حمدي الجزار: أحيا كشاهد على البشر وغايتي لحظة بهجة في خطواتهم

الروائي المصري يرى أن المرأة خالقة الصراع ومن دونها لا دراما ممكنة

الكاتب حمدي الجزار
الكاتب حمدي الجزار
TT

حمدي الجزار: أحيا كشاهد على البشر وغايتي لحظة بهجة في خطواتهم

الكاتب حمدي الجزار
الكاتب حمدي الجزار

لا ينزعج الكاتب الروائي حمدي الجزار من ملاحظة البعض قلة إنتاجه، ويؤكد أنه يكتب يومياً ولا ينشر سوى ما يحب، وأن ما يعنيه هو الكيف والإضافة الجمالية. فاز بأكثر من جائزة عن أعماله، وتُرجم بعضها إلى عدة لغات أجنبية، وينفي أنه يكتب وعينه على الجوائز، ويقول: «كل ما أتطلع إليه هو اقتناص لحظة بهجة في سلوك البشر ودراما حياتهم». لدى الجزار شغف خاص بتصوير الحارة الشعبية وتلعب النساء دوراً محورياً في رواياته... هنا حوار معه حول عالمه الأدبي وهموم الكتابة.

> رغم الاحتفاء الذي حظيت به روايتك الأولى «سحر أسود» فإنك لم تصدر بعدها سوى روايتين عبر نحو 16 عاماً، كيف ترى هذه المفارقة؟
- لا توجد أي مفارقة. صدرت روايتي الأولى عام 2005 وبعدها بثلاث سنوات صدرت «لذّات سرية» ثم قامت ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وتغيّرت مصر، فانشغلتُ بكتابة قصص نُشرت أسبوعياً في كبرى الصحف والمجلات، ثم كتبت «كتاب السطور الأربعة» في جزأين، صدر الأول في 2012 وكاملاً في 2014، وصدرت روايتي الثالثة «الحريم» في أواخر 2014، وانشغلتُ بعدها بكتابة رواية هي الأطول بين أعمالي، فاستغرقتُ سنوات أطول من المعتاد.
يشير السؤال إلى مفهوم «الاحتفاء»، والذي يتصور البعض أنه دافع رئيسي لكتابة عمل جديد، أعتقد أن الكتابة نفسها هي الاحتفاء الجوهري، الذي لا يساويه أي احتفاء آخر، نحن جميعاً نحب أن نقطف ثمرة عملنا، ولكن إذا رهن كاتب نفسه بذلك ضاع، ونضب معين إبداعه الأصلي. بالنسبة إليّ لا توجد غاية خارج العمل الأدبي نفسه، وليس وسيلة لشيء آخر، وحده يكفيني ويهبني الفرح، وهو حياتي الجوهرية، أحيا كشاهد على حياة البشر، وكل ما يجري للجنس البشري، وأكتب للجميع.
> هل أنت مقلٌّ في إنتاجك على غرار أدباء كبار مثل الطيب صالح، وإبراهيم أصلان وغيرهما؟
- كتبت قصة قصيرة وعمري 12 عاماً، ونشرت أول قصة وأنا طالب في العشرين، ونشرتُ رواية «سحر أسود» وأنا في الخامسة والثلاثين، كان الطريق إلى الثقة في قيمة ما أكتب طويلاً، لكنني لست مقلاً في الكتابة، أكتب يومياً منذ زمن طويل، ولا أنشر سوى ما أحب، ولديّ عشرات قصص لم تُجمع في كتب بعد، ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الكيف والإضافة الفنية والجمالية.
لم يقصد الطيب صالح أن يكون مقلاً بل شغلته عن الكتابة أشياء أخرى. إبراهيم أصلان ذكر في أحد حواراته أنه نادم لأنه لم يكتب أكثر، هما كاتبان حقيقيان تحريا الكيف، وأعمالهما ما زالت حية وممتعة. وقبل كل شيء الكتابة هي الحرية المطلقة، أن تكتب عملاً، أن تُظهر عالماً للوجود، أو أن تحجبه وتتوقف عن إظهار شخصيات وأحداث وعالم روائي، وفي الحالتين يبقى الكاتب هناك، موجوداً وتبقى الرواية معه، كامنة لكنها قابلة للظهور في أي وقت.
> كيف ترى في المقابل التجارب الروائية التي تتسم بالغزارة في الإنتاج؟
- كنت أتحدث مرة مع الروائي خيري شلبي عن هذه «الغزارة في الإنتاج» فقال: «الغزارة ابنة الموهبة». خيري شلبي بالطبع يشير إلى تجربته، والعبارة أعجبتني، إنها في فهمي تعني القدرة على الكتابة في كل وقت ومكان، الموهبة تعني حضور الكاتب في الشخص، واستعداده الدائم للإبداع.
> في روايتك «الحريم» تحفر عميقاً داخل نسيج الحارة المصرية والحي الشعبي، ألا ترى أن تلك «المنطقة» قد قُتلت بحثاً على يد نجيب محفوظ؟ ما الجديد الذي حاولت أن تضيفه إذن؟
- إذا كان الحفر عميقاً فلماذا لا نحفر؟! كل رواية يجب أن تدور أحداثها في مكان ما، وقبل أن أكتب «الحريم» كتبت رواية تاريخية عن «أحمد بن طولون» أول من استقل بمصر عن الدولة العباسية، عدت إلى مصادر تراثية كثيرة، وأتممت المخطوط في نحو عامين ثم لم يعجبني، ولم أنشر منه شيئاً، بعدها بدأت كتابة «الحريم»، وجعلت الرواية تدور في «طولون»، لم أستعن بالمخطوط الأول لكنه حاضر بين السطور وخلفها، كما إنني عشت لسنوات في مناطق متعددة تتسم بالعراقة التاريخية مثل حي «السيدة زينب» و «المنيرة»، غالباً يحضر المكان الذي أعيش فيه في الرواية التي أكتبها، أحب أن أبقى قريباً. هناك شيء آخر مهم؛ نحن نتحدث عن مكان أدبي وليس المكان الجغرافي الذي يعرفه الناس، المكان الأدبي هو ما يصفه ويرسمه الروائي في عمله وإن اتّخذ اسماً له صلة بواقع جغرافي معين، تماماً مثلما قد تشير بعض شخصيات رواية إلى ناس خارجها، الرواية عالم مكتمل بذاته وخيالي، ورغم ذلك يملك القدرة على النفاذ إلى أعماق الحياة الإنسانية.
الحارة المصرية حاضرة في جلّ أعمال نجيب محفوظ، لكن أي حارة نعني؟ إنها حارة أدبية، أي مكان متخيَّل، وحي نجيب محفوظ الشعبي ليس المكان الواقعي، فالروائي لا يقدم جغرافيا وتقريراً، إنه يخلق مكاناً تحيا فيه شخصياته، وبالطبع سيختلف عن كل ما يمكن أن يكتبه روائي آخر عن مكان يحمل الاسم نفسه. الذي يعرف القاهرة جيداً يعرف أن حياتها الأساسية في أحيائها الشعبية، والتي تقطنها الغالبية العظمى من المصريين، وإن كنت مهتماً بحياة الناس فلا بد لي أن أوجدهم في هذا الأماكن.
المكان الذي تدور فيه «الحريم» ليس من ضمن الأماكن التي أوجدها نجيب محفوظ، مثل أحياء الحسين وخان الخليلي والعباسية أماكنه المفضلة، الحريم تدور في طولون، في موقع أقرب إلى يحيى حقي في رواية «قنديل أم هاشم» وغيرها، وهذا لا يعني شيئاً، لأن المكان متخيَّل وقوة التخيل هي ما تجعله حقيقياً، يشبه الأماكن التي نعرفها ونعيش فيها حياتنا اليومية. أما الجديد الذي حاولت إضافته فهو مهمة النقد.
> ما سر هذا الحضور المهيمن للمرأة في أعمالك؟
- لا توجد رواية بلا شخصيات نسائية، ولا فيلم أو مسرحية، ولا دراما ممكنة بغير المرأة، فهي خالقة الصراع في أي سرد، منها تبدأ الرواية وتنتهي، فالعلاقة جوهرية بين حضور الشخصية النسائية والشكل الروائي نفسه. ولعلكِ تقصدين حضورها المهيمن في «الحريم» بوجه خاص، لأن عنوان كل فصل باسم امرأة: «روحية، لوزة، بطة، رانيا»... هذه تجربة خاصة في الشكل الروائي والسرد، وفي هذه الرواية بعينها، بينما تظهر في أعمالي الأخرى كبطلة مكافئة للرجل.
> يرى البعض أنك تتعمد شد القارئ من خلال عناوين ذات جاذبية تجارية كما في «الحريم» و«لذّات سرية»؟
- لا أتعمد شيئاً من هذا القبيل، لأن القارئ نفسه ليس موجوداً لديّ عند الكتابة، حين أكتب أكون وحيداً تماماً، بلا قارئ أو ناقد أو ناشر، الحاضر هو العمل وحده، ويأتي عنوان العمل كما يأتي العمل نفسه، أحياناً أبدأ بعنوان ثم أغيّره مرات، وأحياناً يبقى العنوان الأول، أو يكون الأخير، والحاكم الوحيد هو يقيني أن هذا العمل ليس له سوى هذا العنوان.
> تُرجم لك «سحر أسود» و«لذّات سرية» إلى الإنجليزية، وتترأس تحرير برنامج «بكل لغات العالم» المعنيّ برصد الأدب العالمي من خلال المختصين والمترجمين... هل أنت محظوظ إذن؟ وكيف ترى واقعنا الأدبي على خريطة الثقافة العالمية؟
- ترجمت «سحر أسود» إلى الإنجليزية والتركية، و«لذّات سرية» إلى الإنجليزية، و«الحريم» إلى الفرنسية والجورجية، وهناك قصص ومقاطع من «كتاب السطور الأربعة» وغيرهما بلغات أخرى كالتشيكية والمالاوية، لا أعتقد في الحظ الطيب أو العاثر، أعتقد في الإخلاص للعمل، والتجويد والمراجعات الدائمة. أما بالنسبة لبرنامج «بكلل لغات العالم» فهو نتيجة لجهود كثير من المترجمين، مثل دينس جونسون ديفيز، وهمفري ديفيز وغيرهما، ونشاط قسم النشر بالجامعة الأميركية. أصبحت الأعمال الرئيسية في أدبنا المصري، على الأقل، متاحة لقراء الإنجليزية، وهي اللغة الأنشط في الترجمة، وكذلك وجود بعض دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي، نحن موجودون لكن المساحة أقل مما يستحق الأدب العربي لأسباب كثيرة، منها إحجام الكثير من المؤسسات الثقافية في العالم العربي عن تمويل نشر أدبنا وترجمته، على غرار ما يفعل الكثير من دول العالم.
> في تجاربك المبكرة كانت القصة القصيرة خيارك المفضل إلا أنك لم تكمل في هذا السياق، لماذا؟
- بدأت بالقصة القصيرة ثم المسرحية وبعدها الرواية، وحدث أن نشرت ثلاث روايات ولم أنشر مجموعة قصصية واحدة بعد، لكنني لم أبتعد عنها، لديّ عشرات القصص القصيرة المنشورة والتي تنتظر أن تُجمع في كتب.
> قمت بتأليف وإخراج أكثر من عمل مسرحي، فماذا عن العلاقة بين الرواية والمسرح وكيف انعكست عليك كروائي؟
- كتبت ثلاث مسرحيات وأخرجتها، وأنا طالب بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وأفدت كثيراً من تجربتي مع المسرح، وقرأت روائع المسرح العالمي، وعشت على خشبته، وهو الفن الوحيد الذي يتخلق أمام عيني المتلقي، لكنه في النهاية عمل فني مختلف تماماً عن الرواية؛ المسرحية الجيدة هي التي تُكتب لتمثَّل، وهي عمل جماعي يتشارك فيه مؤلف ومخرج وممثل وآخرون، أما الرواية فعمل فرد واحد، وفي التلقي أيضاً المسرحية تتوجه لجماعة وجمهور، أما الرواية فيقرأها فرد في خلوة، الفارق شاسع لكن ما يجمعهما هي «الدراما» وانعكس ذلك في رواياتي بخاصة حساسيتي للحوار بالعامية المصرية.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.