حفل معرض مكتبة الإسكندرية للكتاب في دورته الحادية عشرة بالكثير من الأنشطة الثقافية والأدبية المهمة، تنوعت ما بين ندوات وأمسيات شعرية ولقاءات مع أدباء وشعراء ونقاد، وندوات خاصة لمناقشة أبرز الظواهر في مجالات الثقافة والإعلام، والتراث، كما خصصت ندوات للإصدارات اللافتة في الأدب والفكر وقضايا المعرفة الإنسانية ومدى ارتباطها بالواقع اليومي.
انعقد المعرض في الفترة من 26 مارس (آذار) حتى 7 أبريل (نيسان) الحالي، ومن أبرز ندواته ندوة حول كتاب «السراب»، للمفكر الإماراتي جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الذي يتناول فيه الكثير من القضايا والإشكاليات المتعلقة بالإسلام السياسي.
شاركت في الندوة الدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، والباحثة الدكتورة صفاء خليفة، رئيسة وحدة البرامج البحثية بمكتبة الإسكندرية.
عرضت خليفة رؤيتها للكتاب وأهم النقاط فيه؛ مشيرة إلى أن اختيار اسم «السراب» عنوانا للكتاب جاء العنوان معبرا عن المضمون الذي يعتبر الإسلام السياسي بمثابة مشروع ديني يسعى إلى السلطة مستخدما الدين كخلفية عقائدية، وهو تشبيه لحال من ظنوا خيرا بالجماعات الدينية بمن خُدع بظاهرة السراب التي يخيل للناظر أنها شيء وهي ليست بشيء.
وقالت إن الخطر الذي يتعرض إليه الدين داخل العالم العربي والإسلامي على يد الجماعات الدينية السياسية هو أشد من الخطر الناجم عن أعدائه في الخارج، وتناولت عدة محاور للإجابة عن تساؤل لماذا فشلت تلك الجماعات الدينية السياسية في ممارسة الحكم؟ منها؛ الشعارات المراوغة أو المزدوجة المعايير، والتفسير الضيق للشرع، وعدم واقعية تطبيق البيعة ونظام الخلافة، وزيف الخطاب الديني، والتناقض بين الديمقراطية (في إسنادها لحق التشريع إلى البشر)، وفكرة الحاكمية التي ينادي «الإخوان» بتطبيقها، وتسييس الدين والخلط بين الدين والسياسة، وافتقاد النضج والخبرة السياسية، وجماعات الإسلام السياسي هي ظاهرة ظلامية تشبه أوروبا في العصور الوسطي.
وذكرت الدكتورة نيفين أن هذه الجماعات عندما وظفت الدين في السياسة أساءت إلى الدين أكثر من إساءتها لنفسها، ومن يراهن على هذه الجماعات فهو يجري وراء «سراب» إلا أنه من الأفضل تسمية هذه الجماعات بالجماعات العنيفة. وأعقب الندوة توزيع الكتاب مجانا على الحضور.
وضمن فعاليات المعرض احتفل مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية بإصدار كتاب «الآثار العربية»، وهو عبارة عن منتخبات من أبحاث المؤرخ الدكتور جواد علي. تصدير الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية، وتقديم الدكتور بشار عواد معروف، وإعداد وتحرير الدكتور أحمد عبد الرحيم.
وأشار الدكتور مدحت عيسى مدير مركز المخطوطات إلى أن هذا العمل البحثي المتميز للمؤرِّخ العلاَّمة الدكتور جواد علي، يعد واحدا من أهم الأعمال البحثية التي عمل مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية على إخراجها في صورة علمية رصينة، تُظهر ما لتراثنا العربي من جذور معرفية عميقة. وأكد عيسى أن هناك مجموعة من الأعمال البحثية والمترجمة ستصدر عن المركز في الأشهر المقبلة تتناول موضوعات تراثية متنوعة.
يقع الكتاب في مجلدين ويتضمن 5 محاور هي: الدراسات العربية الجنوبية، العرب قبل الإسلام، الموارد والمصادر، أعلام، ودراسات في اللغة والأدب. بالإضافة إلى الفهارس التي تضم: فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث النبوية، فهرس الأعلام، فهرس أعلام ملوك العرب قبل الإسلام، فهرس معبودات وأصنام العرب قبل الإسلام، فهرس الأعلام المترجم لهم في الأبحاث، فهرس الكتب، فهرس الأشعار، فهرس الفرق والمذاهب والأديان، فهرس الأمم والقبائل، فهرس الأماكن والبلدان والمواقع، وفهرس الوقائع وأيام العرب.
وفي ندوة حول واقع السرد في الأدب العماني أوضحت الكاتبة العمانية منى حيراس أن الوضع الأدبي في عمان والأقطار العربية تغير كثيرا، فبعد أن كان قاصرا على الشعر تطور ليشمل القصة والرواية وكافة الأشكال الأدبية الأخرى، رغم أن عمر الأدب العماني لا يتجاوز الـ53 سنة، فلم يبتعد الأديب العماني في تلك السنوات عن التاريخ إلا أنه في الآونة الأخيرة أخذت الأعمال الأدبية تتحدث عن المسكوت عنه بالمجتمع العماني كالفوارق الطبقية والسياسة السائدة مؤخرا، واصفة المشهد الأدبي بعمان «بالمشهد الصاعد»..
كما أشارت بشرى خلفان الكاتبة العمانية إلى دور مختبر السرديات العماني وأن هدف المختبر الرئيسي هو التجويد من المنتج السردي العماني والوصول به إلى كافة الأقطار العربية عن طريق 3 محاور رئيسية هي ورش العمل والجلسات النقدية المعنية بمنتج الأدب العماني وإيجاد موقع إلكتروني يعمل كمرجع للسرد العماني والإنتاج السردي العماني.
وتحدث أحمد الكلباني الأديب العماني عن الركيزة الأساسية للأدب وهي القصة سواء كانت قصة قصيرة أو غير ذلك، مشيرا إلى أنه في أول تجربة له قيد النشر يعتمد على «الحكي العشوائي» من قاع المجتمع العماني فيستند إلى الحكاوي والشائعات التي يرددها الناس فيما بينهم محاولا الخروج من الموروث مع إبراز البيئة الشعبية للمجتمع.
كما تناول زهران القاسمي وهو أديب عماني، الشعر كنموذج دمجته السرديات العمانية وسط كافة الألوان الأدبية، فعمان هي المكان الذي كتبه الكتاب على تمهل في كتبهم وتأتي تفاصيله بين أغلفة الكتب، متحدثا عن وجود عمان عالميا ولكن بطريقة غير مباشرة ولكن القارئ عليه عبء البحث وإيجاد الأعمال العمانية.
وفي ندوة حول «الذاكرة السعودية جزء من الذاكرة العربية» أوضح الكاتب والشاعر المصري المقيم بالسعودية أحمد سماحه أن الأدب السعودي بدأ فعليا في عهد الملك عبد العزيز، فكانت الكتب قديما تطبع في مصر إلى أن دخلت أول مطبعة للسعودية ووضعت في مكة، كما كانت تكتب الأدبيات على استحياء إلى أن تعمق الأدب السعودي وتطرق إلى الجوانب المجتمعية كالاقتصاد والسياسة وغيرها من الجوانب والمجالات، مشيرا إلى أن الرواية السعودية اتسعت بيئتها نتيجة للتطور الحادث في المجتمع.
كما تحدثت الأديبة السعودية أميمه زاهد عن تطور الأدب السعودي المعاصر ليشمل المعوقات والمشكلات الحياتية، وقالت إنها تركز في كتاباتها على علاقة المرأة بالرجل منذ بدأت الكتابة مما عرضها لكثير من المضايقات ولكنها تغلبت على كل ذلك بفضل دعم أسرتها بعد ذلك عملت مدرسة ولكنها لم تجد ذاتها بالتدريس فقررت المجيء والعيش في القاهرة حتى تتثنى لها الفرصة في إثراء الكتب من أدبها.
كما تحدث الشاعر السعودي سالم العميري، مشيرا إلى أن الذاكرة السعودية هي جزء لا يتجزأ من الذاكرة العربية، فدائما كان الأدب السعودي متصلا بالتراث، والدليل على ذلك هو الانفتاح والتطور الحادث في مجال الأدب، فضلا عن تشجيع الدولة للفكر والإبداع، وذكر أن الملك سلمان منح كل ناد أدبي 10 ملايين ريال مما أدى إلى التوسع الأدبي للسعودية.
والتقى جمهور المعرض في أمسية شعرية عربية ضمت 15 شاعرا من 10 دول عربية، وتفاعل الجمهور مع الشعراء الذين جسدت أغلب قصائدهم الهم العربي الراهن.
وحول «مصداقية الإعلام العربي.. هل ما زالت موجودة؟»، شهد المعرض ندوة ساخنة، شارك فيها الدكتور فوزي عبد الغني عميد كلية الإعلام بجامعة فاروس بالإسكندرية، والدكتور خالد عزب رئيس قطاع المشروعات بمكتبة الإسكندرية، وحسين دعسة مدير تحرير جريدة «الرأي» الأردنية.
أوضح عبد الغني أن الدساتير في كل دول العالم بها ضمانة حرية التعبير وحرية الإعلام دون قيود أو رقابة، ولكن بما لا يخالف بعض الضوابط في القوانين التي تحذر من انتهاك الحرمة الخاصة أو السب أو القذف، ومن هنا تأتي وضعية مناقشة قضية المصداقية، حيث إن التنافس الإعلامي أصبح ضخما جدا ووسائل الإعلام متعددة، خاصة مع ظهور الإعلام الخاص أو إعلام رجال الأعمال وإعلام الدول وإعلام الأحزاب وإعلام الإنترنت الذي ظهر فيه ما يسمى بالصحافي المواطن.
وأشار الدكتور خالد عزب إلى أن تعريف الإعلام، وفقا لـBBC أكاديمي، هو فن سيطرة الأقلية على الأغلبية، وكلما كان لهذه الأقلية القدرة على توجيه الأغلبية والسيطرة على عقلها كان هذا الإعلام ناجحا بصورة كبيرة، فلا يوجد ما يسمى بالإعلام المحايد، ولكنه يكون موجها بصورة كبيرة ويعبر إما عن ثقافة المجتمع أو توجه الدولة أو مالكي الأدوات الإعلامية.
وأكد عزب على أن الإعلام لا بد أن يمتلكه المجتمع ولا يمتلكه أفراد أو دول أو غيرها، وأن هناك حقوقا للمستهلك والمشاهد على وسائل الإعلام، ففي المنطقة العربية لا يوجد أي حق للمشاهد، وبالتالي فالشركات التجارية مثلا تدمر الثقافة العربية تدميرا مستمرا بمحاولة تسطيح هذه الثقافة عن طريق وضع إعلاناتها بصورة كبيرة في برامج مسابقات الأغاني التي لا تنتهي في المنطقة العربية أو في مسابقات وهمية تجري إشاعاتها في الوطن العربي، فهذا يعني أننا ليس لدينا ثقافة حقيقية من الأساس.
وحذر عزب من خطورة سيطرة الإعلام في تشكيل رأي المجتمع بصورة كبيرة، حيث اتجهت الولايات المتحدة، وأعقبتها ألمانيا والصين وروسيا إلى تكوين وحدات خاصة داخل جيوشها تتعلق بحرب المعلومات وتحليلها وبثها عبر الإنترنت أو التلفزيون، والتي تُظهر قوة الولايات المتحدة في الحروب، وبالتالي سيطرة الجيش الأميركي هي سيطرة الرعب على المشاهد عبر وسائل الإعلام الأميركية.
وأوضح حسين دعسة أننا نعيش في عالم من التشتت الإعلامي والفكري والثقافي تقوده مؤسسات واضحة الرؤية، فلا يستطيع التلفزيون الأردني على سبيل المثال أن يمنع إذاعة إعلانات المنتجات في وسط نشرة الأخبار، لأنها تشتريها بالكامل، فهناك مظلات قوية جدا تسيطر على سيادة المنتج الوطني، وإذا أردنا تحسين ذلك في المستقبل فسنصبح أمام مواجهات قانونية. كما أن أكاديميات الإعلام تعاني الآن من الغزو الذي تبثه شركات تدعي أنها تمتلك حقوق كليات إعلام في نيويورك أو شيكاغو والتي غزت الأردن وهي كليات مستقلة ولكنها تدرس الإعلام بالطرق الغربية، وبالتالي يكون لها تأثير على كل مسار الدولة.
وأكد دعسة على أن المسلسلات التركية عبارة عن إعلام موجه يحمل رؤى معينة لها علاقة ببناء المجتمعات وبناء الأسرة والدولة، ولها علاقة بتركيا الحديثة، بالإضافة إلى دبلجة الكثير من المسلسلات التي لها علاقة بتاريخ الدولة العثمانية تحديدا، ومع الأسف دول الخليج بدأت في تقليد هذه المسلسلات ضمن نفس الرؤى، مما يؤثر على مصداقية كل شيء في العالم العربي، حيث نصبح إزاء حقائق مزيفة أو إخفاء الحدث بالكامل، وبالتالي تضيع المصداقية بالكامل.
في دورته الـ11.. برنامج ثقافي متنوع بمعرض مكتبة الإسكندرية للكتاب
ناقش «الذاكرة السعودية» و«السرد العماني» و«مصداقية الإعلام العربي» وكتاب «السراب»
جانب من المعرض
في دورته الـ11.. برنامج ثقافي متنوع بمعرض مكتبة الإسكندرية للكتاب
جانب من المعرض
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


