مدن سودانية تخرج للشارع مجدداً لـ«استرداد الثورة»

سياسيون ولجان المقاومة يعتبرون اتفاق البرهان وحمدوك خيانة وغدراً

حشود من السودانيين خرجوا أمس في شوارع الخرطوم ومدن أخرى رفضاً لاتفاق «حمدوك والبرهان» (أ.ف.ب)
حشود من السودانيين خرجوا أمس في شوارع الخرطوم ومدن أخرى رفضاً لاتفاق «حمدوك والبرهان» (أ.ف.ب)
TT

مدن سودانية تخرج للشارع مجدداً لـ«استرداد الثورة»

حشود من السودانيين خرجوا أمس في شوارع الخرطوم ومدن أخرى رفضاً لاتفاق «حمدوك والبرهان» (أ.ف.ب)
حشود من السودانيين خرجوا أمس في شوارع الخرطوم ومدن أخرى رفضاً لاتفاق «حمدوك والبرهان» (أ.ف.ب)

عادت الحشود السودانية إلى الشوارع مجدداً في مواكب شملت أنحاء البلاد كافة، لتعلن رفض الاتفاق بين رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، واعتبروه «خيانة للثورة»، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين في عدد من أماكن التجمعات الفرعية، برغم تعهدات رئيس الوزراء وتوجيهاته للشرطة بحماية المواكب وحق التعبير السلمي.
وشهدت العاصمة الخرطوم 3 مواكب رئيسية في كل من شارع الشهيد عبد العظيم بأم درمان، ومحطة «المؤسسة» عند تقاطع الزعيم الأزهري مع شارع المعونة، إضافة إلى منطقة محطة سبعة جنوب الخرطوم، وعدد آخر من المناطق في أنحاء العاصمة المثلثة، أطلقوا عليها «مواكب الوفاء للشهداء».
وبرغم السخط من اتفاق «البرهان - حمدوك»، ردد المحتجون الغاضبون هتافهم الشهير «الثورة، ثورة شعب وسلطة سلطة شعب، العسكر للثكنات»، وحملوا لافتات تضامناً مع المجزرة التي شهدتها ولاية غرب دارفور، وراح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى، وطالبوا بالقصاص لهم «من قادة الانقلاب العسكري»، الذين حمّلوهم مسؤولية سقوط العشرات من القتلى والجرحى، وحملوا رايات بيضاء طبعت عليها صور الشهداء. ورصدت «الشرق الأوسط» مشاركة أمهات وأسر الشهداء في المظاهرات أمس التي شهدتها مدن الخرطوم وأم درمان وبحري.
وأطلق الثوار على محطة «المؤسسة» في مدينة الخرطوم بحري اسم «ساحة الشهداء»، وهي المنطقة التي شهدت مقتل 8 شهداء برصاص الشرطة والقوات العسكرية في مواكب 17 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، ليبلغ عدد الذين «استشهدوا» منذ «الانقلاب العسكري» الذي قام به الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نحو 41 قتيلاً، اعترف منهم البرهان بنحو 10، وبرأ منهم الجيش والدعم السريع، ولمح إلى ضلوع الشرطة وقوى أخرى لم يسمّها في مقتلهم.
كما شهد عدد من مدن البلاد احتجاجات مثيلة، إذ خرجت مدن عطبرة، دنقلا شمال، القضارف خشم القربة، بورتسودان، كسلا في شرق البلاد، مدني، سنار، الدندر، الدمازين، الجزيرة أبا، ربك، الدمازين وسط وجنوب البلاد، الأبيض، النهود، بارا، الفولة، أم روابة في غرب البلاد، نيالا، الجنينة، الفاشر دارفور، وعدد آخر من المدن والبلدات؛ حيث شملت الاحتجاجات والمواكب جميع أنحاء السودان.
وبرغم تعهدات رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بحماية الشرطة للاحتجاجات، فإن بعض مناطق أم درمان، والخرطوم بحري، شهدت صدامات مع قوت الأمن استخدمت فيها الغاز المسيل للدموع في محاولة لضرب الاحتجاجات قبل تجمعها في الأمكنة المعروفة وإصابة شخص على الأقل بعبوة غاز وتعرض بعض المحتجين للاختناق، وذلك بعد ساعات من إعلان رئيس الوزراء الذي نقلته «الشرق الأوسط» بأن حماية المواكب تعد اختباراً لمدى التزام السلطات العسكرية بالاتفاق السياسي الموقع بينه وبينها.
وقال القيادي في حزب الأمة القومي صديق المهدي، الذي أُطلق سراحه قبل أيام لـ«الشرق الأوسط»، إنه فوجئ بما أطلق عليه «حجم القتل والبشاعة الذي واجهه الشعب السوداني، وإهدار الدم بشكل فاق تصوره»، وأضاف: «كمواطن، مطمئن أن هذه الثورة قاصدة، وأن الشعب السوداني مصمم على الوصول لأهدافه كاملة، والثورة في دورتها الأخيرة، استمرت 35 شهراً ومتصاعدة، فكلما حدث استخدام للعنف فإن الشعب بما يملك من كرامة وبسالة وشجاعة ووفاء للشهداء، يتكامل مع القضية التي تبناها»، وتابع: «الثورة لن تتراجع إلى أن تحقق أهدافها كاملة، ونتمنى أن يفلح شعب السودان في الخروج من المستنقع الذي يحاولون وضعه فيه».
وأوضح عضو التجمع الاتحادي معتصم حسن ياسين في إفادته للصحيفة، إن الشعب يصنع المعجزات في الالتزام الحاسم والقوي بأهدافه وثورته، ليلقن المتجبرين والطغاة درساً من دروس الوطنية والتزام السلمية في الثورة، رغم فقدان عدد كبير من الشهداء.
وأضاف: «اليوم نجدد الدرس لإعادة الثورة إلى مسارها الصحيح، بالعمل مع الشباب لبناء وطن حر ديمقراطي».
وقال المعلم منتصر محمد نور الفادني، الذي يشغل أمين اتحاد المعلمين في حزب التجمع الاتحادي، إنه يقف إجلالاً «من أجل شهداء الثورة السودانية، وشهداء الانقلاب»، واعتبرهم نتيجة مباشرة تؤكد «الانقلاب ودموية النظام العسكري»، وأضاف: «اليوم درس كبير من دروس الشعب السوداني التي يقدمها للشعوب، نحن معلمون، لكن ما نراه درس لنا من تلاميذنا»، وتابع: «أثبتت المواكب أن الشعب يريد دولة مدنية كاملة، ومستعد للتضحية بكل ما يملك من أجلها، ليحقق أهدافها في الحرية والسلام والعدالة».
وفي جنوب الخرطوم، قالت سهير حمد النيل: «خرجت أولاً للمطالبة بالقصاص للذين قتلوا بعد انقلاب البرهان، وثانياً لرفض اتفاق البرهان وحمدوك، لأنه يريد قطع الطريق على حكومة مدنية كاملة». وتابعت: «لا نريد دوراً للعسكريين في السياسة».
أما قصي مجدي (19 عاماً) فطالب كذلك بـ«القصاص» واحتج على الاتفاق مع حمدوك «الذي أتاح للعسكر فرصة ليعودوا مرة أخرى باتفاق سياسي».
وهتف المتظاهرون في منطقة أم درمان «حكم العسكر ما يتشكر» و«المدنية خيار الشعب». وردد محتجون في شارع الستين بوسط الخرطوم «الشعب يريد إسقاط النظام».
وفي العاصمة السودانية، عُلقت مكبرات صوت أخذت تبثّ أغنيات كانت تسمع كذلك إبان المظاهرات ضد البشير.
ووعد حمدوك بعد عودته إلى منصبه بإعادة إطلاق المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى الديمقراطية.
ورغم إعادة حمدوك إلى موقعه فإن البرهان أبقى على التشكيل الجديد لمجلس السيادة، السلطة الأعلى خلال المرحلة الانتقالية، الذي استبعد ممثلي قوى الحرية والتغيير (التكتل المدني الرئيسي الذي وقّع مع الجيش اتفاق تقاسم السلطة عقب إسقاط البشير). واحتفظ البرهان لنفسه برئاسة هذا المجلس كما أبقى على نائبه محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي» قائد قوات الدعم السريع.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.