«المتوالية القصصية» جنساً أدبياً مستقلاً

إدوار الخراط أول قاص عربي أطلق المصطلح على مجموعته «أمواج الليالي»

إرنست همنغواي
إرنست همنغواي
TT

«المتوالية القصصية» جنساً أدبياً مستقلاً

إرنست همنغواي
إرنست همنغواي

يضيء الدكتور ثائر العذاري، أستاذ النقد الحديث في كتابه الجديد «المتواليّة القصصية: الأصول والتجنيس والتمثلات» الصادر عام 2020، واحداً من المصطلحات الإشكالية الحديثة التي أثارت خلافاً كبيراً بين النقاد والباحثين. وقد انعكس ذلك على المشهد النقدي، حيث شهدنا مساجلات خصبة بين الدكتورة نادية هناوي، والدكتور ثائر العذاري خلال السنوات الماضية حول ماهية هذا المصطلح وحدوده وحمولاته وتجلياته. وشخصياً، كنت قد أضأت جوانب من هذا المفهوم النقدي وطبقته على بعض الأعمال القصصية، منها مجموعة «غيمة عطر» وأشرت إلى أن هذه المجموعة تعدّ مثالاً على مفهوم المتوالية السردية أو المتوالية القصصية، وخاصة بعد أن أدرج المؤلف عنواناً فرعياً تصنيفياً مهماً هو «متوالية قصصية» بوصفه عتبة نصية دالة. وبيّنت أن النقد الحديث اعتاد على إطلاق مصطلح المتوالية السردية على الوحدات السردية الصغرى التي تشكل سرداً أوسع، إلا أن التوظيف الجديد يذهب أبعد من ذلك لأنه يحيلنا إلى ظاهرة اشتراك قصص مجموعة قصصية معينة في مشتركات أسلوبية رؤيوية، يجعلها مترابطة إلى حد كبير وتقترب في تضافرها من الرواية الحديثة. وأشرت إلى بعض النماذج العالمية الممثلة لهذا المنحى، وفي مقدمتها مجموعة «أهل دبلن» للروائي الآيرلندي جيمس جويس، و«في زماننا» لإرنست همنغواي، إلا أننا يجب أن نعترف بأن السجال النقدي بين الدكتورة نادية هناوي، والدكتور ثائر العذاري، هو الذي وضع المصطلح تحت ضوء ساطع وأغنى جوانبه المختلفة. ومما أكده العذاري، أن القاص إدوار الخراط هو أول قاص عربي أطلق مصطلح «المتوالية القصصية» على مجموعته «أمواج الليالي» الصادرة عام 1991 كما تحمس الدكتور العذاري لفكرة عدّ المتوالية القصصية جنساً أدبياً مستقلاً، وهو ما أثار حفيظة د. نادية هناوي التي رفضت فكرة التجنيس هذه؛ إذ ترى أن لا جدوى من الخلط بين ما هو تقانة واشتغال مخصوص، وبين ما تجنيس مؤطر بالنظرية، وقد نشرت هنادي حصيلة سجالها في كتابها النقدي الموسوم «في الجدل النقدي» الصادر عام 2021.
ويبدو أن الدكتور ثائر العذاري قرر أن يخوض المواجهة حتى النهاية من خلال المباشرة بكتابة كتابه الجديد هذا. ويعترف الناقد بأنه اصطدم بهذا المصطلح عام 2011 عندما كان أستاذاً زائراً بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية؛ فراح يتقصى أصوله ومصادره وتمثلاته. ولم يقتصر جهد الناقد على الاطلاع المضني على المراجع الأساسية، بل عمد إلى إجراء عملي يحسب له، وذلك من خلال إقامة حوار مباشر حول المصطلح مع أحد أبرز النقاد المهتمين به هو روبرت لوشر، والذي سبق للقارئ العربي أن اطلع على دراسته المهمة حول المتوالية السردية في كتاب عن نظرية الأجناس الأدبية. يأخذنا الناقد العذاري في كتابه هذا في سياحة نقدية واسعة لاستقصاء أصول المصطلح الذي يرى أنها تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، من خلال انشغال عدد كبير من النقاد في الولايات المتحدة بهذا المصطلح ودلالاته. وحاول الناقد التمييز بين المجموعة القصصية التقليدية التي تكتب في أوقات متباعدة، وبين المتوالية القصصية التي تشترك أقاصيصها في مقومات كثيرة منها البنية المكانية الموحدة، كما هو الحال في «أهل دبلن» لجميس جويس. كما يذهب الناقد إلى الاعتقاد أن مجموعة نجيب محفوظ «أولاد حارتنا» هي واحدة من أقدم المتواليات في الأدب القصصي العربي الحديث، والتي تدور أحداثها داخل مكان محدد، وقد تبنى المتوالية القصصية، كما يرى الناقد من خلال التركيز على «شيء» واحد مثلما فعل الكاتب الكويتي طالب الرفاعي في متوالية «الكرسي» التي تمحورت حول الكرسي وتنويعاته الوظيفية المتنوعة. وقد تتشكل المتوالية القصصية على زاوية النظر التي يتعامل بها القاص مع التجربة القصصية أو على وحدة الشخصية القصصية، كما هو الحال في مجموعة أحمد المديني «عند بوطاقية» التي تتمحور حول شخصية واحدة هي «بوطاقية». ويخلص الناقد إلى استنتاج مركزي في كتابه هذا يرى فيه، أن المتواليات القصصية ليست مجاميع قصصية تقليدية، بل هي جنس أدبي قائم بذاته، له خصائصه وتقنياته المتعلقة به. وعبر استضاءاته النقدية، توصل الناقد إلى أن الناقد الشكلاني الروسي شكلوفسكي هو من أوائل الذين شخّصوا ظاهرة المتوالية القصصية وعدّوها أصلاً للرواية، من خلال التركيز على دور البنية الإطارية كما هو الحال في «ألف ليلة وليلة». وأكد الباحث، أن معظم النقاد الذين درسوا المتوالية القصصية عدّوا «ألف ليلة وليلة» الأصل التاريخي لها.
ولا يكتفي الناقد باستضاءاته على الأدب العالمي، بل فحص تمثلات مهمة لهذا الضرب السردي في تراثنا العربي من خلال التركيز على نماذج دالة منها «كليلة ودمنة» لابن المقفع و«مقامات الهمداني» و«ألف ليلة وليلة» والتي كان لها أثر بالغ في نشوء جذور القصة والرواية التي مثلتها «حكايات الديكاميرون» لبو كاشيو و«حكايات كانتزبري» لجوسر، وذلك من خلال الاعتماد على فكرة الحكاية الإطارية التي تضم مجموعة من الرواة الذي سيروي كل منهم حكاية.
ويلفت الناقد النظر، وهو يستقصي أصول المصطلح إلى أن أوروبا وأميركا قد شهدتا خلال القرن التاسع عشر ظهور لون من المتواليات الشعرية، قبل أن تظهر المتواليات القصصية.
لكن الباحث يرى أن أول متوالية قصصية في القرن العشرين هي مجموعة «أهالي دبلن» لجيمس جويس التي تدور داخل مدينة واحدة وتكشف عن حياة الناس وطباعهم وأسواقهم وبيوتهم، وكأنها تريد أن تؤشر خصوصية الهوية الآيرلندية التي كانت تعاني من وطأة الاحتلال البريطاني آنذاك.
كما توقف الناقد أمام ظهور مجموعة قصصية مهمة عام 1919 للقاص شيرود اندرسن هي «واينسبرغ - أوهايو» التي عدّت متوالية قصصية كان لها تأثيرها اللاحق في إشاعة هذا الجنس القصصي. ولاحظ الناقد وجود عناصر مشتركة في هذه المجموعة، فضلاً عن وحدة المكان وهي تشابه في طبائع الشخصيات التي دفعت المؤلف إلى وضع عنوان أولي لها هو «كتاب الشخصيات غريبة الاطوار» كونها أيضاً تعاني من الوحدة والانعزال.
أما النموذج الثالث الذي استرعى اهتمام الناقد فكان مجموعة «في زماننا» لإرنست همنغواي الصادرة عام 1924، التي ركزت على بشاعة الحرب العالمية الأولى كثيمة مركزية، كما أن قصصها القصيرة كانت تحكي تجارب شخصية مركزية واحدة هي «نيك آدمز»، وهو شخصية مركزية في الكثير من قصص همنغواي.
لكن الناقد يرى أن المرحلة الحقيقية للاعتراف بالمتوالية القصصية جنساً أدبياً مستقبلاً بدأت مع صدور كتاب الناقد فورست انغرام عام 1971 حول الموضوع، والذي درس حلقة القصة القصيرة في القرن العشرين، موظّفاً مصطلح «حلقة» بدل المتوالية القصصية. ويرى انغرام في كتابه ذاك، أن المتوالية القصصية هي «حزمة من القصص القصيرة المترابطة مع بعضها، بحيث تتعدل التجربة القرائية لأي منها بعد قراءة الأخريات»، كما أضاف إنغرام فقرة جديدة تذهب إلى أن الحلقة القصصية هي «حزمة من القصص القصيرة التي ترتبط إحداها بالأخرى بطريقة توازن بين استقلالية كل قصة منفردة، وبين ضرورات الوحدة الكلية».
ومن المهم هنا، أن الناقد لم يقتصر على التعريف بأداء الناقد إنغرام، بل سجل عليه بعض المآخذ المتعلقة بدور القارئ بين المتواليات القصصية التي اقترحها الناقد، فضلاً عن المقارنة بين أفضلية حلقة القصة القصيرة و«المتوالية القصصية» والتي ينحاز فيها الناقد إلى التسمية الأخيرة؛ لأنها أكثر مقبولية بالنسبة للقارئ العربي الذي سبق له وأن اطلع عليها في توصيف مجموعة إدوار الخراط «أمواج الليالي» الصادرة عام 1991. لكن العذاري في رأيه هذا يستند إلى رأي الناقد روبرت لوشر الذي عبّر عنه في اتصال مباشر عبر الإنترنيت، والذي أكد فيه أن المتوالية القصصية جنس سردي مستقل، منفصل عن الرواية، وعن القصة القصيرة نفسها، لكن حدودها سائلة؛ ما يجعلها تشتبك مع مجموعة من الأشكال المتنوعة. ومن الجانب الآخر، يتفق الباحث مع رأي الناقد رالف لندن في تقسيم المتواليات القصصية إلى أربعة ضروب أساسية، هي المتوالية القصصية العنقودية والمتوالية القصصية المتسلسلة والمتوالية القصصية الحلقية والنوفيلا، ويفرد الباحث صفحات عديدة للتعريف بهذه الضروب وتمثلاتها في الأدبين العالمي والعربي.
ويختتم الباحث كتابه بالحديث عن بنية التماسك في المتوالية القصصية، حيث يذهب إلى أن هذا الجنس الأدبي ينهض على ثنائية، هي التوتر والتعدد الناتجين من كون كل قصة في المتوالية لا بد أن تكون مكتفية بذاتها. وخلص إلى القول، إن كتاب المتواليات القصصية اكتشفوا بمرور الزمن أنها ميدان واسع للإبداع وابتكار أساليب لا يحدها سوى خيال الكاتب لبناء «التماسك». ويحاول الباحث أن يتلمس مظاهر التماسك في عدد من المتواليات القصصية، والتي سبق لي وأن درستها ومنها متوالية «ألف صباح وصباح» للروائي حامد فاضل التي كتبت مقدمتها والتي أشرت فيها إلى انتمائها إلى مفهوم المتوالية السردية، ومجموعة «غيمة عطر» لحميد الربيعي التي درستها بوصفها متوالية سردية.
كتاب الدكتور ثائر العذاري جهد أكاديمي ونقدي متميز ويمثل إضافة مهمة للنقدية الأدبية العربية الحديثة.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.