التربية الجمالية قد تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً

التربية الجمالية قد تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً

«الدفاع عن أحكام القيمة» لمايكل كلون
الثلاثاء - 18 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 23 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15701]

نيت كلوغ ترجمة: سعد البازعي


ما الفرق الذي تحدثه التجربة الجمالية في تشكيل هويتنا؟ إن كنت قد شعرت يوماً بأن كتاباً أو لوحة تركت أثراً عميقاً عليك، فأنت تعرف أي صعوبة تكمن في تفسير ذلك الشعور لصديق، أو أن تربط ذلك الشعور بالجوانب الأخرى من حياتك. ومع ذلك فليس لديك شك في أن التجربة قد غيرتك. أو أن التجربة، كما قد يعبر مايكل كلون، تركتك راغباً في أن تكون شخصاً آخر. «عليك أن تغير حياتك» يقول الشاعر ريلكه في نهاية قصيدته حول النظر إلى تمثال «جذع متهالك لأبولو». لكن كيف يكون التغيير؟ يطرح كلون في كتابه «دفاعاً عن الحكم» رؤية للتربية الجمالية بوصفها هدفاً بحد ذاته، هدفاً غنياً بالتحول الشخصي الكامن، والخالي مع ذلك من الإملاء الأخلاقي الذي نربطه أحياناً بمواجهاتنا مع الفن أو الأدب.

في عمود نشر العام الماضي في «نيويورك تايمز» بعنوان «القيامة الأكاديمية» يشير روس دوذات إلى كلون لدعم موقفه المتأسي لكون أساتذة الأدب لم يعودوا يقدمون أحكاما قيمة حول الأدب. يقول دوذات إن الإنسانويين صنعوا «تجريداً من السلاح أحادي الجانب في تسابقهم على كسب عواطف الطلاب وعقولهم»، مبتعدين عن التقييم وعارضين حقلهم الأكاديمي من خلال مناهج وإجراءات نقدية. الطلاب الذين يتخصصون في اللغة الإنجليزية يتخرجون ومعهم أدوات تمكنهم من تطوير حجاج معقد لكن بلا قناعات حول السبب وراء قراءة كاتب ما دون غيره.

في كتاب كلون الجديد حجاج مشابه، لكن ما يجعل «دفاعاً عن الحكم» مدهشاً وأحياناً مثيراً هو الكيفية التي يروي بها كلون نقده لممارسات سياسية تقدمية ومناهضة للرأسمالية. يقدم الأدب، بالنسبة لكلون، «لوناً من ألوان القيمة يتجاوز ما تقرره السوق». تَعِد الرأسمالية المستهلك بسلسلة لا نهاية لها من التغيرات التي تحكمها وتؤكدها ما تختاره هي – تغيرات طفيفة لا تعد تغيرات تذكر لأنها تعكس تفضيلاتها القائمة - التربية الجمالية، التي «يعلق فيها المرء قيمه الحالية متوقعاً اكتساب قيم أفضل»، يمكن أن تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً.

لكي يحدث التغيير لابد من الحكم. وفي خطوة حاسمة ضمن محاججته يرفض كلون المقترح القائل إنه يجب النظر إلى كل الرغبات على أنها متساوية، الفكرة التي تتحرك عبر أسواق أمازون وأقسام الإنسانيات دون فرق. انتصار الرأسمالية – ونظريات الاقتصادات الاتباعية الجديدة – عند نهاية القرن التاسع عشر أدى إلى مجتمع يكون فيه مصدر القيمة الوحيد المتفق عليه هو التفضيلات الفردية. رغبتي في رواية لتوني موريسون أو برنامج مشاهد بكثافة على نتفلكس ليس أكثر أو أقل مما تفضله أنت، وأن يصر أحد على أنه قد تكون هناك طريقة «أفضل» لتمضية الوقت أو صرف المال تبدو متعالية أو أبوية.

يتكئ كلون على «نقد مشروع غوته» لكارل ماركس «وهو مشروع سياسي ألماني للإصلاح السياسي والاقتصادي لا علاقة له بالشاعر المعروف غوته» وذلك لكي يجادل في أن كفاحنا المعاصر ضد عدم المساواة «لا يمكن أن يتقدم من خلال التمسك بمبادئ المساواة». النظر إلى كل الرغبات الإنسانية بوصفها متساوية يجعل من الصعب علينا أن نميز بين المنتجات الاستهلاكية التي يتسبب إنتاجها في تدمير الأرض والمنتجات (مثل وقت الفراغ الذي نقضيه في قراءة القصائد) التي قد تمكننا من الازدهار.

لكي يُبرز القسم الأول من الفصل الأول من الكتاب، يعود كلون إلى ماركس ليناقش حجج مارتن هاغلوند في كتابه «هذه الحياة» (2019)، الذي رسم خطاً مستقيماً وإن كان مرهفاً بين «العقيدة الدنيوية» والاشتراكية الديمقراطية. يرى كلون أن التزام هاغلوند الآيديولوجي بالمساواة على نحو يتجاوز الحكم ويتعارض معه يفسد في نهاية الأمر مشروعه الاشتراكي، بما أن «التمييز بين الطرق الأجود والأسوأ في تمضية وقتنا شرط مسبق لتحقيق رؤية متماسكة لعالم من العمل المختلف».

قد لا يتوقع من كتاب يدافع عن الحكم أن يمنح الحيرة مكانة رفيعة. لكن إحدى ركائز رؤية كلون للتربية الجمالية تصور راسخ لما يسميه، حسب عبارة [الشاعر الإنجليزي الرومانسي] جون كيتس، «الاستطاعة السلبية». صاغ كيتس هذه العبارة في رسالة كان يحاول فيها التعبير عما رآه أكثر جدارة بالإعجاب لدى شكسبير: القدرة على «أن يكون بين أسباب الحيرة وألوان الغموض والشكوك، دون أي محاولة انفعالية للوصول إلى الحقيقة والعقل». على خطى الفيلسوفة أغنيس كالارد، يطبق كلون هذا المكون الأساسي للإبداع الشعري على التعليم بصفة عامة. حسب كالارد، في التربية الجمالية «لا يقوم [المعلمون] بإقناع [الطلاب] بشيء يريدونه مسبقاً؛ إننا بدلاً من ذلك نحاول مساعدتهم على أن يريدوا شيئاً». بمجرد قبول الطالب بأن بعض الرغبات قد تكون أكثر أهمية من غيرها، فإنه يمكنها أن تتطلع إلى تشكيل ذات، اعتناق الحيرة والغموض على درب الاكتشاف.

يتألف «دفاعاً عن الحكم» من ثلاثة أقسام بثلاثة أهداف مختلفة. يلخص الفصلان الأولان الأطروحة العامة. يأتي بعد ذلك فصلان عنوانهما «الحكم والخبرة: 1: الانتباه والاشتمال» و«الحكم والخبرة 2: المفاهيم والمعايير». هذا القسم الثاني مليء بالتأملات في واقع أقسام اللغة الإنجليزية والنقد الأدبي، وهو أقل ما أعجبني في الكتاب. ومع ذلك، فإن دفاع كلون عن الخبرة الأكاديمية يستحق التأمل. الخبراء هم أولئك «الذين يعرفون أكثر مما يستطيعون الحديث عنه»، ونحن بحاجة إلى الخبراء القادرين على صياغة أنموذج لطريقة طموح ومترددة في الحكم لكي ننتج بديلاً لـ«المساواة الدوغمائية» في النظام القيمي الذي صنعته الرأسمالية، حيث يتصرف كل شخص بوصفه مرجعاً لنفسه.

الفصول الثلاثة في القسم الأخير من الكتاب، «ممارسة الحكم»، يتيح قراءات مدققة لنصوصٍ لإميلي ديكنسون، توماس بيرنارد، وغويندولين بروكس. لم تتضح لي صلة هذه الفصول بمناقشات كلون التي سبقتها – إذا استثنينا أنها نماذج للحكم الأساسي في التفسير الأدبي – لكن كلاً منها يتتبع مساراً مثيراً للتفكير. الفصل المتعلق بغويندولين بروكس، «الانتماء العرقي يجعل الطبقة واضحة»، يتفرد في حجاجه القائم على المفارقة المتمثلة في أن قصيدتين شهيرتين لبروكس تتعمدان إخفاء دينامية العرق لكي توضحا لنا كم نخسر حين لا نستدعي العرق في تحليلنا الاجتماعي.

تبدو المفارقة أساسية لطريقة كلون في التعامل مع العالم. إنه أيضاً مؤلف مذكرات مضحكة ومخيفة حول العقد الذي أمضاه مدمناً على الهيروين، وكتاب سبقه في النقد عنوانه «الكتابة ضد الزمن» يركز فيه على قصائد وروايات تستعمل فيها الأطر الزمنية لتحدي قبضة الزمن.

في القلب من كتابات كلون ثمة نفاد صبر نازع نحو الأشياء النهائية. إنه لا يخرج ليعلنه في «دفاعاً عن الحكم»، لكن يبدو من المحتمل أن الأدب أنقذ حياته عدة مرات. «تمنحني التربية الجمالية، برفضها أن تكون كل التفضيلات متساوية، سبباً لكي أتشكك حيال قيمي الوجودية... إننا نختار الحكم بدلاً من المساواة حين نواجه طلابنا وجمهورنا ونقول: سنريكم طريقة أفضل للعيش».

أثناء قراءتي لـ«دفاعاً عن الحكم» توقفت أمام احتمال أن تكون الفروقات الدقيقة غير البدهية في حجج كلون معيْنة للأشخاص الليبراليي التدين الذين يجدون أنفسهم أحياناً يدافعون عن انتمائهم إلى دين معين ضد تهم يمكن تفهمها بأنهم ضيقو الأفق. لقد كتب كلون، البوذي، في مكان آخر عن ممارسته الدينية وتأثيرها الخاص على تجربته: «إنني أتأمل يومياً، مراقباً، كما في المقولة المعروفة في (فلسفة) الزن، أفكاري وحياتي وهي تموت وتولد مئات المرات في دقيقة... بعدئذٍ، إن كنت أقرأ أو أكتب أو أمشي في المرتفعات أو أتمشى مع شريكي (شريكتي)، فإن تجربتي تتباعد عن تدخل من ذاتي. أحضر بصورة أقل، كما يبدو، في تلك التجارب». لماذا التأمل بانتظام، أو الذهاب للكنيسة أسبوعاً بعد أسبوع، بدلاً من جمع أفكار روحية لتكون نماذج من الثقافة على مستوى أكثر عمومية؟ إن اختياراً يبدو مقيداً قد يمكّن من البحث المكثف المطلوب للتغير. هدف المسيحية هو جعل الإنسان مختلفاً، كما قال فتغنشتاين. هنا، كما في الوضع المثالي للتربية الجمالية لدى كلون، يمكن للحكم أن يقود باتجاه الحيرة المانحة للطاقة في عمل حياة بأكملها.

يقر كلون في بداية كتابه بأنه لا يدعو إلى «تغير جذري» لممارسة النقاد والأساتذة أو أي شخص آخر يحب الكتب أو الفن. هو بدلاً من ذلك يحاول أن يساعدنا على أن نكون صادقين حول ما يحدث حين تتحول مواجهة للفن أو الأدب إلى تعثر في نظامنا العصبي، مواجهة تقودنا إلى مزيد من الاكتشافات، وربما أرغمتنا على ترك ذواتنا السابقة. يكتب الشاعر فرانك بيدارت أن «كل شيء مصنوع مصنوع من/ رفضه: أولئك الذين يأتون لاحقاً يجعلونه جديداً/ برفض رفضه». النظر إلى الحكم من هذه الزاوية يجعله سمة لا يمكن تفاديها لأكثر تجاربنا الجمالية عمقاً، فيقودنا إلى الأعمق والأبعد مما كنا سنذهب إليه من دون ذلك.


* عن مجلة «كومون ويل»


Art

اختيارات المحرر

فيديو