الأفلام الموسيقية وصلت... لا بد أنّها نهاية السنة

تحتشد طمعاً بأوسكار أو بسواه

«إن ذا هايتس»
«إن ذا هايتس»
TT

الأفلام الموسيقية وصلت... لا بد أنّها نهاية السنة

«إن ذا هايتس»
«إن ذا هايتس»

تحتشد هذه الأيام مجموعة من الأفلام الغنائية والموسيقية التي اصطلح على تسميتها بـ«ميوزيكالز». التسمية العربية التي اختيرت لهذا النوع من الأفلام سابقاً هي «الاستعراضية». هكذا وصفتها إعلانات أفلام موسيقية عربية (من صنع خمسينات القرن الماضي) على نحو «شركة أفلام... تقدّم الفيلم الاستعراضي الكبير». كمثال فقط كان هناك «الحب الكبير» بطولة فريد الأطرش (1968)، و«شارع الحب» بطولة عبد الحليم حافظ، و«أبي فوق الشجرة» مع عبد الحليم حافظ أيضاً (1969)، و«خلي بالك من زوزو» تمثيل سعاد حسني (1972)، من دون أن ننسى أفلاماً من بطولة صباح ومحرّم فؤاد ومحمد فوزي... إلخ.
الغناء في الأفلام العربية يتجاوز كثيراً عدد الأفلام الاستعراضية. في زمن مضى كان معظم ما يخرج من استوديوهات القاهرة وشركات السينما في لبنان يحتوي على أغنية واحدة ورقصتين على الأقل. لكن نتيجة كل ذلك، أنّ الأفلام الاستعراضية والموسيقية العربية اختفت. ولهذا الاختفاء علاقة متينة بحقيقة هبوط مستوى المطربين الحاليين وانتشار الأغاني على النت وشاشات التلفزيون وغياب الرغبة في استعادة أيام السينما الذهبية.
ثلاثية مختلفة
في الغرب، وفي هوليوود أكثر من سواها، أفلام الغناء والاستعراض ما تزال موجودة ومتوفرة من عام لآخر. لم تتوقف منذ أن فاز «برودواي ميلودي» بأوسكار أفضل فيلم سنة 1930. حينها كانت السينما تعلّمت النطق والنتيجة الأولى بعد ذلك كانت فورة من أفلام الميوزيكالز استمرت لمعظم الثلاثينات والأربعينات. بعضها نال أوسكارات. بعضها نال ترشيحات وبعضها لم ينل شيئاً.
هذا الوضع هو ذاته إلى اليوم، خصوصاً مع اقتراب ترشيحات الأوسكار، علماً بأن بعض الأفلام الموسيقية تُطرح للتوزيع في الأشهر السابقة كذلك.
هذا العام مثلاً تم توفير In the Hights لجون م. شو في الشهر الخامس من السنة، وفي منتصف شهر أغسطس (آب)، طُرح فيلم Respect لليسل تومي، تلاه عن كثب، نسخة جديدة من حكاية «سندريللا» لكاي كانون. وفي الفترة ذاتها شاهدنا Summer of Soul لأمير تومسون.
هذه ليست أفلاماً مجتمعة في بوتقة واحدة. «إن ذا هايتس» (و«ذا هايتس» هو حي في مدينة نيويورك اسمه واشنطن هايتس)، هو اقتباس عن مسرحية نالت جائزة توني سنة 2008 تدور حول حي تسكنه غالبية من اللاتينيين ينبري كثيرون منهم للرقص في شوارع الحي الضيقة.
«احترام» هو سيرة حياة المغنية أريثا فرانكلين، والعنوان مشتق من أحد أشهر أغانيها. أما «صيف الصول» فهو تسجيلي عن «وودستوك» في حي هارلم أقيم في الستينات لكن الإعلام، يؤكد الفيلم، لم يسعَ لتغطيته.
شهر بعد شهر، إثر هذه الأفلام، تزدحم أفلام هذا النوع أكثر فأكثر لعلها تبقى في الذاكرة مع اقتراب موعد موسم الجوائز. ليس أنّ منتجيها لن يوزّعوا آلاف الأسطوانات (سكرينرز) على كل عضو لجنة أو جمعية أو مؤسسة ستنتخب أفضل أفلام العام، بل زيادة في الحرص على الوجود وسط الموسم الساخن الذي يتضمن جوائز جمعيات النقاد المتعددة وجوائز جمعيات المهن السينمائية (الإخراج والتمثيل والإنتاج والكتابة والتصوير... إلخ) ومؤسسات الجوائز السنوية ذات التاريخ والحجم المدوّيين كـ«غولدن غلوبز» و«بافتا» - وبالطبع - «الأوسكار».
أفلام حاضرة
يبلغ عدد الأفلام الموسيقية التي عرضت خلال العام الحالي في صالات السينما 11 فيلماً. الثلاثة المذكورة أعلاه («إن ذا هايتس» و«احترام» و«صيف صول») تبدو الآن كما لو كانت توطئة لما سيلي. ومنذ سبتمبر (أيلول) وغالبية هذه الأفلام تتجمع تحت مظلة كبيرة مدركة أنّ فيلماً واحداً منها فقط (أو ربما فيلمين) سيصل إلى نهاية الشوط بنجاح. من بين هذه الأفلام:
Tick‪…‬ Tick‪…‬ Boom‪!‬‬‬‬
«تِك… تِك… بوم!» مع أندرو غارفيلد وفينيسيا هدجنز في البطولة ومن إخراج لين - مانويل ميراندا. هو في الأصل مسرحية مستوحاة من أوبرا وضعها جياكومو بوتشيني عنوانها «البوهيمي». استنساخ الفكرة من الأصل إلى المسرح ومنهما إلى السينما لم يقض على الحبكة: فنان موسيقي سيحتفي بعد ساعات قليلة بعيد ميلاده الثلاثين. مناسبة لمراجعة أحلامه وما حققه منها وما زال غير محقق.
Annette
هذا الفيلم الفرنسي شهد عرضه الأول في مهرجان «كان» في أغسطس الماضي. ملهاة غنائية عاطفية من إخراج ليوك كاراكس وبطولة ماريون كوتيار وآدم درايفر. الجميلة والوحش كما يمكن تسميتهما، نظراً لأنّ درايفر هو الاختيار السيء هنا كمغنٍ، وليس كثير موهبة كممثل أيضاً. حكاية عاشقين، هي مغنية وهو كوميدي مسارح. هي تصعد وهو ينزل (كما الحال في «مولد نجمة») يرزقان بفتاة تغني من يومها الثاني ويختار لها المخرج أن تكون دمية.
West Side Story
إعادة صنع للفيلم الكلاسيكي المعروف (1961)، الذي حققه روبرت وايز حول عصابتين من شباب الحي واحدة لاتينية، والأخرى بيضاء تتنافسان على السيادة من ثمّ تتواجهان بعدما وقعت نتالي وود في حب جورج شاكيرس. هذا في النسخة الكلاسيكية التي تتميّز بتصاميم راقصة رائعة إلى اليوم. النسخة الجديدة يديرها ستيفن سبيلبرغ ويمنحها لمعة العصر الحالي، لكنّ مشاهدة الفيلم وحدها هي التي ستقرر مدى جودته.
Sing 2
هذا فيلم أنيميشن عن مجموعة من الحيوانات الظريفة التي تتنافس في حلبات غناء. النقاد لم يكترثوا كثيراً له، لكن هذا لا يعني أنّ الباب مغلق الآن عليه لدخول حلبة الأوسكار (سجل كذلك أكثر من 600 مليون دولار عالمياً). ربما سيدخل الأوسكار لكن ليس كأفضل فيلم بل كأفضل فيلم أنيميشن وكأفضل أغاني.
أوسكارات غنائية
في الواقع الأوسكار ليس غريباً عن أفلام الميوزيكالز والعكس صحيح. بعد «برودواي ميلودي» (الذي كان يستحق أوسكار أسوأ فيلم وليس أفضله)، منحت الأكاديمية أوسكارها سنة 1937، إلى فيلم آخر لم يكن بدوره أفضل الأعمال المتنافسة وهو «زيغيلد العظيم» لروبرت ليونارد.
بعد ذلك، في سنة 1944، ذهبت سبعة أوسكارات لفيلم من ساعتين عنوانه «ذاهب في طريقي» (Going My Way) للمخرج ليو مكّاري. فيلم جيّد حينها، والآن يبدو مترهلاً من بطولة بينغ كروسبي وباري فيتزجيرالد.
في سنة 1951 حصد «أميركي في باريس» لفنسنت مينيللي أيضاً، سبعة أوسكارات كأفضل فيلم وأفضل تصوير وأفضل تصميم وديكور لفيلم ملوّن، وأفضل تصميم ملابس، وأفضل موسيقى، وأفضل توليف، ثمّ أفضل مؤثرات خاصة، لكن مخرجه أخفق في نيل الأوسكار هذه المرّة.
حظ مينيللي كان أفضل سنة 1959. عندما نال أوسكار أفضل إخراج عن فيلمه «جيجي»، الذي أنجز كذلك أوسكار أفضل فيلم. قصّة فتاة شابة (لسلي كارون) على وشك قبول دخول بيت للمومسات قبل أن ينبري شاب (لويس جوردان) بإنقاذها بعدما وقع في حبها.
تكاثرت الأفلام الموسيقية في الستينات إذ تلا ذلك، في عام 1962 (أي بعد عام من إنتاجه)، «وست سايد ستوري» الذي استوحى من مسرحية ويليام شكسبير مادته حول العاشقين، الذي ينتمي كل منهما لعائلة تسودها الكراهية صوب العائلة الأخرى. هذا الفيلم نال عشرة أوسكارات في كل خانة نافس فيها باستثناء خانة أفضل سيناريو.
عام 1965. كان عام My Fair Lady الذي خرج بثمانية أوسكارات بينها أوسكار أفضل فيلم وأفضل تمثيل (ركس هاريسون) وأفضل ممثلة (جولي أندروز).
تلاه بعد سنة واحدة «صوت الموسيقى»، فيلم صادح آخر بمادة هشّة قاد بطولتها جولي أندروز وكريستوفر بلامر.
والمخرج - الممثل كارول ريد أنجز «أوليفر» عن رواية تشارلز ديكنز بعدما حوّلها إلى مغناة من بطولة رون مودي وشاني ووليس وأوليفر ريد حصدت خمسة أوسكارات سنة 1969.
في عام 2003 عادت أفلام الميوزيكالز لدخول المسابقات وموسم الجوائز، فتقدّم الفيلم الناجح نقدياً وتجارياً، «شيكاغو» لروب مارشال، قاطفاً ستة أوسكارات من أصل 13 ترشيحاً.
بطبيعة الحال فإنّ عدد الأفلام الموسيقية - الاستعراضية التي لم تفز بجوائز الأوسكار الأساسية على الأقل، أكبر من تلك التي فازت. في سنة 2003 تقدّم Charlie and the Chocolate Factory لتيم بيرتون منافساً، لكنه خرج بخفي حنين. Sing، الجزء الأول من Sing 2 الحالي، أخفق في سباق الأوسكار سنة 2017. وقبله في الستينات الصادحة لم يفز Chitty Chitty Bang Bang بما تمناه وأخفق في دخول أوسكار أفضل فيلم أو في دخول جوائز بافتا البريطانية المماثلة والـ«غولدن غلوبز» كذلك.
وأشهر الأفلام الحديثة التي دخلت الترشيحات فعلاً لكنها لم تحصد أفضل أوسكار، هو La La Land لداميان شازيل. هذا نافس فعلاً في 14 مجالاً وخرج بستة أوسكارات لكن لم يكن من بينها أوسكار أفضل فيلم.



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً