مراكز التسوق تحارب للبقاء بالابتكار في التصاميم والأفكار

فضاءات مفتوحة وحفلات غنائية وخدمات خاصة

توفير صالات خاصة للاستراحة والتواصل مع متسوق شخصي  من التسهيلات التي تجذب المستهلك
توفير صالات خاصة للاستراحة والتواصل مع متسوق شخصي من التسهيلات التي تجذب المستهلك
TT

مراكز التسوق تحارب للبقاء بالابتكار في التصاميم والأفكار

توفير صالات خاصة للاستراحة والتواصل مع متسوق شخصي  من التسهيلات التي تجذب المستهلك
توفير صالات خاصة للاستراحة والتواصل مع متسوق شخصي من التسهيلات التي تجذب المستهلك

في الثمانينات من القرن الماضي، كانت معظم عمليات التسوق، إن لم نقل كلها تجري في المجمعات والمتاجر المترامية في شوارع الموضة العالمية. لكن في العقد الأخير تراجع قوة جذب هذه المراكز والمجمعات لصالح التسوق الإلكتروني؛ ما فتح الباب أمام بعض المتشائمين بالقول، إن التسوق الفعلي آيل إلى النهاية. سارع أصحاب المتاجر للبحث عن حلول تُنقذ ما يمكن إنقاذه، لكن لم تكن الرياح في صالحهم. فقد جاءت جائحة كورونا لتُعزز أهمية التسوق من البيت بعيداً عن الازدحام وأي تقارب جسدي، لتتوالى الإفلاسات والإغلاقات بحيث لم يستطع الصمود سوى الكبار ممن لهم إمكانات عالية تساعدهم على تجاوز سنوات عجاف. وبقدر ما كانت الجائحة قاتلة أو مُقلقة، كانت أيضاً محفزة للتفكير في حلول تُنقذ هذه المراكز والمحال الإسمنتية من الانقراض تماماً. أهم هذه الحلول كانت بجعلها منطقة جذب اجتماعية وترفيهية في الوقت ذاته حتى تنافس التسوق الإلكتروني بمنح تجربة لا يمكن الحصول عليها في عزلة عن الناس. تقرير نشرته شركة «ماكنزي» لأبحاث السوق، أفادت بأن أهم نقطة تم استغلالها في هذا الصدد كانت حاجة المستهلك إلى فضاءات مفتوحة تزينها أشجار ونباتات. وأشارت الدراسة إلى أن العديد من الشباب الذين يسكنون في شقق صغيرة باتوا يتوقون إلى الانعتاق من العزلة التي تفرضها المساحات المُغلقة من جهة وجائحة كورونا من جهة ثانية. وهكذا، رغم عملية التسوق بضغطة زر من البيت، ورغم كمية الخيارات والأسعار التي يُوفرها مقارنة بالتسوق الفعلي، فإن هذا الأخير له ميزة ما يسميه خبراء التسوق «متعة التجربة التي تستعمل فيها كل الحواس».
تجدر الإشارة إلى أن العملية ليست وليدة عام 2020، بل بدأت منذ بضع سنوات، حين انتبهت العديد من بيوت الأزياء والمحال الكبيرة إلى أن التسوق بمفهومه القديم لم يعد مجارياً للعصر وجيل الشباب. لهذا؛ كان لا بد من الابتكار في التصميم والديكورات والأفكار بتحويل المباني الإسمنتية من وظيفية وعملية إلى ترفيهية واجتماعية أيضاً، إما بخلق فضاءات استراحة وفرجة وإنترنت كما هو الحال في محل «بيربري بريجنت ستريت» أو بإضافة مقاهٍ وفضاءات لإقامة حفلات صغيرة كما هو الحال في «ماتشز» بكارلوس ستريت وسط لندن، وغيرها من المحال الكبيرة. كل هذا من دون أن ينسوا دور وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها «تيك توك» الذي اجتاح عالم الموضة حالياً وفرض نفسه كوسيلة إعلانية شبابية. في الأسبوع الماضي أخذت قرية «بيستر» أو «بيستر فيلاج» وهو الاسم الذي تشتهر به، مفهوم الفرجة والترفيه إلى مستوى جديد، حيث استضافت ولمدة ثلاثة أيام الثنائي «بارلو آند بير» لتقديم وصلات غنائية مستوحاة من سلسلة «بريدجتون». وكانت أبيغايل بارلو وإيميلي بير، قد حولتا حبهما للسلسلة التلفزيونية إلى أغانٍ عبر «تيك توك» تداولها الملايين في غضون أيام؛ الأمر الذي ساهم في شهرتهما وترشيحهما لجائزة «غراميز».
استضافة «بيستر فيلاج» لهما لم يأت من فراغ. فهما كفيلتان بجذب شريحة الشباب من جهة ويصبان في رؤية اللبنانية ديزيريه بولييه التي ترأس «فاليو ريتايل» التي تنضوي تحتها قرى تسوق عالمية عدة. فمنذ أكثر من 20 عاماً عندما أنيطت بها مهمة قيادة المجموعة، وضعت نصب أعينها أن تُحول ما بدا كرحلة بحث عن سلع من مواسم ماضية بأسعار مخفضة إلى تجربة ممتعة تجمع التسوق بشتى الفنون. وحسب قولها في لقاء سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت نيتها أن «تزاوج الموضة بالسياحة وفي الوقت ذاته تجعلها مركز تسوق من المستوى الرفيع الذي يمكن أن يزوره شخص عادي أو شخصية بأهمية سلطان بروناي». الجواب عما إذا كانت قد حققت هدفها، يمكن التوصل إليه بسهولة وبمجرد وصول الزائر إلى «بيستر فيلاج» هذه الأيام. لن يخطر بباله أن المنتجات المطروحة أمامه هي من مواسم ماضية بقدر ما سيشعر بأنه في شارع بطول الشانزليزيه يختزل له كل ما تشتهيه النفس من منتجات ومفاهيم تسوق عصرية بما فيها الاستدامة. والأجمل أنه سيُشعره بقيمته كزبون إذا عرف كيف يستفيد من الخدمات المُقترحة، بدءاً من حجز الشقة الفخمة مسبقاً أو حجز كل الأزياء والإكسسوارات التي تروق له عبر الإنترنت ليجدها في انتظاره في غرفة مخصصة للاستراحة. يمكنه أيضاً الاستعانة بمتسوق شخصي باللغة التي يُتقنها، من دون تكاليف وما شابه من تسهيلات وإغراءات من شأنها أن تغذي غرور أو حاجة أي متسوق للمساعدة. وبهذا يمكنه أن يستغل يومه بشكل أفضل ومن دون تعب.
وهذا ما يؤكد أن ديزيريه بولييه نجحت في مهمتها وأصبح بإمكان هذه القرى الآن القول وبكل ثقة، أنها نفضت عنها صورة «الآوتليت» تماماً وجددت نفسها لتواكب العصر ومتطلباته. هذه الرسالة تُريدها أن تصل إلى مسامع الزبون العربي بوجه خاص. فهو أملهم في الخروج من أزمة «كورونا»، كون هذه القرى مثل غيرها من مجمعات ومراكز التسوق العالمية والمحال الإسمنتية، عانت من الجائحة. قرية بيستر مثلاً أغلقت أبوابها لأكثر من عام ونصف العام تقريباً بعد أن أعفت كل المحال المتواجدة فيها، وعددها 160 تقريباً، من الإيجار. لم تدب فيها الحركة إلا في 12 من شهر أبريل (نيسان) الماضي، لتنتعش في شهر يوليو (تموز) بفضل الزبون العربي الذي عوّض عن الزبون الصيني، لا سيما من المملكة السعودية والكويت؛ كونه أول من تم الإفراج عنه من الحجر الصحي وفُتحت أمامه أبواب السفر بعد الانتقال من القائمة الحمراء إلى القائمة الصفراء. وهناك أمل كبير في أن تزيد أعدادهم بعد أن خففت بريطانيا قيودها فيما يخص السماح لمن تلقوا لقاح «سينوفارم» بالولوج إليها بعد أن كانوا ممنوعين من ذلك.
أهم ما في الرسالة التي يُريد المسؤولون إيصالها إلى زبونهم، أن القرية الصغيرة نفضت عنها صورة أنها وجهة للمنتجات المخفضة وبأنها الآن وجهة رفاهية وترفيه في الوقت ذاته، توفر للزائر كل متطلباته. جذب الجيل الجديد أيضاً من الأولويات؛ لهذا فهناك تشجيع واضح للموضة المستدامة، بكل ما تعنيه من خامات رحيمة بالبيئة أو إعادة تدوير وتأجير، وهو ما يدخل في صُلب كينونتها حتى قبل أن تُصبح الاستدامة موضة العصر.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.