التربية الجمالية قد تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً

«الدفاع عن أحكام القيمة» لمايكل كلون

مايكل كلون
مايكل كلون
TT

التربية الجمالية قد تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً

مايكل كلون
مايكل كلون

نيت كلوغ ترجمة: سعد البازعي

ما الفرق الذي تحدثه التجربة الجمالية في تشكيل هويتنا؟ إن كنت قد شعرت يوماً بأن كتاباً أو لوحة تركت أثراً عميقاً عليك، فأنت تعرف أي صعوبة تكمن في تفسير ذلك الشعور لصديق، أو أن تربط ذلك الشعور بالجوانب الأخرى من حياتك. ومع ذلك فليس لديك شك في أن التجربة قد غيرتك. أو أن التجربة، كما قد يعبر مايكل كلون، تركتك راغباً في أن تكون شخصاً آخر. «عليك أن تغير حياتك» يقول الشاعر ريلكه في نهاية قصيدته حول النظر إلى تمثال «جذع متهالك لأبولو». لكن كيف يكون التغيير؟ يطرح كلون في كتابه «دفاعاً عن الحكم» رؤية للتربية الجمالية بوصفها هدفاً بحد ذاته، هدفاً غنياً بالتحول الشخصي الكامن، والخالي مع ذلك من الإملاء الأخلاقي الذي نربطه أحياناً بمواجهاتنا مع الفن أو الأدب.
في عمود نشر العام الماضي في «نيويورك تايمز» بعنوان «القيامة الأكاديمية» يشير روس دوذات إلى كلون لدعم موقفه المتأسي لكون أساتذة الأدب لم يعودوا يقدمون أحكاما قيمة حول الأدب. يقول دوذات إن الإنسانويين صنعوا «تجريداً من السلاح أحادي الجانب في تسابقهم على كسب عواطف الطلاب وعقولهم»، مبتعدين عن التقييم وعارضين حقلهم الأكاديمي من خلال مناهج وإجراءات نقدية. الطلاب الذين يتخصصون في اللغة الإنجليزية يتخرجون ومعهم أدوات تمكنهم من تطوير حجاج معقد لكن بلا قناعات حول السبب وراء قراءة كاتب ما دون غيره.
في كتاب كلون الجديد حجاج مشابه، لكن ما يجعل «دفاعاً عن الحكم» مدهشاً وأحياناً مثيراً هو الكيفية التي يروي بها كلون نقده لممارسات سياسية تقدمية ومناهضة للرأسمالية. يقدم الأدب، بالنسبة لكلون، «لوناً من ألوان القيمة يتجاوز ما تقرره السوق». تَعِد الرأسمالية المستهلك بسلسلة لا نهاية لها من التغيرات التي تحكمها وتؤكدها ما تختاره هي – تغيرات طفيفة لا تعد تغيرات تذكر لأنها تعكس تفضيلاتها القائمة - التربية الجمالية، التي «يعلق فيها المرء قيمه الحالية متوقعاً اكتساب قيم أفضل»، يمكن أن تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً.
لكي يحدث التغيير لابد من الحكم. وفي خطوة حاسمة ضمن محاججته يرفض كلون المقترح القائل إنه يجب النظر إلى كل الرغبات على أنها متساوية، الفكرة التي تتحرك عبر أسواق أمازون وأقسام الإنسانيات دون فرق. انتصار الرأسمالية – ونظريات الاقتصادات الاتباعية الجديدة – عند نهاية القرن التاسع عشر أدى إلى مجتمع يكون فيه مصدر القيمة الوحيد المتفق عليه هو التفضيلات الفردية. رغبتي في رواية لتوني موريسون أو برنامج مشاهد بكثافة على نتفلكس ليس أكثر أو أقل مما تفضله أنت، وأن يصر أحد على أنه قد تكون هناك طريقة «أفضل» لتمضية الوقت أو صرف المال تبدو متعالية أو أبوية.
يتكئ كلون على «نقد مشروع غوته» لكارل ماركس «وهو مشروع سياسي ألماني للإصلاح السياسي والاقتصادي لا علاقة له بالشاعر المعروف غوته» وذلك لكي يجادل في أن كفاحنا المعاصر ضد عدم المساواة «لا يمكن أن يتقدم من خلال التمسك بمبادئ المساواة». النظر إلى كل الرغبات الإنسانية بوصفها متساوية يجعل من الصعب علينا أن نميز بين المنتجات الاستهلاكية التي يتسبب إنتاجها في تدمير الأرض والمنتجات (مثل وقت الفراغ الذي نقضيه في قراءة القصائد) التي قد تمكننا من الازدهار.
لكي يُبرز القسم الأول من الفصل الأول من الكتاب، يعود كلون إلى ماركس ليناقش حجج مارتن هاغلوند في كتابه «هذه الحياة» (2019)، الذي رسم خطاً مستقيماً وإن كان مرهفاً بين «العقيدة الدنيوية» والاشتراكية الديمقراطية. يرى كلون أن التزام هاغلوند الآيديولوجي بالمساواة على نحو يتجاوز الحكم ويتعارض معه يفسد في نهاية الأمر مشروعه الاشتراكي، بما أن «التمييز بين الطرق الأجود والأسوأ في تمضية وقتنا شرط مسبق لتحقيق رؤية متماسكة لعالم من العمل المختلف».
قد لا يتوقع من كتاب يدافع عن الحكم أن يمنح الحيرة مكانة رفيعة. لكن إحدى ركائز رؤية كلون للتربية الجمالية تصور راسخ لما يسميه، حسب عبارة [الشاعر الإنجليزي الرومانسي] جون كيتس، «الاستطاعة السلبية». صاغ كيتس هذه العبارة في رسالة كان يحاول فيها التعبير عما رآه أكثر جدارة بالإعجاب لدى شكسبير: القدرة على «أن يكون بين أسباب الحيرة وألوان الغموض والشكوك، دون أي محاولة انفعالية للوصول إلى الحقيقة والعقل». على خطى الفيلسوفة أغنيس كالارد، يطبق كلون هذا المكون الأساسي للإبداع الشعري على التعليم بصفة عامة. حسب كالارد، في التربية الجمالية «لا يقوم [المعلمون] بإقناع [الطلاب] بشيء يريدونه مسبقاً؛ إننا بدلاً من ذلك نحاول مساعدتهم على أن يريدوا شيئاً». بمجرد قبول الطالب بأن بعض الرغبات قد تكون أكثر أهمية من غيرها، فإنه يمكنها أن تتطلع إلى تشكيل ذات، اعتناق الحيرة والغموض على درب الاكتشاف.
يتألف «دفاعاً عن الحكم» من ثلاثة أقسام بثلاثة أهداف مختلفة. يلخص الفصلان الأولان الأطروحة العامة. يأتي بعد ذلك فصلان عنوانهما «الحكم والخبرة: 1: الانتباه والاشتمال» و«الحكم والخبرة 2: المفاهيم والمعايير». هذا القسم الثاني مليء بالتأملات في واقع أقسام اللغة الإنجليزية والنقد الأدبي، وهو أقل ما أعجبني في الكتاب. ومع ذلك، فإن دفاع كلون عن الخبرة الأكاديمية يستحق التأمل. الخبراء هم أولئك «الذين يعرفون أكثر مما يستطيعون الحديث عنه»، ونحن بحاجة إلى الخبراء القادرين على صياغة أنموذج لطريقة طموح ومترددة في الحكم لكي ننتج بديلاً لـ«المساواة الدوغمائية» في النظام القيمي الذي صنعته الرأسمالية، حيث يتصرف كل شخص بوصفه مرجعاً لنفسه.
الفصول الثلاثة في القسم الأخير من الكتاب، «ممارسة الحكم»، يتيح قراءات مدققة لنصوصٍ لإميلي ديكنسون، توماس بيرنارد، وغويندولين بروكس. لم تتضح لي صلة هذه الفصول بمناقشات كلون التي سبقتها – إذا استثنينا أنها نماذج للحكم الأساسي في التفسير الأدبي – لكن كلاً منها يتتبع مساراً مثيراً للتفكير. الفصل المتعلق بغويندولين بروكس، «الانتماء العرقي يجعل الطبقة واضحة»، يتفرد في حجاجه القائم على المفارقة المتمثلة في أن قصيدتين شهيرتين لبروكس تتعمدان إخفاء دينامية العرق لكي توضحا لنا كم نخسر حين لا نستدعي العرق في تحليلنا الاجتماعي.
تبدو المفارقة أساسية لطريقة كلون في التعامل مع العالم. إنه أيضاً مؤلف مذكرات مضحكة ومخيفة حول العقد الذي أمضاه مدمناً على الهيروين، وكتاب سبقه في النقد عنوانه «الكتابة ضد الزمن» يركز فيه على قصائد وروايات تستعمل فيها الأطر الزمنية لتحدي قبضة الزمن.
في القلب من كتابات كلون ثمة نفاد صبر نازع نحو الأشياء النهائية. إنه لا يخرج ليعلنه في «دفاعاً عن الحكم»، لكن يبدو من المحتمل أن الأدب أنقذ حياته عدة مرات. «تمنحني التربية الجمالية، برفضها أن تكون كل التفضيلات متساوية، سبباً لكي أتشكك حيال قيمي الوجودية... إننا نختار الحكم بدلاً من المساواة حين نواجه طلابنا وجمهورنا ونقول: سنريكم طريقة أفضل للعيش».
أثناء قراءتي لـ«دفاعاً عن الحكم» توقفت أمام احتمال أن تكون الفروقات الدقيقة غير البدهية في حجج كلون معيْنة للأشخاص الليبراليي التدين الذين يجدون أنفسهم أحياناً يدافعون عن انتمائهم إلى دين معين ضد تهم يمكن تفهمها بأنهم ضيقو الأفق. لقد كتب كلون، البوذي، في مكان آخر عن ممارسته الدينية وتأثيرها الخاص على تجربته: «إنني أتأمل يومياً، مراقباً، كما في المقولة المعروفة في (فلسفة) الزن، أفكاري وحياتي وهي تموت وتولد مئات المرات في دقيقة... بعدئذٍ، إن كنت أقرأ أو أكتب أو أمشي في المرتفعات أو أتمشى مع شريكي (شريكتي)، فإن تجربتي تتباعد عن تدخل من ذاتي. أحضر بصورة أقل، كما يبدو، في تلك التجارب». لماذا التأمل بانتظام، أو الذهاب للكنيسة أسبوعاً بعد أسبوع، بدلاً من جمع أفكار روحية لتكون نماذج من الثقافة على مستوى أكثر عمومية؟ إن اختياراً يبدو مقيداً قد يمكّن من البحث المكثف المطلوب للتغير. هدف المسيحية هو جعل الإنسان مختلفاً، كما قال فتغنشتاين. هنا، كما في الوضع المثالي للتربية الجمالية لدى كلون، يمكن للحكم أن يقود باتجاه الحيرة المانحة للطاقة في عمل حياة بأكملها.
يقر كلون في بداية كتابه بأنه لا يدعو إلى «تغير جذري» لممارسة النقاد والأساتذة أو أي شخص آخر يحب الكتب أو الفن. هو بدلاً من ذلك يحاول أن يساعدنا على أن نكون صادقين حول ما يحدث حين تتحول مواجهة للفن أو الأدب إلى تعثر في نظامنا العصبي، مواجهة تقودنا إلى مزيد من الاكتشافات، وربما أرغمتنا على ترك ذواتنا السابقة. يكتب الشاعر فرانك بيدارت أن «كل شيء مصنوع مصنوع من/ رفضه: أولئك الذين يأتون لاحقاً يجعلونه جديداً/ برفض رفضه». النظر إلى الحكم من هذه الزاوية يجعله سمة لا يمكن تفاديها لأكثر تجاربنا الجمالية عمقاً، فيقودنا إلى الأعمق والأبعد مما كنا سنذهب إليه من دون ذلك.

* عن مجلة «كومون ويل»



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».