مفهوم السيرة حين يتسع ليتحول إلى ما يمكن أن يكون «سعرة ثقافية»

«على عتبات العمر» لخالد الجريوي

مفهوم السيرة حين يتسع ليتحول إلى ما يمكن أن يكون «سعرة ثقافية»
TT

مفهوم السيرة حين يتسع ليتحول إلى ما يمكن أن يكون «سعرة ثقافية»

مفهوم السيرة حين يتسع ليتحول إلى ما يمكن أن يكون «سعرة ثقافية»

قد لا يكون خالد الجريوي في المشهد الثقافي حاضراً بأعمال سابقة، إلا أنه يأتي من حمولة «حياتية» قل ما تتمظهر بجرأة على خوض الكتابة والنشر لأول مرة. هذا ما نجده عبر كتابه «على عتبات العمر»، الصادر حديثاً - دار مدارك للنشر 2021. تلك التجربة التي تطالعنا اليوم، وهي تركن إلى رؤى خاصة وشديدة الحساسية، وتستند إلى ذخيرة معرفية هامة لرجل توقن أنه مملوء في الصمت بشواهد ومحكيات وقراءات عريضة عن الحياة وفي إدراك مواجعها المبكرة.
يبدأ الكاتب في الصفحات الأولى من مؤلفه عن البيت، فيعلن عن «عمودي الظل الكبير»، فالأب (رجل السماء)، وهو هنا يحيلنا إلى العطاء الممتد دون توقف، والأم (باب السماء) حيث مرد الرحمة والأمان. فإن كان للعمر عتبات فناصيته قبل كل شيء النشأة التي هيأت له ميلاد النجاح. استعرض الجريوي في هذا المقام تحديداً مراحل الأب في الوظيفة وسعيه إلى معارج الخير التي بقيت صلة متينة من الامتنان والتقدير. والأم سكنه وسكينته التي تخيط جراحه بابتسامة آسرة. وهنا يقول الدكتور سعيد السريحي في تقديمه لهذا الكتاب «... ولهذا لا عجب أن يحتفي كاتب السيرة بالأصوات الأولى حين تناديه، صوت والده وهو يبحث عنه (خویلد، وينك يا خويلد؟) وصوت أمه کلما نادته (یا وليدي)».
ثم تتوالى طوالع الكتاب بعناوين اختطها من معمل تصوراته والشواهد التي عبرت بمراحل الإنسان، ونصبها لتكون علامة ما سيقول من مواقف ونماذج عيش وتصورات عابر، في تتبع لعمر له ذاكرته، وفي اختيار لآراء ترسخ المعنى. يزاوج بين الفكرة التي تشكلت بالسنوات وبين الرأي الذي ينضجها، في سيرة متفرقة تحت تلك العناوين. في بارقة يتخذ من مقولة لشخصية بارزة تمام ما قاله أو نقصان ما لمح إليه، وفي عارض آخر، لا يقل تأملاً، يستحضر الشاهد ليوثق موقفه ويؤكد مقطوعة الكشف ويعزز الإيضاح. تراوح الجريوي بين ثقة ما يقول وبين احترام نموذج الحياة التي عاشها، ويعيشها، دون أن يخل بمصداقية تتخلل اللغة الشفيفة والواضحة دون مواربة أو تخف. لم يقل كل شيء، لكن قدم كل ما يلزم القارئ ليعرفه في حدود المصافحة الأولى عبر كتاب لم يكن فيه ضنيناً بدعوته للتبصر وتمحيص الحياة، ولا شحيحاً في محاكمة جراح مضت فآثر أن يشرح مفهوم التجاوز ولملمة ما تهدم من منظوره المحايد. وعن هذه الاستعادة يذكر السريحي أن الكاتب ينفذ إلى دلالات مختلفة فيما قاله ولم يقله و«بما تعلنه کلماته وبما توحي به تلك الكلمات، وبما تتواطأ تلك الكلمات معه فلا تبوح بشيء منه، لا تتوقف تلك الكلمات عند الإحالة إلى عنوان الكتاب، وإنما تمضي بعد ذلك كي تكون عتبة يمكن للقارئ أن يعبرها لكي يجمع بين ما تفرق من فصول الكتاب، ويؤلف بين ما اختلف من موضوعات الكتابة...».
وفي تجسيده للعمر أشكال متفاوتة من حيث الزمن الحاكم الوحيد في تدرج الإنسان داخل الحياة، فصروف الزمن أدوات عاملة، ولكل أداة وقعها في منظومة المقاطع كما هندسها الكاتب. والمثال يتعدد بمختلف الفصول، ففي عنوان «تأملات على عتبات العمر»، يتحدث عن الحب كوسام راسخ لا تشوبه الأيام بتتابعها، ولا يفقر القلب الذي اعتمره، كما يرد عنوان «هيبة المسافات» دليلاً متصلاً بتلك المساحة الآمنة التي ينفرد بها لنفسه ويجعها الخلاص من الكثير. وفي عنوان «إنه فخ» يستدعي عبارة الكاتب الروسي دوستويفسكي ونصها «لا تكبر... إنه فخ»، يقول: «اليوم أقف مبتعداً عن هذا الطفل... تفصلنا نظرة، وأربعون عاماً، والكثير الكثير من الخيبات». هكذا محملاً بالحنين لذلك العهد البعيد، وهذه عتبة كبرى في العمر يجتازها ولا يستطيع، يقاومها ولا يهزم، يسقط ولا ينكسر. وكما يصفه السريحي «ليس للعمر ماض طواه النسيان أو تستدعيه الذاكرة، ليس له حاضر يحاصر من يعایشه بما هو حوله، وليس له مستقبل لا يزال في ظهر الغيب ولا يعرف أحد ما سوف يسفر عن العمر مكان له عتبات.
بهذه الطريقة في الكتابة السيرية يعالج الكاتب موضوعاته كيفما تفرض طريقته في الكتابة، وكأن «مفهوم السيرة يتسع ليتحول إلى ما يمكن أن يكون سعرة ثقافية يتنقل فيها الكاتب بين السرد والشعر، بين المقال والخاطرة، بين الاقتباسات والإحالات، كأنما هذه الفنون المختلفة مرايا تتراءى فيها الأيام والتجارب والمواقف والرجال والنساء، تلوح على زجاجها الآلام والآمال، والوجوه التي ألفنا والوجوه التي لم تألف» بحسب السريحي في المقدمة.
وفي استباق مع هذا العمر يلتفت إلى الأحكام الناجزة، فيتوخى الحذر وتغليب سلامة النوايا، ويدعو لاصطحاب ذاكرة الأحبة في رحلة العمر، فحيث سيتوقف يوماً سينجو من ويل الجراح مديدة السنوات، ويتخفف من هزيم النداء القديم للندم والحسرة.
لا يتوقف الكاتب عن غمر مؤلفه الواقع فيما يقارب (300) صفحة بمقولات يصفها بأنها «نقوش في الذاكرة والروح، مثل تلك التي رسمت في الكهوف، تبقى هناك للأبد»، وهي عبارات تعود لأدباء وكتاب عالميين مثل نجيب محفوظ وخوزيه سراماغو والسياب وسومرست موم والطيب صالح وهيرمان هيسه وغيرهم. وإن كانت تلك العبارات أتت في سياقات فرضها الجنس الأدبي، شعر أو رواية أو دراسة فكرية، فهو يؤسس متانة استشهاداته المختلفة وتوارد ما يلتقي عليه مقاله ومضمون تلك العبارة المنتقاة، سعياً منه لقراءة كل عتبة بلغة ميسرة ويشدها بالتساؤل عن تحولات الإنسان في أوجه الحياة، في قوته وضعفه، في سلمه وعدائه، فلا يماثل مقالاً بآخر، ولا يحيل دلالة إلى أخرى.
وتتوالى العتبات عند الجريوي في فضاء مفتوح لا يحده نوع الكتابة أو صرامة الشكل، ويقرن كل عتبة بصورة في هندسة جمالية أكثر منها جسراً إلى المعنى، وفي هذا الجانب يرى السريحي بأن العتبات «تشي في الوقت نفسه بما آلت إليه من اصطلاح في الدراسات النقدية حين يستخدمها الآخذون بمناهج النقد الحديث في الإحالة إلى كل ما يمكن أن يكون مدخلا لقراءة النص ومفسرا لظروف إنتاجه وكاشفا عن دلالاته، وكأنما الكاتب يوحي إلينا بأن كتابه يحمل ما تحمله العتبات من دلالة، فيكون كل مقال من مقالاته عتبة نعبرها إلى ما هو مستتر وراءها من معاني ودلالات تحيل إليها الكتابة».
بهذا الكتاب الأول يطرق خالد الجريوي مساعي الكتابة السيرية المدمجة بأصناف الكتابات وأنواع التسجيل في صياغة جديدة للفهم والوعي المولود من رحم عمر لم يذهب بعيداً في السنوات بعد، ويعيد النظر فيما يجب لمجابهة الحياة، وما يخفف المشقة الطويلة أثناء اقتطاع الحلم وقبول التحدي للوصول. يبقى هذا الإصدار محاولة أولى تشملها تداعيات خاصة آثرت الخروج بلغة هادئة لا تتقصى أثر الرجل ورحلته العملية وقصصه المباشرة، بقدر ما تعلن أنه في هذا العمر قال ما يراه لازماً، ويبشر في عمر قادم بسيرة أخرى تحتاج شواهد حية وصوراً أكثر حضوراً في معمل الحياة الهائل.
* روائي من السعودية



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».