بلينكن يؤكد الأولوية الأميركية لمواجهة النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا

قدرات الولايات المتحدة محدودة لوقف حرب إثيوبيا ومواصلة العملية الانتقالية في السودان

أنتوني بلينكن يختتم رحلة هي الأولى لكبير الدبلوماسيين في إدارة الرئيس جو بايدن إلى أفريقيا (أ.ب)
أنتوني بلينكن يختتم رحلة هي الأولى لكبير الدبلوماسيين في إدارة الرئيس جو بايدن إلى أفريقيا (أ.ب)
TT

بلينكن يؤكد الأولوية الأميركية لمواجهة النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا

أنتوني بلينكن يختتم رحلة هي الأولى لكبير الدبلوماسيين في إدارة الرئيس جو بايدن إلى أفريقيا (أ.ب)
أنتوني بلينكن يختتم رحلة هي الأولى لكبير الدبلوماسيين في إدارة الرئيس جو بايدن إلى أفريقيا (أ.ب)

ختم وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن رحلة هي الأولى لكبير الدبلوماسيين في إدارة الرئيس جو بايدن إلى أفريقيا، حيث سعى إلى تعزيز النفوذ المحدود للولايات المتحدة في مواجهة أزمات عدد من دول القارة، ومنها النزاع المتصاعد في إثيوبيا والأزمة الأخيرة في السودان، فيما تكثف الصين وروسيا حضورهما على مستويات عدة، ومنها زيادة الاستثمارات الصينية في كل من كينيا ونيجيريا والسنغال واستخدام مجموعة «فاغنر» للمرتزقة الروس في مالي. وأثناء الجولة التي شملت زيارات لكل من كينيا ونيجيريا والسنغال، كان على بلينكن أن يواجه تحديات تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الترويج لقيم الديمقراطية والتعامل مع سلسلة من الانقلابات العسكرية التي شهدتها القارة السمراء خلال الأشهر الماضية، ومنها إعادة الحكومة الانتقالية إلى السلطة في السودان، والتهديدات المتزايدة من المتطرفين والإرهابيين، والتحديات التي يشكلها في روس «كوفيد - 19» وتغير المناخ.
ووجه بلينكن في البلدان الثلاثة رسائل واضحة فيما يتعلق بالمنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والصين التي عملت خلال العقدين الماضيين على زيادة استثماراتها في أفريقيا. وأقر قبل عودته من دكار إلى واشنطن بأنه على الرغم من الاستقبال الحار الذي لقيه في العواصم الثلاث، قال للمسؤولين الأفارقة الكبار إن «عليكم أن تحكموا على ما نفعله، وليس فقط على ما أقوله». ولاحظ أنه عندما كان في نيروبي، عاين مشروع بناء طريق سريع تموله الصين في كينيا، وحين كان في أبوجا، مر موكبه بمحاذاة مبنى عملاق لغرفة التجارة الصينية في نيجيريا. وفيما غادر السنغال، كانت دكار تستعد لاستضافة حدث تجاري واستثماري كبير بين الصين وأفريقيا خلال الأسبوع المقبل. وفي الوقت الذي تحرز فيه جهود بايدن لمساعدة الدول الأفريقية في مكافحة «كورونا» وتشجيع السياسات الصديقة للمناخ بعض التقدم الأولي، تبدو الصورة الأوسع أقل تشجيعاً.
وعلى الرغم من نجاح الضغوط الأميركية والدولية التي ساهمت في عودة رئيس الحكومة الانتقالية السوداني عبد الله حمدوك إلى السلطة بعد الاتفاق مع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، واجهت واشنطن صعوبات جمة في الحفاظ على بعض اتجاهات التحول الديمقراطي في عدد من الدول. وإذ استشهد بأحداث إثيوبيا والسودان، أقر بلينكن في العاصمة النيجيرية بأن «الحكومات أصبحت أقل شفافية»، موضحاً أن «هذا يحدث في جميع أنحاء أفريقيا - يتجاهل القادة حدود الولاية، ويزورون أو يؤجلون الانتخابات، ويستغلون المظالم الاجتماعية لكسب السلطة والحفاظ عليها، واعتقال شخصيات المعارضة، وقمع وسائل الإعلام، والسماح للأجهزة الأمنية بفرض قيود الوباء بوحشية».
ولكن الاتفاق الأخير في السودان يبدو بادرة تبعث على الأمل، علما بأن مجموعة رئيسية مؤيدة للديمقراطية رفضت ما حصل، واصفة إياه بأنه «شكل من أشكال الخيانة». وكان بلينكن نفسه حذراً إذ اكتفى بـ«تشجيع» العودة إلى العملية الانتقالية. ولكنه لا يزال يريد رؤية المزيد. وفي تغريدة على «تويتر»، قال بلينكن: «أحض كل الأطراف على إجراء المزيد من المحادثات ومضاعفة الجهود لإكمال المهمات الانتقالية الرئيسية على مسار بقيادة مدنية نحو الديمقراطية في السودان»، مكرراً «دعوتنا إلى قوات الأمن من أجل الامتناع عن استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين».
وفي إثيوبيا، رفض رئيس الوزراء آبي أحمد دعوات المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان من أجل إنهاء الحصار الإنساني على منطقة تيغراي الشمالية، موطن المتمردين الذين يتقدمون الآن في اتجاه العاصمة أديس أبابا. وفي الوقت نفسه، يستفحل الفساد ويساء استخدام السلطة، فضلاً عن الافتقار إلى الشفافية في إعاقة البنية التحتية الأفريقية ومبادرات التنمية والتخفيف من حدة الفقر التي تتبناها الولايات المتحدة.
في ختام جولته التي استمرت أسبوعاً، قال بلينكن إن مالي «تظل ركيزة أساسية للاستقرار المستقبلي في منطقة الساحل ولدينا مخاوف عميقة في شأن هذا الاستقرار ومخاوف عميقة بشأن التطرف والإرهاب اللذين ينشران مخالب في المنطقة». وأضاف أنه «سيكون من المؤسف بشكل خاص أن تشترك الجهات الخارجية في جعل الأمور أكثر صعوبة وتعقيداً»، في إشارة إلى مجموعة «فاغنر» التي نشرت مرتزقة في سوريا وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا، مما أثار احتجاجات من الغرب وآخرين.
وعلى الرغم من أن بايدن تحدث عن إعادة أفريقيا إلى مكانة بارزة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فإن الأولويات الأخرى والتطورات الملحة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأميركا اللاتينية، تنافس بعضها البعض على الأولويات الكبرى لإدارته في الأشهر العشرة الأولى لإدارته.
وأعلن البيت الأبيض أن بايدن سيعقد قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا العام المقبل «لتعزيز العلاقات مع الشركاء الأفارقة على أساس مبادئ الاحترام المتبادل والمصالح والقيم المشتركة». ويتوقع أن يسعى الرئيس بايدن إلى إظهار اهتمام أكبر بالقارة السمراء. وعلى الرغم من عدم ذكره مسألة المنافسة مع الصين، قال بلينكن إن «انخراطنا في أفريقيا، مع أفريقيا، لا يتعلق بالصين أو أي طرف ثالث آخر».
ووافقته وزيرة الخارجية السنغالية أيساتا تال سال، التي ستشارك في استضافة منتدى التعاون الصيني الأفريقي بين 29 نوفمبر (تشرين الثاني) و30 منه في دكار نظيرتها الصينية. وقالت: «لدينا دبلوماسية سيادية لا نستبعد منها أحداً». وأشار وزير الخارجية النيجيري جيفري أونياما إلى وجود مشاريع بنية تحتية كبرى مع الصين الآن في نيجيريا، قائلاً: «رأينا فرصة عظيمة مع الصينيين».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...