مي التلمساني: أنطلق من ثقافتي العربية فأنا أراها تنفتح على الكون كله

الروائية المصرية مُنحت وسامَ الفنون والآداب الفرنسي برتبة فارس

مي التلمساني
مي التلمساني
TT

مي التلمساني: أنطلق من ثقافتي العربية فأنا أراها تنفتح على الكون كله

مي التلمساني
مي التلمساني

«دائما هناك شغف بالحياة»، عبارة تتردد أصداؤها بقوة في أعمال الروائية مي التلمساني، حتى في لحظات الإحباط والألم. خلال العام الجاري تُوج هذا الشغف بالإعلان عن منحها وسام الفنون والآداب الفرنسي برتبة فارس، وسوف تتسلمه في يناير (كانون الثاني) القادم في حفل رسمي تقيمه السفارة الفرنسية بالقاهرة.
وأيضاً صدر لها أخيراً روايتها «الكل يقول أحبك» التي جسدت تعقيدات الهجرة خارج الوطن، لتكمل بذلك مسيرة روائية تقارب ثلاثين عاماً، من أبرز محطاتها «دنيا زاد» و«هليوبوليس» و«أكابيلا».
هنا حوار معها حول عالمها الروائي و«بيت التلمساني» الذي تريده منتجعاً ثقافياً لاستضافة الكتاب الراغبين في التفرغ للكتابة.
> كيف تلقيتِ خبر منحك وسام الجمهورية الفرنسية؟
- مفاجأة، لمستني كثيراً، والأكثر من الخبر المحبة التي تلقيتها بعده. أسعدتني كلمة وزارة الثقافة الفرنسية وكلمة السفير الفرنسي. ومن المقرر أن تكون مراسم تسلم الوسام يناير المقبل في القاهرة، ومن المنتظر أن تعلَن وقتها حيثيات الاختيار، الذي يمتد في مساحة الكتابة الإبداعية باللغة العربية وثلاث روايات مترجمة للفرنسية، وعن دوري في العمل الثقافي الذي يمتد لنحو ثلاثين عاماً.
أنا قادمة من منطقة تفتخر بالثقافة، وأرى دائماً أن المشترك الإنساني هو الهاجس الأول لي، وأظن أن مشروعي يحمل تلك القيمة، فإن كنت أنطلق من ثقافتي العربية فأنا أراها ثقافة تنفتح على الكون كله، ولديَّ اعتراف بكل المنجز الإنساني أياً كان، رواية عربية، أو أوبرا إيطالية، أو فيلم فرنسي.
> تربطين بين فكرة كونية الثقافة وبين خروجك من عائلة التلمساني. حدّثينا عن تلك الجذور...
- علاقة العائلة أصيلة بالفنون والآداب، عمي كامل التلمساني يعد رائد السينما التسجيلية في مصر وهو أيضاً فنان تشكيلي، ومن رواد حركة السوريالية في مصر من أواخر الثلاثينات إلى أوائل الأربعينات من القرن العشرين، ووالدي مخرج أفلام تسجيلية وصاحب شركة «أفلام التلمساني» التي تخصصت في إنتاج الأفلام التسجيلية في السبعينات والثمانينات، فكل العائلة لديها اهتمام بالثقافة الإنسانية الرحبة سواء مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، وأنا نشأت في هذا الإطار الذي يحتفي بكل أنواع الفنون، ولا أعترف بالفروق بين الآداب المحلية أو المصرية والعربية وبين فنون وآداب العالم، وأنا حقاً متأثرة جداً بحياة كامل التلمساني الذي يعد أحد أبرز دعائم الأسرة، وكان لديه نفس الرغبة في التحرر من قيود الثقافة، بما يتجاوز الحدود القومية وتبني تصور أشمل وأوسع عن الثقافة بوصفها ثقافة الإنسان في كل مكان، بغضّ النظر عن أصولها ومنابعها.
التفكير بهذه الطريقة لا يجعل هناك تراتبية في الثقافات، والنظر لها في إطار المد الاستعماري أو الإمبراطوري، أشعر أن كل الثقافات بها تماسٌّ مع إشكاليات عنف واحتلال وقهر للآخر، وكل الثقافات أيضاً تستطيع تجاوز ذلك من خلال الإنتاج الفني والأدبي وتقدم للإنسانية شيئاً بديعاً، تقاوم به سطوة العنف التاريخي، من هنا أنتمي لكل تلك الثقافات العربية والفرنسية، وحتى تأثري بثقافات شرق آسيا إلى آخر الثقافات الإنسانية بشكل عام، وأتصور أن انتمائي لبيت التلمساني ونشأتي في تلك البيئة والإطار، ساعداني على أن أكون الشخص الذي أصبحت عليه اليوم.
> وكيف كان لتلك النشأة أثرها على نظرتك للهجرة؟
- حتى في نظرتي للهجرة، منحتني تلك النشأة نظرة أوسع، جعلتني لا أنظر لها من زاوية الاغتراب والابتعاد، بقدر ما أتطلع لها دائماً كتجربة ثرية، أنظر لها بفضول التعرف والاقتراب من التنوع الثقافي واللغوي الذي تتيحه، والانفتاح على العالم، كل هذا كان بذرته الأولى في بيت أسرتي.
> «الكل يقول أحبك» رواية أولى عن الهجرة في مشروعك... كيف تشكّلتْ لديك؟
- رغم أنني مهاجرة منذ 24 عاماً فإن هذه هي أول رواية أكتبها ترتبط بالهجرة إلى كندا وعمّا يفعله التنقل في البشر. قبل ذلك كتبت سلسلة مقالات أسبوعية عن الحركة بين هنا وهناك، ومع ذلك كنت متخوفة من مدى اهتمام القارئ العربي وانفعاله برواية تدور أغلب أحداثها في كندا، إلا أنني مطمئنة الآن بالتعليقات الإيجابية الكثيرة، وكيف أنها لمست مشاعر إنسانية حقيقية حتى لو كانت تدور في مكان بعيد.
> المكان لديكِ دائماً بطل، حتى لو كان المكان هو «الرحم» في «دنيا زاد»...
- هذا حقيقي تماماً، أتذكر مكان طفولتي الأول في حي «مصر الجديدة»، ظللت أتعامل معه بوصفه لحظة الانسلاخ من الطفولة ومكانها الأول، ظل المكان يحمل داخلي معنى المصير، كأنه رحم طفولتي، لذلك نقلت تلك المشاعر عن المكان في روايتي «هليوبوليس» بوصفه المكان القديم، أو حتى أكتب عن لا مكان عن الإطلاق كما في رواية «أكابيلا»، حيث فقط أشرت إلى أنها تدور في مكان يقع على نهر، فصحيح أنني مشغولة بالمكان دائماً، وأعدّه هاجساً، ودائماً ما أعتقد أن المكان قضية أنثوية، فيما الزمن سؤال ذكوري، دائماً المكان يرتبط بالأنثى، بدايةً من الرحم مروراً بعلاقتها بالبيت وما يتبعه من تصورات أنثوية حول توسعته وتجميله، فالمكان بكل مشاعره الحسيّة وامتداداته أقرب للأنثى.
> نَفَذْتِ في تناولك الروائي لقضية الهجرة من خلال تعقيدات الحب. حدّثينا عن ذلك.
- نعم الحب عن بُعد تحديداً، والعلاقات العاطفية التي تفصلها مسافات، فهي قضية لم يُكتب عنها الكثير حتى في الأدب العالمي، رغم أنني أعدّها قضية كونية. كنت أفكر كيف يمكن للغياب أن يؤثر على علاقات الحب، ففي كندا مثلاً هناك عدد كبير من المهاجرين الذين يضطرون وفقاً لظروف العمل هناك أن يعمل كل من الزوجين في مدينتين بعيدتين، فهذا على صعيد العلاقات الشخصية، وهناك أيضاً تطور العلاقة بالوطن مع البُعد، ففي الرواية هناك مَن قطع علاقته بوطنه، وهناك نماذج تسعى للإبقاء على وصال بوطنها، فدائماً العلاقات بين عودة وتواصل ومسافة، حاضرة بقوة في حياة الهجرة.
> تناولت الرواية العلاقات العاطفية والزوجية بكثير من المصارحة...
أردت أن أنسج حالة الحياة اليومية دون نقض للواقع أو الحقائق، لذلك فأنا أحب إحسان عبد القدوس الذي كان يكتب قصص الحب التي تضرب في جذور الواقع في وأعماق الحقيقة، من خلال الرومانسية. أردت أن أبحث داخل الشخصيات العادية عن تعقيدات تتعلق بالحب والمناطق المعتمة فيه، فإحدى بطلات الرواية وهي «نورهان» تعمل موظفة في وزارة الصحة، وتعمدتُ أن أرسم لها نمط حياة تقليدياً، ومع ذلك كانت لديها ملامح زوجية معقدة، أعتقد أن تلك التعقيدات تتيح مساحة أكبر للحوار والتحليل النفسي خلال الكتابة، عن مجرد توصيف الملامح الخارجية الواقعية للعلاقات.
وأظن أن هذا في حد ذاته أحد كان أحد طموحات الرواية، أن تُظهر ما قد يبدو عادياً على السطح بثراء نفسي كبير. كذلك كشف التناقض بين الأنا والآخر، فالشخصيات تتداخل ويحكي بعضها عن بعض وعن أنفسها بشكل أقرب لفكرة الحوار المكسور. عالم يجمع بين ناس لا يستمع بعضهم إلى بعض، ولعل هذا يعكس في حد ذاته صعوبة الحوار الإنساني نفسه، وفكرة التماس الأعذار كذلك، وعن الأفكار التي تستقر لدى البعض ولا يسمحون أن يتبناها شركاؤهم... في النهاية أنا متعاطفة مع الجميع، فأنا لا أميل إلى الكتابة الانتقامية بقدر ما أميل للكتابة عن التعاطف مع الخلل الإنساني.
> الحب حاضر دائماً في كتاباتك، إلا أنه يظهر مختلفاً في كل مرة. ما مبرر ذلك؟
- أحد أبرز تحديات الكتابة بالنسبة لي ألا أكرر نفسي لا على مستوى الكتابة ولا مستوى المضمون، ففي رواية «دنيا زاد» رغم ما حققته من نجاح لم أكرر الكتابة في منطقتها إطلاقاً، فلا علاقة بها برواية «هليوبوليس» مثلاً، فلديّ رغبة في التجديد دائماً من خلال موضوعات جديدة، وأسعى أن يكون الرابط بينها في النهاية هو الأسلوب الذي أكتب به ويخصني. فهاجس الكتابة لديَّ هو استكشاف المكان وترسيخ ذاكرة لشخصيات رواياته، مثل شخصية «الأم» في «دنيا زاد»، وشخصية «عايدة» في «أكابيلا»، فأنا أشعر فعلاً أن شخصياتي على قيد الحياة ويعيشون الواقع. وهذا على ما أعتقد يحدث مع كثير من الكتاب، وله تفاصيل عميقة جداً.
> تنطلقين في سردك من نظرة مشهدية أقرب لومضات السينما... صحيح ذلك؟
- «الكل يقول أحبك» قمت فعلاً بكتابتها بمنطق الكتابة السينمائية، حتى إنني أتمنى أن تتحول إلى فيلم يحافظ على بناء الرواية الذي تصورته، فأنا أكتب من منطقة حُب تقع بين الأدب والسينما، وأفكر عبر صور سينمائية، أفكر وأكتب بشكل بصري، وعادةً ما أحب الاستفادة من تراث الفنون في أعمالي، حدث ذلك في مجموعة قصص «عين سحرية» التي كانت السينما فيها مرجعية رئيسية في الكتابة، وفي رواية «أكابيلا» استفدت من الأوبرا والموسيقى.
أعتقد أن الأدب عندما يقوم باستيعاب الفنون الأخرى يستفيد ويرتقي، فالفنون كلها لغة للتواصل. والناقد المغربي محمد برادة أشار لفكرة تواصل الفنون في كتاباتي، وفعلاً هذا يجذبني بشكل كبير.
> ما جديد «بيت التلمساني» خلال الفترة المقبلة؟
- ننتظر استقبال أول ضيف أجنبي مع مطلع العام الجديد، وسنستقبل كاتبتين للإقامة في البيت مع نهاية شهر يناير لمدة أسبوعين للتفرغ للكتابة، وأنا سعيدة بفكرة العزلة وأن هناك كتّاباً لديهم مشروعات كتابة ويسعون للتفرغ لها، هذا يطمئنني. ومن المنتظر أن يستقبل البيت خلال الموسم المقبل، من يناير حتى يونيو (حزيران)، ورش عمل وأنشطة متنوعة، وكذلك فعاليات ضمن مهرجان السوريالية الذي يتم تنظيمه بين جمعيات أهلية من مصر وفرنسا، حيث نستقبل عدداً من الكتاب والرسامين والشعراء في إطار هذا العنوان، بالإضافة لورش كتابة مختلفة.
> كيف تصفين حالة ترحالك الدائم بين العمل الأكاديمي والإبداعي؟
- أعيش في عوالم موازية، يتقاطع بعضها مع بعض من خلال الكتابة، فأكتب رواية، أو بحثاً أكاديمياً، أو نقداً سينمائياً، أو ترجمة، جميعها أنشطة لها علاقة بعالم الكتابة، تطغى على حياتي اليومية مهنتي بالتدريس وما تتطلبه من وقت، وحضور وتواصل مع الطلبة، يجعل لديّ دائماً هاجس الوقت والتفرغ من أجل إتاحته لمساحة الكتابة الإبداعية.
فاليوم بعد أكثر من ثلاثين عاماً من العمل الأكاديمي والعمل الإبداعي منذ عام 1990، أجد أنني ما زلت أخلق توازنات بينهما، لكن كل الأنشطة تصب في اتجاه واحد وهو اتجاه احتفاء بالثقافات والحركة والتنقل، والبحث الدائم عن المشترك الإنساني الأكبر سواء في كتابة إبداعية أو أبحاث أكاديمية.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!