني)- بأن جدول أعمال المؤتمر سيتضمن مناقشة «الاستهلاك المتزايد للطاقة» في مجال الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن «عالماً يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، ونظام طاقة عالمياً يعاني من الاضطراب، ومخاوف متزايدة بشأن صعود الذكاء الاصطناعي؛ كلها أمور تستدعي التحرك».

قبل ست سنوات، وضعت شركة «غوغل» خطة للاعتماد على طاقة خالية من الكربون بحلول عام 2030. وقد وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي للشركة، هذه الخطة بأنها «مبادرة طموحة للغاية لتحقيق الاستدامة» أو ما يُعرف بـ«مشروع القمر» (moonshot)، مشيراً إلى أن مدينته الأم في الهند، تشيناي، كانت قد غمرتها مياه الفيضانات قبل بضع سنوات، ما جعل «آثار تغير المناخ تبدو أقرب بكثير إلى حياته الشخصية».

سباق الذكاء الاصطناعي غيّر الأولويات

إن انبعاثات «غوغل» مستمرة في الارتفاع، وكذلك الحال بالنسبة إلى شركة «مايكروسوفت»، التي كانت قد أعلنت سابقاً هدفها بأن تصبح «سالبة الكربون» (أي تزيل من الكربون أكثر مما تنتج) بحلول عام 2030.

وفي العام الماضي، نشر الملياردير بيل غيتس -الشريك المؤسس لشركة «مايكروسوفت»- مقالاً طويلاً (يقع في 5000 كلمة) جادل فيه بأن تغير المناخ «لن يؤدي إلى فناء البشرية». وقد عكست استنتاجاته -التي جاءت بعد سنوات من تمويل قضايا المناخ- وجهة نظر مثيرة للجدل مفادها أنه حتى مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب سيظل بوسع البشر «العيش والازدهار في معظم أنحاء الأرض». ثم في الشهر الماضي، نشر غيتس مقالاً مطولاً آخر، تناول فيه مخاطر الذكاء الاصطناعي.

سمة مشتركة: عدم القدرة على التنبؤ

غير أن العديد من العلماء يرون أنه من الخطأ افتراض أن تغير المناخ سيسير وفق مسار يمكن التنبؤ به، أو بطريقة تتيح للدول إدارته والسيطرة عليه. ويشير البعض إلى أن أنظمة كوكب الأرض أثبتت -على مدى العقد الماضي- أنها أكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة التدريجي مما كان متوقعاً، فضلاً عن أن المزيد من الاحترار لا يزال بانتظارنا.

إن العالم يفقد جمال الشعاب المرجانية والأسماك التي تتخذ منها موطناً، والاقتصادات القائمة على صيد تلك الأسماك. كما أن النباتات والأشجار تذبل وتضعف تحت وطأة ظروف مناخية أقسى، ما قد يقلّص إحدى الوسائل الطبيعية التي تمتص بها الأرض غاز ثاني أكسيد الكربون. ويؤدي ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي إلى انكشاف مساحات واسعة من المياه الداكنة الممتصة للحرارة، ما يزيد من حدة ارتفاع درجات الحرارة. وعلاوة على ذلك، قد تؤدي التغيرات المستقبلية في ظروف المحيطات إلى إضعاف أو توقف أنظمة دورانٍ -لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام- تُعد حيوية للحفاظ على ظروف ملائمة للحياة في بعض أنحاء العالم.

وتشير كاثرين ريتشاردسون، الأستاذة في جامعة كوبنهاغن، المتخصصة في دراسة «حدود الكوكب»، إلى أن مخاطر حلقات التغذية الراجعة وتعقيد نظام الأرض هما السبب الدقيق وراء خطورة وضع افتراضات مسبقة حول شكل العالم في المستقبل ومدى ملاءمته للعيش.

وذكرت أن معظم مراحل التقدم البشري -بدءاً من العصر الحجري والعصر البرونزي ووصولاً إلى عصر النهضة- قد تحققت في ظل درجات حرارة ظلت ضمن نطاق محدود. وقالت: «لا نعلم يقيناً ما إذا كان بوسعنا الازدهار» في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بمقدار درجتين أو ثلاث درجات مئوية. وأضافت أننا لا نعرف حتى الآن كيف قد يبدو عالم كهذا. وللتعبير عن حالة عدم اليقين المرتبطة بتغير المناخ، استخدمت عبارات مشابهة لتلك التي تُستخدم في التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. إذ قالت: «قد نفقد السيطرة على هذه العملية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية
TT

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

كشفت دراسة أميركية آلية معقدة يستخدمها كوكب المشتري للتعامل مع الرياح الشمسية، تعتمد على مجموعة من موجات البلازما ومناطق الصدمة التي تساعد على إبطاء الجسيمات القادمة من الشمس قبل وصولها إلى الكوكب.

واعتمد الباحثون، بقيادة علماء فيزياء من جامعة أيوا، على بيانات جمعتها مركبة «جونو»، التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، وقدمت أدق رصد، حتى الآن، لموجة الصدمة القوسية المحيطة بالمشتري. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Communications».

والرياح الشمسية هي تدفق مستمر من الجسيمات المشحونة، مثل الإلكترونات والبروتونات، تنبعث من الغلاف الجوي الخارجي للشمس، وتنتشر عبر النظام الشمسي. ويمكن لهذه الجسيمات عالية الطاقة أن تتفاعل مع المجالات المغناطيسية للكواكب وتؤثر في بيئاتها الفضائية.

وعند المشتري، تتشكل موجة الصدمة القوسية عند الحد الفاصل بين الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للكوكب، وتعمل كحاجز يبطئ الرياح الشمسية ويغيّر اتجاهها ويبدد جزءاً من طاقتها قبل وصولها إلى الكوكب.

وأظهرت البيانات أن المشتري يستخدم موجات بلازمية ذات ترددات متعددة للتعامل مع قوة الرياح الشمسية. والبلازما غاز شديد السخونة تتكون فيه جسيمات مشحونة، مثل الإلكترونات والأيونات، يمكنها التفاعل مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية.

ورصد الباحثون مجموعة متنوعة من الموجات عند موجة الصدمة القوسية، من بينها الموجات الصوتية الأيونية، وموجات مرتبطة بعدم استقرار حركة الإلكترونات، وموجات كهروستاتيكية منفردة.

وأظهرت بعض الموجات الصوتية الأيونية بنية تضم ترددات متعددة، وليس تردداً أساسياً واحداً، ما يشير إلى دورها في نقل الطاقة بين الموجات والجسيمات.

سلسلة صدمات صغيرة

كما وجد الباحثون أن المشتري يستخدم سلسلة من المناطق الصغيرة المعروفة باسم «الصدَمات الصغيرة» (shocklets)، تتفاعل مع الرياح الشمسية وتساعد على إبطائها قبل وصولها إلى موجة الصدمة القوسية الرئيسية.

ووفق الباحثين، يختلف ذلك عن الأرض، التي تعتمد بصورة أساسية على موجة الصدمة القوسية الرئيسية لإبطاء الرياح الشمسية وإعادة توجيهها حول الكوكب، إذ إن تأثير الرياح الشمسية على الأرض أقل قوة.

وتستند النتائج إلى بيانات جمعتها «جونو»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثناء مرورها عبر منطقة موجة الصدمة القوسية للمشتري. وكان جهاز «Waves»، الموجود على متن المركبة، أساسياً في جمع هذه البيانات، إذ أتاح دراسة موجات البلازما بتفاصيل لم تكن متاحة من قبل.

وقبل «جونو»، تمكنت مركبات فضائية من رصد وجود موجة الصدمة عند الكواكب الخارجية، لكنها لم تتمكن من قياس التعقيد الكامل لموجات البلازما المرتبطة بها.

وتكشف البيانات أيضاً عن تفاعلات بين موجات البلازما والجسيمات المشحونة، يمكن أن تسهم في تحويل جزء من طاقة حركة الرياح الشمسية إلى حرارة وطاقة في الجسيمات.

وتساعد دراسة هذه التفاعلات على فهم الصدمات التي تحدث في البلازما الفضائية.

ويرى الباحثون أن أهمية النتائج تتجاوز فهم بيئة المشتري، إذ قد تساعد في تفسير كيفية تعامل الأجرام الفلكية مع تدفقات طاقة أكبر بكثير. وتحدث صدمات أكثر قوة حول أجرام مثل بقايا المستعرات العظمى، وهي البقايا الناتجة عن الانفجارات الهائلة التي تُنهي حياة بعض النجوم، ما يجعل موجة الصدمة عند المشتري مختبراً طبيعياً قريباً لدرس كيفية تحول طاقة التدفقات القوية إلى حرارة وجسيمات عالية الطاقة.