مي التلمساني: أنطلق من ثقافتي العربية فأنا أراها تنفتح على الكون كله

الروائية المصرية مُنحت وسامَ الفنون والآداب الفرنسي برتبة فارس

مي التلمساني
مي التلمساني
TT

مي التلمساني: أنطلق من ثقافتي العربية فأنا أراها تنفتح على الكون كله

مي التلمساني
مي التلمساني

«دائما هناك شغف بالحياة»، عبارة تتردد أصداؤها بقوة في أعمال الروائية مي التلمساني، حتى في لحظات الإحباط والألم. خلال العام الجاري تُوج هذا الشغف بالإعلان عن منحها وسام الفنون والآداب الفرنسي برتبة فارس، وسوف تتسلمه في يناير (كانون الثاني) القادم في حفل رسمي تقيمه السفارة الفرنسية بالقاهرة.
وأيضاً صدر لها أخيراً روايتها «الكل يقول أحبك» التي جسدت تعقيدات الهجرة خارج الوطن، لتكمل بذلك مسيرة روائية تقارب ثلاثين عاماً، من أبرز محطاتها «دنيا زاد» و«هليوبوليس» و«أكابيلا».
هنا حوار معها حول عالمها الروائي و«بيت التلمساني» الذي تريده منتجعاً ثقافياً لاستضافة الكتاب الراغبين في التفرغ للكتابة.
> كيف تلقيتِ خبر منحك وسام الجمهورية الفرنسية؟
- مفاجأة، لمستني كثيراً، والأكثر من الخبر المحبة التي تلقيتها بعده. أسعدتني كلمة وزارة الثقافة الفرنسية وكلمة السفير الفرنسي. ومن المقرر أن تكون مراسم تسلم الوسام يناير المقبل في القاهرة، ومن المنتظر أن تعلَن وقتها حيثيات الاختيار، الذي يمتد في مساحة الكتابة الإبداعية باللغة العربية وثلاث روايات مترجمة للفرنسية، وعن دوري في العمل الثقافي الذي يمتد لنحو ثلاثين عاماً.
أنا قادمة من منطقة تفتخر بالثقافة، وأرى دائماً أن المشترك الإنساني هو الهاجس الأول لي، وأظن أن مشروعي يحمل تلك القيمة، فإن كنت أنطلق من ثقافتي العربية فأنا أراها ثقافة تنفتح على الكون كله، ولديَّ اعتراف بكل المنجز الإنساني أياً كان، رواية عربية، أو أوبرا إيطالية، أو فيلم فرنسي.
> تربطين بين فكرة كونية الثقافة وبين خروجك من عائلة التلمساني. حدّثينا عن تلك الجذور...
- علاقة العائلة أصيلة بالفنون والآداب، عمي كامل التلمساني يعد رائد السينما التسجيلية في مصر وهو أيضاً فنان تشكيلي، ومن رواد حركة السوريالية في مصر من أواخر الثلاثينات إلى أوائل الأربعينات من القرن العشرين، ووالدي مخرج أفلام تسجيلية وصاحب شركة «أفلام التلمساني» التي تخصصت في إنتاج الأفلام التسجيلية في السبعينات والثمانينات، فكل العائلة لديها اهتمام بالثقافة الإنسانية الرحبة سواء مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، وأنا نشأت في هذا الإطار الذي يحتفي بكل أنواع الفنون، ولا أعترف بالفروق بين الآداب المحلية أو المصرية والعربية وبين فنون وآداب العالم، وأنا حقاً متأثرة جداً بحياة كامل التلمساني الذي يعد أحد أبرز دعائم الأسرة، وكان لديه نفس الرغبة في التحرر من قيود الثقافة، بما يتجاوز الحدود القومية وتبني تصور أشمل وأوسع عن الثقافة بوصفها ثقافة الإنسان في كل مكان، بغضّ النظر عن أصولها ومنابعها.
التفكير بهذه الطريقة لا يجعل هناك تراتبية في الثقافات، والنظر لها في إطار المد الاستعماري أو الإمبراطوري، أشعر أن كل الثقافات بها تماسٌّ مع إشكاليات عنف واحتلال وقهر للآخر، وكل الثقافات أيضاً تستطيع تجاوز ذلك من خلال الإنتاج الفني والأدبي وتقدم للإنسانية شيئاً بديعاً، تقاوم به سطوة العنف التاريخي، من هنا أنتمي لكل تلك الثقافات العربية والفرنسية، وحتى تأثري بثقافات شرق آسيا إلى آخر الثقافات الإنسانية بشكل عام، وأتصور أن انتمائي لبيت التلمساني ونشأتي في تلك البيئة والإطار، ساعداني على أن أكون الشخص الذي أصبحت عليه اليوم.
> وكيف كان لتلك النشأة أثرها على نظرتك للهجرة؟
- حتى في نظرتي للهجرة، منحتني تلك النشأة نظرة أوسع، جعلتني لا أنظر لها من زاوية الاغتراب والابتعاد، بقدر ما أتطلع لها دائماً كتجربة ثرية، أنظر لها بفضول التعرف والاقتراب من التنوع الثقافي واللغوي الذي تتيحه، والانفتاح على العالم، كل هذا كان بذرته الأولى في بيت أسرتي.
> «الكل يقول أحبك» رواية أولى عن الهجرة في مشروعك... كيف تشكّلتْ لديك؟
- رغم أنني مهاجرة منذ 24 عاماً فإن هذه هي أول رواية أكتبها ترتبط بالهجرة إلى كندا وعمّا يفعله التنقل في البشر. قبل ذلك كتبت سلسلة مقالات أسبوعية عن الحركة بين هنا وهناك، ومع ذلك كنت متخوفة من مدى اهتمام القارئ العربي وانفعاله برواية تدور أغلب أحداثها في كندا، إلا أنني مطمئنة الآن بالتعليقات الإيجابية الكثيرة، وكيف أنها لمست مشاعر إنسانية حقيقية حتى لو كانت تدور في مكان بعيد.
> المكان لديكِ دائماً بطل، حتى لو كان المكان هو «الرحم» في «دنيا زاد»...
- هذا حقيقي تماماً، أتذكر مكان طفولتي الأول في حي «مصر الجديدة»، ظللت أتعامل معه بوصفه لحظة الانسلاخ من الطفولة ومكانها الأول، ظل المكان يحمل داخلي معنى المصير، كأنه رحم طفولتي، لذلك نقلت تلك المشاعر عن المكان في روايتي «هليوبوليس» بوصفه المكان القديم، أو حتى أكتب عن لا مكان عن الإطلاق كما في رواية «أكابيلا»، حيث فقط أشرت إلى أنها تدور في مكان يقع على نهر، فصحيح أنني مشغولة بالمكان دائماً، وأعدّه هاجساً، ودائماً ما أعتقد أن المكان قضية أنثوية، فيما الزمن سؤال ذكوري، دائماً المكان يرتبط بالأنثى، بدايةً من الرحم مروراً بعلاقتها بالبيت وما يتبعه من تصورات أنثوية حول توسعته وتجميله، فالمكان بكل مشاعره الحسيّة وامتداداته أقرب للأنثى.
> نَفَذْتِ في تناولك الروائي لقضية الهجرة من خلال تعقيدات الحب. حدّثينا عن ذلك.
- نعم الحب عن بُعد تحديداً، والعلاقات العاطفية التي تفصلها مسافات، فهي قضية لم يُكتب عنها الكثير حتى في الأدب العالمي، رغم أنني أعدّها قضية كونية. كنت أفكر كيف يمكن للغياب أن يؤثر على علاقات الحب، ففي كندا مثلاً هناك عدد كبير من المهاجرين الذين يضطرون وفقاً لظروف العمل هناك أن يعمل كل من الزوجين في مدينتين بعيدتين، فهذا على صعيد العلاقات الشخصية، وهناك أيضاً تطور العلاقة بالوطن مع البُعد، ففي الرواية هناك مَن قطع علاقته بوطنه، وهناك نماذج تسعى للإبقاء على وصال بوطنها، فدائماً العلاقات بين عودة وتواصل ومسافة، حاضرة بقوة في حياة الهجرة.
> تناولت الرواية العلاقات العاطفية والزوجية بكثير من المصارحة...
أردت أن أنسج حالة الحياة اليومية دون نقض للواقع أو الحقائق، لذلك فأنا أحب إحسان عبد القدوس الذي كان يكتب قصص الحب التي تضرب في جذور الواقع في وأعماق الحقيقة، من خلال الرومانسية. أردت أن أبحث داخل الشخصيات العادية عن تعقيدات تتعلق بالحب والمناطق المعتمة فيه، فإحدى بطلات الرواية وهي «نورهان» تعمل موظفة في وزارة الصحة، وتعمدتُ أن أرسم لها نمط حياة تقليدياً، ومع ذلك كانت لديها ملامح زوجية معقدة، أعتقد أن تلك التعقيدات تتيح مساحة أكبر للحوار والتحليل النفسي خلال الكتابة، عن مجرد توصيف الملامح الخارجية الواقعية للعلاقات.
وأظن أن هذا في حد ذاته أحد كان أحد طموحات الرواية، أن تُظهر ما قد يبدو عادياً على السطح بثراء نفسي كبير. كذلك كشف التناقض بين الأنا والآخر، فالشخصيات تتداخل ويحكي بعضها عن بعض وعن أنفسها بشكل أقرب لفكرة الحوار المكسور. عالم يجمع بين ناس لا يستمع بعضهم إلى بعض، ولعل هذا يعكس في حد ذاته صعوبة الحوار الإنساني نفسه، وفكرة التماس الأعذار كذلك، وعن الأفكار التي تستقر لدى البعض ولا يسمحون أن يتبناها شركاؤهم... في النهاية أنا متعاطفة مع الجميع، فأنا لا أميل إلى الكتابة الانتقامية بقدر ما أميل للكتابة عن التعاطف مع الخلل الإنساني.
> الحب حاضر دائماً في كتاباتك، إلا أنه يظهر مختلفاً في كل مرة. ما مبرر ذلك؟
- أحد أبرز تحديات الكتابة بالنسبة لي ألا أكرر نفسي لا على مستوى الكتابة ولا مستوى المضمون، ففي رواية «دنيا زاد» رغم ما حققته من نجاح لم أكرر الكتابة في منطقتها إطلاقاً، فلا علاقة بها برواية «هليوبوليس» مثلاً، فلديّ رغبة في التجديد دائماً من خلال موضوعات جديدة، وأسعى أن يكون الرابط بينها في النهاية هو الأسلوب الذي أكتب به ويخصني. فهاجس الكتابة لديَّ هو استكشاف المكان وترسيخ ذاكرة لشخصيات رواياته، مثل شخصية «الأم» في «دنيا زاد»، وشخصية «عايدة» في «أكابيلا»، فأنا أشعر فعلاً أن شخصياتي على قيد الحياة ويعيشون الواقع. وهذا على ما أعتقد يحدث مع كثير من الكتاب، وله تفاصيل عميقة جداً.
> تنطلقين في سردك من نظرة مشهدية أقرب لومضات السينما... صحيح ذلك؟
- «الكل يقول أحبك» قمت فعلاً بكتابتها بمنطق الكتابة السينمائية، حتى إنني أتمنى أن تتحول إلى فيلم يحافظ على بناء الرواية الذي تصورته، فأنا أكتب من منطقة حُب تقع بين الأدب والسينما، وأفكر عبر صور سينمائية، أفكر وأكتب بشكل بصري، وعادةً ما أحب الاستفادة من تراث الفنون في أعمالي، حدث ذلك في مجموعة قصص «عين سحرية» التي كانت السينما فيها مرجعية رئيسية في الكتابة، وفي رواية «أكابيلا» استفدت من الأوبرا والموسيقى.
أعتقد أن الأدب عندما يقوم باستيعاب الفنون الأخرى يستفيد ويرتقي، فالفنون كلها لغة للتواصل. والناقد المغربي محمد برادة أشار لفكرة تواصل الفنون في كتاباتي، وفعلاً هذا يجذبني بشكل كبير.
> ما جديد «بيت التلمساني» خلال الفترة المقبلة؟
- ننتظر استقبال أول ضيف أجنبي مع مطلع العام الجديد، وسنستقبل كاتبتين للإقامة في البيت مع نهاية شهر يناير لمدة أسبوعين للتفرغ للكتابة، وأنا سعيدة بفكرة العزلة وأن هناك كتّاباً لديهم مشروعات كتابة ويسعون للتفرغ لها، هذا يطمئنني. ومن المنتظر أن يستقبل البيت خلال الموسم المقبل، من يناير حتى يونيو (حزيران)، ورش عمل وأنشطة متنوعة، وكذلك فعاليات ضمن مهرجان السوريالية الذي يتم تنظيمه بين جمعيات أهلية من مصر وفرنسا، حيث نستقبل عدداً من الكتاب والرسامين والشعراء في إطار هذا العنوان، بالإضافة لورش كتابة مختلفة.
> كيف تصفين حالة ترحالك الدائم بين العمل الأكاديمي والإبداعي؟
- أعيش في عوالم موازية، يتقاطع بعضها مع بعض من خلال الكتابة، فأكتب رواية، أو بحثاً أكاديمياً، أو نقداً سينمائياً، أو ترجمة، جميعها أنشطة لها علاقة بعالم الكتابة، تطغى على حياتي اليومية مهنتي بالتدريس وما تتطلبه من وقت، وحضور وتواصل مع الطلبة، يجعل لديّ دائماً هاجس الوقت والتفرغ من أجل إتاحته لمساحة الكتابة الإبداعية.
فاليوم بعد أكثر من ثلاثين عاماً من العمل الأكاديمي والعمل الإبداعي منذ عام 1990، أجد أنني ما زلت أخلق توازنات بينهما، لكن كل الأنشطة تصب في اتجاه واحد وهو اتجاه احتفاء بالثقافات والحركة والتنقل، والبحث الدائم عن المشترك الإنساني الأكبر سواء في كتابة إبداعية أو أبحاث أكاديمية.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي