مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية

السلطة الحاكمة تسعى دائماً إلى «صناعة» العاصمة كما تريدها وتفكر بها

خريطة بغداد
خريطة بغداد
TT

مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية

خريطة بغداد
خريطة بغداد

هل يختلف تخيل المكان في الشعر عنه في الرواية والقصة؟ ربما علينا أن نعيد صياغة السؤال بطريقة أخرى، فنسأل عن أمكنة الشعر فرقاً عن أمكنة السرد، هل الشاعر متحرر إزاء أمكنته فيخترع منها ما يشاء؛ يرفع منها ويحط غيرها، فيما الواضح أن كاتب السرد؛ الرواية والقصة القصيرة، ملزم بمكان ذي بعد تاريخي أو ثقافي أو سياسي؟ أفكر في بدر شاكر السياب وكيف حوَّل «قرية» بائسة ربما لم يسمع بها البصريون أنفسهم قبل ظهور السياب واشتهاره أيقونة علمية في الشعر العربي، والسؤال ذاته يُثار في أي محاولة لتفسير ترسّخ أيقونة النهر «بويب» حتى صار الناس يأتون من كل حدب وصوب ليصوروه أو يقفوا عند النهر الذي مات وشبع موتاً ربما حتى قبل أن يولد السياب نفسه؟ ما الذي حرر مخيلة السياب من «سلطة» المكان الشهير (البصرة مثلاً) ومنحه حرية «تصنيع» المكان المحلي غير المعروف، وتحويله إلى مكان عالمي؟ لا أظن الأمر يختلف في شعر البياتي أو نازك الملائكة أو شعراء مصر مثلاً. هذه الحرية والتداول الحر للأمكنة «التاريخية» أو «المحلية» غير المعروفة، هو النقيض المقابل لأمكنة الرواية؛ في الأقل نحن نتحدث عن الرواية في العراق. ولكن لماذا على المكان السردي أن يختلف عن أمكنة الشعر؟ هل هناك سلطة ما تلزم كاتب الرواية، مثلاً، اختيار مكان معين ليكون فضاءً لروايته؟

رواية المدينة... رواية بغداد
في حالة الرواية العراقية؛ فإن المتابع يلاحظ، ابتداءً، أمرين لم تحد عنهما نصوص الرواية العراقية إلا في حالات نادرة واستثنائية. والأمران اشتركا معاً في تأسيس نموذج مكاني اختصت به «مخيلة» بغداد التي سيجري اختصارها في «شوارع» بعينها وبضعة أمكنة بغدادية شهيرة وهي، من ثمّ، الخريطة الوحيدة المتداولة للمكان «الوطني» المعبر عن بلاد مثل العراق. الأول؛ قرره غائب طعمة فرمان في روايته الثانية «خمسة أصوات»، وهو الكاتب المؤسس. يكتب فرمان، وهو يُلاحق خمسة من مثقفي بغداد في خمسينات القرن الماضي: قال حميد وكأنه يقنع نفسه، سأكون في بلدي؛ فالعراق ليس بغداد وحدها. قال شريف: العراق بغداد فقط. والحديث يأتي تعقيباً على «نقل» حميد من بغداد للعمل في «الديوانية»، إحدى مدن الوسط العراقي. «ومثل هذا وجدناه في النخلة والجيران بكلام الشابة (تماضر) من مدينة العمارة - ميسان الجنوبية؛ إذ السخرية حاضرة من لهجة الجنوب ومن المدينة برمتها!». هكذا سيجري اختصار العراق في بغداد. الأمر الثاني؛ أن بغداد ستُختصر في صورة واحدة تمثلها ثلاثة شوارع وما يتصل بها من أحياء وساحات. وبتراكم النصوص الروائية؛ سنجد أنفسنا إزاء بغداد «تاريخية» يجري تكرار صورتها وتداولها بين الكتاب. سيُقال إن هناك روايات عراقية «مهمة» اتخذت من أجزاء ونواحٍ أخرى من بغداد عالماً لها، كما فعل الكاتبان المؤسسان فرمان والتكرلي في «ظلال على النافذة» و«المسرات والأوجاع». كما أن هناك روايات عراقية كثيرة اتخذت من مدن عراقية أخرى، غير بغداد، مكاناً لها: الناصرية كما في روايات وقصص عبد الرحمن مجيد الربيعي، البصرة في قصص محمد خضير، وفي «الشاهدة والزنجي: الصقر»، وأغلب روايات البصري جنان جاسم حلاوي، وروايات نجم والي لا سيما الأولى منها، وكركوك في رواية فاضل العزاوي. وهناك كثير غير ما ذكرنا ولا شك. غير أن هذه الكثرة، وهذا التنوع والاختلاف المتميز نصاً، لم يغير من صورة «المكان» الوطني العراقي، ولا تقاطع مع مخيلة بغداد «التاريخية». وهذا ليس استنتاجاً نتفرد به، أو ندعيه، إنما هو «قراءة» لأطلس المكان العراقي الذي تهيمن عليه مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية؛ إذ لم تستطع تلك الروايات أن تُحدث تغيراً في نمطية المكان البغدادي الأثير.

مخيلة بغداد
ما بين قصة جلال خالد ورواية «النخلة والجيران» ثمة مفارقة وخرائط أهملها «السيد» أو لم ينتبه إليها، فيما كان فرمان أحد مؤسسيها الكبار. تبدأ قصة «السيد» من لحظة السفر في باخرة ستتجه بـ«جلال خالد» إلى الهند - مومباي. لا مكان عراقياً سوى إشارة يتيمة للبصرة وفرضتها أمام المعقل هناك. ثم نمضي مع «خالد» إلى أماكن «هندية» مثل «بومباي» و«كلكته»، وفي طريق العودة نعثر على إشارات للبصرة وشرق بغداد أو جوامعها بلا توصيف مكاني أو حتى ذكر اسم لها. ونجد في القسم الثاني من القصة ذكراً لحديقة «الصالحية» بكرخ بغداد. تأتي المدن وأمكنتها القليلة شاحبة بلا اسم أو صفة. فهي محض «ديكور» متقشف يصلنا عبر عين المسافر المشغول بيأسه بعد فشل «الثورة». ذلك الاقتصاد المكاني يفسره، ولا شك، أن المكان «الوطني» ذاته لم يأخذ شكله وأوصافه بعد. وكان على القصة العراقية أن تنتظر إلى نهاية الأربعينات لنكون إزاء طوبغرافيا عراقية للمكان البغدادي. وربما الأدق أن نكتب أن تلك الحقبة قد شهدت ترسخ المكان البغدادي بصفته المكان «الوطني» المتخيل. نتحدث عن قصص الجيل الخمسيني ممثلاً في الرائدين الكبيرين فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري ومجايلهما مهدي عيسى الصقر. وقد يتصل كلامنا بقصص سابقيهم، وأبرزهم نزار سليم (أشياء تافهة - 1950) و(زقاق الفئران – 1972)، ثم استقر ذلك المعجم المكاني في «النخلة والجيران» و«خمسة أصوات» و«المخاض» و«الرجع البعيد»، ثم تحولت بغداد التاريخية إلى مرجع ونستولوجيا في أغلب روايات ما بعد 2003.

خريطة المدينة
وطبوغرافيا السلطة

تشمل مخيلة بغداد ثلاثة شوارع، هي: «الرشيد» و«الجمهورية» و«الكفاح». هذه الشوارع الثلاثة تؤلف ما يشبه المثلث داخل بغداد. «شارع الرشيد»، مثلاً، يمتد أربعة كيلومترات داخل بغداد، ابتداءً من «الباب المعظم» وانتهاءً بالباب الشرقي «الشرجي» - الشورجة، ذهاباً وإياباً. والشارع يمثل ذاكرة سياسية ثقافية لبغداد والعراق برمته؛ إذ يشكل مبنى وزارة الدفاع القديمة (مقر حكومة قاسم بعد 1958) مدخله من «الباب المعظم». تقابله محلة الصابونجية التي تتصل بـ«الرشيد» وشارع «الجمهورية». تنفتح الصورة على ما تبقى من فنادق «الرشيد» ومقاهيه ومحاله على جانبيه، لا سيما اليمين منه، فيما يشغل «جامع الحيدرخانة» الجهة المقابلة لـ«مقهى حسن عجمي»، ثم شارع «المتنبي» المتفرع من «الرشيد» نفسه، وهي التسمية الأحدث لأحد مداخل سوق السراي المفضي للقشلة، حيث السراي الحكومي. يسير الشارع بمحاذاة «دجلة» وينفتح على مناطق بغداد التاريخية، كما يخترق أربعة ميادين ويتصل بأربعة جسور، وتتفرع منه شوارع فرعية اكتسبت شهرة عراقية كشارع «النهر». طول الشارع وتفرعاته ثمّ ما تضمنه من مؤسسات وأسواق ودور سينما ومقاهٍ وشركات كبرى، جعله المحرك السياسي والثقافي لبغداد، لا سيما في عهد الحكم الملكي. فهل هذا مسوِّغ كاف ليكون الشارع سردية بغداد الكبرى في القصة الخمسينية وما يتصل بها من نصوص روائية عراقية رائدة؟
لا يبدو الكتاب المعنيون مهتمين بتقديم إجابات مكتوبة ومقنعة؛ كانت حياتهم وقد عاشوها وكتبوا عنها، وعن البغدادي الذي يخرج من بيته في المربعة أو الحيدرخانة أو باب الشيخ أو راس القرية ويذهب إلى «الرشيد» كأنه النصف المتمم لحياته. هكذا يفتتح فؤاد التكرلي عالم قصته الطويلة «نوفيلا: الوجه الآخر» بتسمية المكان وتوصيفه: «خطر له حين مرَّ أمام مقهى حسن عجمي، أنه سيعود للجلوس (فيها) عصر هذا اليوم»، ثمّ قوله في فقرة ثانية: «كان شارع الرشيد مليئاً بحركة مستمرة والشمس البيضاء تملأه وتملأ نفس محمد جعفر... ص9». تنطوي هذه النصوص على أمرين: تسمية المكان بوصفه، ثم امتلاكه. ثمة «بغدادي» يمتلك حكاية، حكايته غالباً. ولا حكاية خارج أسوار المكان العتيق الضيق، والقذر غالباً. في «النخلة والجيران»، مثلاً، يستعيد (ربما الأصح أن نكتب: يعود!) صورة المكان الزائل الذي جرى محوه في أزمنة سابقة: الصولة وبيت سليمة الخبازة حيث النخلة القميئة والخان وأزقة أخرى في «الصبابيغ الآل - حي الصافن كما يسميها فرمان». في رواية «المخاض» نتحول إلى مشهد آخر للمكان البغدادي: شارع الجمهورية وشارع الكفاح والخلاني، فرقاً عن «خمسة أصوات» التي تبدأ بمتاهة الأزقة التي لا تنتهي بـ«الكفاح».

أزمنة السلطة... صور المدينة
هل اختلفت مخيلة بغداد باختلاف منظومات السلطة الحاكمة في العاصمة؟ هذا سؤال ربما لا معنى له؛ لأن السلطة كانت تسعى دائماً لـ«صناعة» بغداد كما تريد وتفكر فيها. ولا يختلف حال بغداد عن حال أي عاصمة عالمية. أفكر في باريس وتحولاتها، في برلين ولندن وغيرهما من مدن كبرى شهدت تحولات وتحولات جذرية. وفي حالة بغداد؛ فإن النصوص الروائية المؤسِّسة تضعني أمام ثلاث صور لبغداد التاريخية: صورة شارع الرشيد وما يتصل بها من أحياء وشوارع فرعية ومحال وسينمات وساحات، وهي الصورة الأثيرة في روايات الحقبة الملكية. أقصد هنا الروايات التي كتبت عن الحقبة الملكية. أذكر منها روايات فرمان الثلاث: «النخلة والجيران» و«خمسة أصوات» و«القربان» و«نوفيلا» التكرلي الوجه الآخر. وهناك روايات لكتاب عراقيين آخرين تتعرض لتلك المرحلة، لكنها لا تجعل منها عالماً كاملاً، نذكر منها روايتي علي بدر «بابا سارتر» و«صخب ونساء وكاتب مغمور». صورة شارع الجمهورية - الكفاح، وهي تمثل حقبة الجمهورية الأولى. نجد تلك الصورة في روايتين أساسيتين، هما: «المخاض» لفرمان و«الرجع البعيد» للتكرلي. نُشرت الأولى عام 1974، فيما انتهى التكرلي من روايته عام 1977 ونشرها عام 1980. «المخاض» قصة المنفي العائد إلى بلاده بعد «غربة» استغرقت سنوات جرى خلالها إزالة عالمه وذكرياته، فيضطر للسكن في فندق بشارع الرشيد «عالم الصورة الأولى»، ثم في «حمام المالح» بمنطقة الفضل. ولرواية «المخاض» يرجع الفضل في نقل عالم بغداد المتخيل من الرشيد إلى شارعي «الجمهورية» و«الكفاح»، حيث باب الفضل وباب الشيخ والخلاني والكيلاني. وهو الخيار الذي سيعتمده مؤرخ بغداد الآخر، فؤاد التكرلي، في روايته الشهيرة «الرجع البعيد»؛ في تلك الشوارع، كما في غيرها، احتدمت الأحداث واشتبك البغداديون مراراً. وعندما نصل إلى الصورة الثالثة؛ فإننا نستعيد مخيلة بغداد كلها، بصورتيها؛ الملكية والجمهورية. في روايات بغداد «المحتلة» سنكون إزاء سلسلة متصلة من نصوص بغداد بأزقتها المظلمة والضيقة التي ازدادت تلفاً ودماراً، لكنها، أيضاً، التي انفتحت على مواجع بغداد وضياعها؛ فحضرت مشرحة بغداد، وحضرت البتاوين، واستعاد «أبو نؤاس» حضوره وغيرها. وما زالت بغداد تستعيد أزمنتها وأمكنتها، هي نسخة أخرى عن كتابها، بل إن كتابها هم نسخ أخرى عنها. ولا بد من أنهم يتذكرون، مجتمعين أو فراداً، نصيحة «العم نوري»، سائق التاكسي الذي عاد «بكريم داود» من المطار، ثم أسكنه في بيته في «حمام المالح». قال له إجابة لطلبه أن يحدثه عن حياته: «كل ما أريده لك أن تكون مرتاحاً. والارتياح يأتي حين تعرف أي طريق تسلك، وإلا فستكون مثل بغداد اللي ما كانت تعرف وين تضع رجلها. (المخاض)».
أهذا كل بغداد: شارع الرشيد والقشلة والميدان والحيدرخانة والصدرية وباب الشيخ والبتاوين؟ أين الكاظمية والأعظمية والكرادة والدورة والمنصور؟ هل ستطردكم بغداد من جنتها لو كتبتم عن علي الصالح أو الصليخ أو الجادرية؟



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.