حمدي الجزار: أحيا كشاهد على البشر وغايتي لحظة بهجة في خطواتهم

الروائي المصري يرى أن المرأة خالقة الصراع ومن دونها لا دراما ممكنة

الكاتب حمدي الجزار
الكاتب حمدي الجزار
TT

حمدي الجزار: أحيا كشاهد على البشر وغايتي لحظة بهجة في خطواتهم

الكاتب حمدي الجزار
الكاتب حمدي الجزار

لا ينزعج الكاتب الروائي حمدي الجزار من ملاحظة البعض قلة إنتاجه، ويؤكد أنه يكتب يومياً ولا ينشر سوى ما يحب، وأن ما يعنيه هو الكيف والإضافة الجمالية. فاز بأكثر من جائزة عن أعماله، وتُرجم بعضها إلى عدة لغات أجنبية، وينفي أنه يكتب وعينه على الجوائز، ويقول: «كل ما أتطلع إليه هو اقتناص لحظة بهجة في سلوك البشر ودراما حياتهم». لدى الجزار شغف خاص بتصوير الحارة الشعبية وتلعب النساء دوراً محورياً في رواياته... هنا حوار معه حول عالمه الأدبي وهموم الكتابة.

> رغم الاحتفاء الذي حظيت به روايتك الأولى «سحر أسود» فإنك لم تصدر بعدها سوى روايتين عبر نحو 16 عاماً، كيف ترى هذه المفارقة؟
- لا توجد أي مفارقة. صدرت روايتي الأولى عام 2005 وبعدها بثلاث سنوات صدرت «لذّات سرية» ثم قامت ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وتغيّرت مصر، فانشغلتُ بكتابة قصص نُشرت أسبوعياً في كبرى الصحف والمجلات، ثم كتبت «كتاب السطور الأربعة» في جزأين، صدر الأول في 2012 وكاملاً في 2014، وصدرت روايتي الثالثة «الحريم» في أواخر 2014، وانشغلتُ بعدها بكتابة رواية هي الأطول بين أعمالي، فاستغرقتُ سنوات أطول من المعتاد.
يشير السؤال إلى مفهوم «الاحتفاء»، والذي يتصور البعض أنه دافع رئيسي لكتابة عمل جديد، أعتقد أن الكتابة نفسها هي الاحتفاء الجوهري، الذي لا يساويه أي احتفاء آخر، نحن جميعاً نحب أن نقطف ثمرة عملنا، ولكن إذا رهن كاتب نفسه بذلك ضاع، ونضب معين إبداعه الأصلي. بالنسبة إليّ لا توجد غاية خارج العمل الأدبي نفسه، وليس وسيلة لشيء آخر، وحده يكفيني ويهبني الفرح، وهو حياتي الجوهرية، أحيا كشاهد على حياة البشر، وكل ما يجري للجنس البشري، وأكتب للجميع.
> هل أنت مقلٌّ في إنتاجك على غرار أدباء كبار مثل الطيب صالح، وإبراهيم أصلان وغيرهما؟
- كتبت قصة قصيرة وعمري 12 عاماً، ونشرت أول قصة وأنا طالب في العشرين، ونشرتُ رواية «سحر أسود» وأنا في الخامسة والثلاثين، كان الطريق إلى الثقة في قيمة ما أكتب طويلاً، لكنني لست مقلاً في الكتابة، أكتب يومياً منذ زمن طويل، ولا أنشر سوى ما أحب، ولديّ عشرات قصص لم تُجمع في كتب بعد، ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الكيف والإضافة الفنية والجمالية.
لم يقصد الطيب صالح أن يكون مقلاً بل شغلته عن الكتابة أشياء أخرى. إبراهيم أصلان ذكر في أحد حواراته أنه نادم لأنه لم يكتب أكثر، هما كاتبان حقيقيان تحريا الكيف، وأعمالهما ما زالت حية وممتعة. وقبل كل شيء الكتابة هي الحرية المطلقة، أن تكتب عملاً، أن تُظهر عالماً للوجود، أو أن تحجبه وتتوقف عن إظهار شخصيات وأحداث وعالم روائي، وفي الحالتين يبقى الكاتب هناك، موجوداً وتبقى الرواية معه، كامنة لكنها قابلة للظهور في أي وقت.
> كيف ترى في المقابل التجارب الروائية التي تتسم بالغزارة في الإنتاج؟
- كنت أتحدث مرة مع الروائي خيري شلبي عن هذه «الغزارة في الإنتاج» فقال: «الغزارة ابنة الموهبة». خيري شلبي بالطبع يشير إلى تجربته، والعبارة أعجبتني، إنها في فهمي تعني القدرة على الكتابة في كل وقت ومكان، الموهبة تعني حضور الكاتب في الشخص، واستعداده الدائم للإبداع.
> في روايتك «الحريم» تحفر عميقاً داخل نسيج الحارة المصرية والحي الشعبي، ألا ترى أن تلك «المنطقة» قد قُتلت بحثاً على يد نجيب محفوظ؟ ما الجديد الذي حاولت أن تضيفه إذن؟
- إذا كان الحفر عميقاً فلماذا لا نحفر؟! كل رواية يجب أن تدور أحداثها في مكان ما، وقبل أن أكتب «الحريم» كتبت رواية تاريخية عن «أحمد بن طولون» أول من استقل بمصر عن الدولة العباسية، عدت إلى مصادر تراثية كثيرة، وأتممت المخطوط في نحو عامين ثم لم يعجبني، ولم أنشر منه شيئاً، بعدها بدأت كتابة «الحريم»، وجعلت الرواية تدور في «طولون»، لم أستعن بالمخطوط الأول لكنه حاضر بين السطور وخلفها، كما إنني عشت لسنوات في مناطق متعددة تتسم بالعراقة التاريخية مثل حي «السيدة زينب» و «المنيرة»، غالباً يحضر المكان الذي أعيش فيه في الرواية التي أكتبها، أحب أن أبقى قريباً. هناك شيء آخر مهم؛ نحن نتحدث عن مكان أدبي وليس المكان الجغرافي الذي يعرفه الناس، المكان الأدبي هو ما يصفه ويرسمه الروائي في عمله وإن اتّخذ اسماً له صلة بواقع جغرافي معين، تماماً مثلما قد تشير بعض شخصيات رواية إلى ناس خارجها، الرواية عالم مكتمل بذاته وخيالي، ورغم ذلك يملك القدرة على النفاذ إلى أعماق الحياة الإنسانية.
الحارة المصرية حاضرة في جلّ أعمال نجيب محفوظ، لكن أي حارة نعني؟ إنها حارة أدبية، أي مكان متخيَّل، وحي نجيب محفوظ الشعبي ليس المكان الواقعي، فالروائي لا يقدم جغرافيا وتقريراً، إنه يخلق مكاناً تحيا فيه شخصياته، وبالطبع سيختلف عن كل ما يمكن أن يكتبه روائي آخر عن مكان يحمل الاسم نفسه. الذي يعرف القاهرة جيداً يعرف أن حياتها الأساسية في أحيائها الشعبية، والتي تقطنها الغالبية العظمى من المصريين، وإن كنت مهتماً بحياة الناس فلا بد لي أن أوجدهم في هذا الأماكن.
المكان الذي تدور فيه «الحريم» ليس من ضمن الأماكن التي أوجدها نجيب محفوظ، مثل أحياء الحسين وخان الخليلي والعباسية أماكنه المفضلة، الحريم تدور في طولون، في موقع أقرب إلى يحيى حقي في رواية «قنديل أم هاشم» وغيرها، وهذا لا يعني شيئاً، لأن المكان متخيَّل وقوة التخيل هي ما تجعله حقيقياً، يشبه الأماكن التي نعرفها ونعيش فيها حياتنا اليومية. أما الجديد الذي حاولت إضافته فهو مهمة النقد.
> ما سر هذا الحضور المهيمن للمرأة في أعمالك؟
- لا توجد رواية بلا شخصيات نسائية، ولا فيلم أو مسرحية، ولا دراما ممكنة بغير المرأة، فهي خالقة الصراع في أي سرد، منها تبدأ الرواية وتنتهي، فالعلاقة جوهرية بين حضور الشخصية النسائية والشكل الروائي نفسه. ولعلكِ تقصدين حضورها المهيمن في «الحريم» بوجه خاص، لأن عنوان كل فصل باسم امرأة: «روحية، لوزة، بطة، رانيا»... هذه تجربة خاصة في الشكل الروائي والسرد، وفي هذه الرواية بعينها، بينما تظهر في أعمالي الأخرى كبطلة مكافئة للرجل.
> يرى البعض أنك تتعمد شد القارئ من خلال عناوين ذات جاذبية تجارية كما في «الحريم» و«لذّات سرية»؟
- لا أتعمد شيئاً من هذا القبيل، لأن القارئ نفسه ليس موجوداً لديّ عند الكتابة، حين أكتب أكون وحيداً تماماً، بلا قارئ أو ناقد أو ناشر، الحاضر هو العمل وحده، ويأتي عنوان العمل كما يأتي العمل نفسه، أحياناً أبدأ بعنوان ثم أغيّره مرات، وأحياناً يبقى العنوان الأول، أو يكون الأخير، والحاكم الوحيد هو يقيني أن هذا العمل ليس له سوى هذا العنوان.
> تُرجم لك «سحر أسود» و«لذّات سرية» إلى الإنجليزية، وتترأس تحرير برنامج «بكل لغات العالم» المعنيّ برصد الأدب العالمي من خلال المختصين والمترجمين... هل أنت محظوظ إذن؟ وكيف ترى واقعنا الأدبي على خريطة الثقافة العالمية؟
- ترجمت «سحر أسود» إلى الإنجليزية والتركية، و«لذّات سرية» إلى الإنجليزية، و«الحريم» إلى الفرنسية والجورجية، وهناك قصص ومقاطع من «كتاب السطور الأربعة» وغيرهما بلغات أخرى كالتشيكية والمالاوية، لا أعتقد في الحظ الطيب أو العاثر، أعتقد في الإخلاص للعمل، والتجويد والمراجعات الدائمة. أما بالنسبة لبرنامج «بكلل لغات العالم» فهو نتيجة لجهود كثير من المترجمين، مثل دينس جونسون ديفيز، وهمفري ديفيز وغيرهما، ونشاط قسم النشر بالجامعة الأميركية. أصبحت الأعمال الرئيسية في أدبنا المصري، على الأقل، متاحة لقراء الإنجليزية، وهي اللغة الأنشط في الترجمة، وكذلك وجود بعض دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي، نحن موجودون لكن المساحة أقل مما يستحق الأدب العربي لأسباب كثيرة، منها إحجام الكثير من المؤسسات الثقافية في العالم العربي عن تمويل نشر أدبنا وترجمته، على غرار ما يفعل الكثير من دول العالم.
> في تجاربك المبكرة كانت القصة القصيرة خيارك المفضل إلا أنك لم تكمل في هذا السياق، لماذا؟
- بدأت بالقصة القصيرة ثم المسرحية وبعدها الرواية، وحدث أن نشرت ثلاث روايات ولم أنشر مجموعة قصصية واحدة بعد، لكنني لم أبتعد عنها، لديّ عشرات القصص القصيرة المنشورة والتي تنتظر أن تُجمع في كتب.
> قمت بتأليف وإخراج أكثر من عمل مسرحي، فماذا عن العلاقة بين الرواية والمسرح وكيف انعكست عليك كروائي؟
- كتبت ثلاث مسرحيات وأخرجتها، وأنا طالب بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وأفدت كثيراً من تجربتي مع المسرح، وقرأت روائع المسرح العالمي، وعشت على خشبته، وهو الفن الوحيد الذي يتخلق أمام عيني المتلقي، لكنه في النهاية عمل فني مختلف تماماً عن الرواية؛ المسرحية الجيدة هي التي تُكتب لتمثَّل، وهي عمل جماعي يتشارك فيه مؤلف ومخرج وممثل وآخرون، أما الرواية فعمل فرد واحد، وفي التلقي أيضاً المسرحية تتوجه لجماعة وجمهور، أما الرواية فيقرأها فرد في خلوة، الفارق شاسع لكن ما يجمعهما هي «الدراما» وانعكس ذلك في رواياتي بخاصة حساسيتي للحوار بالعامية المصرية.



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».