حمدي الجزار: أحيا كشاهد على البشر وغايتي لحظة بهجة في خطواتهم

الروائي المصري يرى أن المرأة خالقة الصراع ومن دونها لا دراما ممكنة

الكاتب حمدي الجزار
الكاتب حمدي الجزار
TT

حمدي الجزار: أحيا كشاهد على البشر وغايتي لحظة بهجة في خطواتهم

الكاتب حمدي الجزار
الكاتب حمدي الجزار

لا ينزعج الكاتب الروائي حمدي الجزار من ملاحظة البعض قلة إنتاجه، ويؤكد أنه يكتب يومياً ولا ينشر سوى ما يحب، وأن ما يعنيه هو الكيف والإضافة الجمالية. فاز بأكثر من جائزة عن أعماله، وتُرجم بعضها إلى عدة لغات أجنبية، وينفي أنه يكتب وعينه على الجوائز، ويقول: «كل ما أتطلع إليه هو اقتناص لحظة بهجة في سلوك البشر ودراما حياتهم». لدى الجزار شغف خاص بتصوير الحارة الشعبية وتلعب النساء دوراً محورياً في رواياته... هنا حوار معه حول عالمه الأدبي وهموم الكتابة.

> رغم الاحتفاء الذي حظيت به روايتك الأولى «سحر أسود» فإنك لم تصدر بعدها سوى روايتين عبر نحو 16 عاماً، كيف ترى هذه المفارقة؟
- لا توجد أي مفارقة. صدرت روايتي الأولى عام 2005 وبعدها بثلاث سنوات صدرت «لذّات سرية» ثم قامت ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وتغيّرت مصر، فانشغلتُ بكتابة قصص نُشرت أسبوعياً في كبرى الصحف والمجلات، ثم كتبت «كتاب السطور الأربعة» في جزأين، صدر الأول في 2012 وكاملاً في 2014، وصدرت روايتي الثالثة «الحريم» في أواخر 2014، وانشغلتُ بعدها بكتابة رواية هي الأطول بين أعمالي، فاستغرقتُ سنوات أطول من المعتاد.
يشير السؤال إلى مفهوم «الاحتفاء»، والذي يتصور البعض أنه دافع رئيسي لكتابة عمل جديد، أعتقد أن الكتابة نفسها هي الاحتفاء الجوهري، الذي لا يساويه أي احتفاء آخر، نحن جميعاً نحب أن نقطف ثمرة عملنا، ولكن إذا رهن كاتب نفسه بذلك ضاع، ونضب معين إبداعه الأصلي. بالنسبة إليّ لا توجد غاية خارج العمل الأدبي نفسه، وليس وسيلة لشيء آخر، وحده يكفيني ويهبني الفرح، وهو حياتي الجوهرية، أحيا كشاهد على حياة البشر، وكل ما يجري للجنس البشري، وأكتب للجميع.
> هل أنت مقلٌّ في إنتاجك على غرار أدباء كبار مثل الطيب صالح، وإبراهيم أصلان وغيرهما؟
- كتبت قصة قصيرة وعمري 12 عاماً، ونشرت أول قصة وأنا طالب في العشرين، ونشرتُ رواية «سحر أسود» وأنا في الخامسة والثلاثين، كان الطريق إلى الثقة في قيمة ما أكتب طويلاً، لكنني لست مقلاً في الكتابة، أكتب يومياً منذ زمن طويل، ولا أنشر سوى ما أحب، ولديّ عشرات قصص لم تُجمع في كتب بعد، ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الكيف والإضافة الفنية والجمالية.
لم يقصد الطيب صالح أن يكون مقلاً بل شغلته عن الكتابة أشياء أخرى. إبراهيم أصلان ذكر في أحد حواراته أنه نادم لأنه لم يكتب أكثر، هما كاتبان حقيقيان تحريا الكيف، وأعمالهما ما زالت حية وممتعة. وقبل كل شيء الكتابة هي الحرية المطلقة، أن تكتب عملاً، أن تُظهر عالماً للوجود، أو أن تحجبه وتتوقف عن إظهار شخصيات وأحداث وعالم روائي، وفي الحالتين يبقى الكاتب هناك، موجوداً وتبقى الرواية معه، كامنة لكنها قابلة للظهور في أي وقت.
> كيف ترى في المقابل التجارب الروائية التي تتسم بالغزارة في الإنتاج؟
- كنت أتحدث مرة مع الروائي خيري شلبي عن هذه «الغزارة في الإنتاج» فقال: «الغزارة ابنة الموهبة». خيري شلبي بالطبع يشير إلى تجربته، والعبارة أعجبتني، إنها في فهمي تعني القدرة على الكتابة في كل وقت ومكان، الموهبة تعني حضور الكاتب في الشخص، واستعداده الدائم للإبداع.
> في روايتك «الحريم» تحفر عميقاً داخل نسيج الحارة المصرية والحي الشعبي، ألا ترى أن تلك «المنطقة» قد قُتلت بحثاً على يد نجيب محفوظ؟ ما الجديد الذي حاولت أن تضيفه إذن؟
- إذا كان الحفر عميقاً فلماذا لا نحفر؟! كل رواية يجب أن تدور أحداثها في مكان ما، وقبل أن أكتب «الحريم» كتبت رواية تاريخية عن «أحمد بن طولون» أول من استقل بمصر عن الدولة العباسية، عدت إلى مصادر تراثية كثيرة، وأتممت المخطوط في نحو عامين ثم لم يعجبني، ولم أنشر منه شيئاً، بعدها بدأت كتابة «الحريم»، وجعلت الرواية تدور في «طولون»، لم أستعن بالمخطوط الأول لكنه حاضر بين السطور وخلفها، كما إنني عشت لسنوات في مناطق متعددة تتسم بالعراقة التاريخية مثل حي «السيدة زينب» و «المنيرة»، غالباً يحضر المكان الذي أعيش فيه في الرواية التي أكتبها، أحب أن أبقى قريباً. هناك شيء آخر مهم؛ نحن نتحدث عن مكان أدبي وليس المكان الجغرافي الذي يعرفه الناس، المكان الأدبي هو ما يصفه ويرسمه الروائي في عمله وإن اتّخذ اسماً له صلة بواقع جغرافي معين، تماماً مثلما قد تشير بعض شخصيات رواية إلى ناس خارجها، الرواية عالم مكتمل بذاته وخيالي، ورغم ذلك يملك القدرة على النفاذ إلى أعماق الحياة الإنسانية.
الحارة المصرية حاضرة في جلّ أعمال نجيب محفوظ، لكن أي حارة نعني؟ إنها حارة أدبية، أي مكان متخيَّل، وحي نجيب محفوظ الشعبي ليس المكان الواقعي، فالروائي لا يقدم جغرافيا وتقريراً، إنه يخلق مكاناً تحيا فيه شخصياته، وبالطبع سيختلف عن كل ما يمكن أن يكتبه روائي آخر عن مكان يحمل الاسم نفسه. الذي يعرف القاهرة جيداً يعرف أن حياتها الأساسية في أحيائها الشعبية، والتي تقطنها الغالبية العظمى من المصريين، وإن كنت مهتماً بحياة الناس فلا بد لي أن أوجدهم في هذا الأماكن.
المكان الذي تدور فيه «الحريم» ليس من ضمن الأماكن التي أوجدها نجيب محفوظ، مثل أحياء الحسين وخان الخليلي والعباسية أماكنه المفضلة، الحريم تدور في طولون، في موقع أقرب إلى يحيى حقي في رواية «قنديل أم هاشم» وغيرها، وهذا لا يعني شيئاً، لأن المكان متخيَّل وقوة التخيل هي ما تجعله حقيقياً، يشبه الأماكن التي نعرفها ونعيش فيها حياتنا اليومية. أما الجديد الذي حاولت إضافته فهو مهمة النقد.
> ما سر هذا الحضور المهيمن للمرأة في أعمالك؟
- لا توجد رواية بلا شخصيات نسائية، ولا فيلم أو مسرحية، ولا دراما ممكنة بغير المرأة، فهي خالقة الصراع في أي سرد، منها تبدأ الرواية وتنتهي، فالعلاقة جوهرية بين حضور الشخصية النسائية والشكل الروائي نفسه. ولعلكِ تقصدين حضورها المهيمن في «الحريم» بوجه خاص، لأن عنوان كل فصل باسم امرأة: «روحية، لوزة، بطة، رانيا»... هذه تجربة خاصة في الشكل الروائي والسرد، وفي هذه الرواية بعينها، بينما تظهر في أعمالي الأخرى كبطلة مكافئة للرجل.
> يرى البعض أنك تتعمد شد القارئ من خلال عناوين ذات جاذبية تجارية كما في «الحريم» و«لذّات سرية»؟
- لا أتعمد شيئاً من هذا القبيل، لأن القارئ نفسه ليس موجوداً لديّ عند الكتابة، حين أكتب أكون وحيداً تماماً، بلا قارئ أو ناقد أو ناشر، الحاضر هو العمل وحده، ويأتي عنوان العمل كما يأتي العمل نفسه، أحياناً أبدأ بعنوان ثم أغيّره مرات، وأحياناً يبقى العنوان الأول، أو يكون الأخير، والحاكم الوحيد هو يقيني أن هذا العمل ليس له سوى هذا العنوان.
> تُرجم لك «سحر أسود» و«لذّات سرية» إلى الإنجليزية، وتترأس تحرير برنامج «بكل لغات العالم» المعنيّ برصد الأدب العالمي من خلال المختصين والمترجمين... هل أنت محظوظ إذن؟ وكيف ترى واقعنا الأدبي على خريطة الثقافة العالمية؟
- ترجمت «سحر أسود» إلى الإنجليزية والتركية، و«لذّات سرية» إلى الإنجليزية، و«الحريم» إلى الفرنسية والجورجية، وهناك قصص ومقاطع من «كتاب السطور الأربعة» وغيرهما بلغات أخرى كالتشيكية والمالاوية، لا أعتقد في الحظ الطيب أو العاثر، أعتقد في الإخلاص للعمل، والتجويد والمراجعات الدائمة. أما بالنسبة لبرنامج «بكلل لغات العالم» فهو نتيجة لجهود كثير من المترجمين، مثل دينس جونسون ديفيز، وهمفري ديفيز وغيرهما، ونشاط قسم النشر بالجامعة الأميركية. أصبحت الأعمال الرئيسية في أدبنا المصري، على الأقل، متاحة لقراء الإنجليزية، وهي اللغة الأنشط في الترجمة، وكذلك وجود بعض دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي، نحن موجودون لكن المساحة أقل مما يستحق الأدب العربي لأسباب كثيرة، منها إحجام الكثير من المؤسسات الثقافية في العالم العربي عن تمويل نشر أدبنا وترجمته، على غرار ما يفعل الكثير من دول العالم.
> في تجاربك المبكرة كانت القصة القصيرة خيارك المفضل إلا أنك لم تكمل في هذا السياق، لماذا؟
- بدأت بالقصة القصيرة ثم المسرحية وبعدها الرواية، وحدث أن نشرت ثلاث روايات ولم أنشر مجموعة قصصية واحدة بعد، لكنني لم أبتعد عنها، لديّ عشرات القصص القصيرة المنشورة والتي تنتظر أن تُجمع في كتب.
> قمت بتأليف وإخراج أكثر من عمل مسرحي، فماذا عن العلاقة بين الرواية والمسرح وكيف انعكست عليك كروائي؟
- كتبت ثلاث مسرحيات وأخرجتها، وأنا طالب بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وأفدت كثيراً من تجربتي مع المسرح، وقرأت روائع المسرح العالمي، وعشت على خشبته، وهو الفن الوحيد الذي يتخلق أمام عيني المتلقي، لكنه في النهاية عمل فني مختلف تماماً عن الرواية؛ المسرحية الجيدة هي التي تُكتب لتمثَّل، وهي عمل جماعي يتشارك فيه مؤلف ومخرج وممثل وآخرون، أما الرواية فعمل فرد واحد، وفي التلقي أيضاً المسرحية تتوجه لجماعة وجمهور، أما الرواية فيقرأها فرد في خلوة، الفارق شاسع لكن ما يجمعهما هي «الدراما» وانعكس ذلك في رواياتي بخاصة حساسيتي للحوار بالعامية المصرية.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.