«لوكهيد مارتن»: السعودية توفر فرصاً مثالية لصناعة أجزاء من منتجاتنا العسكرية

راي بيسيلي نائب رئيس الأعمال أكد لـ«الشرق الأوسط» وجود إمكانات نمو في دول الخليج

راي بيسيلي (الشرق الأوسط)
راي بيسيلي (الشرق الأوسط)
TT

«لوكهيد مارتن»: السعودية توفر فرصاً مثالية لصناعة أجزاء من منتجاتنا العسكرية

راي بيسيلي (الشرق الأوسط)
راي بيسيلي (الشرق الأوسط)

قال راي بيسيلي، نائب الرئيس للأعمال الدولية في «لوكهيد مارتن» العالمية للصناعات العسكرية، إن السعودية توفر فرصاً مثالية لصناعة أجزاء من منتجات الشركة فيها، مشيراً إلى أن «لوكهيد مارتن» تعمل مع «الرياض» لتصبح منتجاً على مستوى عالمي للمعدات العسكرية.
وبيَّن راي، في حديث مع «الشرق الأوسط» قبيل انطلاق معرض دبي للطيران، أن الطلب القوي على خدمات الشركة قوي في المنطقة، على الرغم من الضغوط المتوقعة على الميزانيات الوطنية، وقال: «هدفنا الرئيسي في المنطقة هو المساعدة في حماية الأجيال القادمة»، مشيراً إلى وجود تعقيد في ساحة المعركة الحديثة، حيث يعمل الخصوم شبه النظراء على تطوير استراتيجياتهم وقدراتهم بسرعة.
وتطرق إلى دورهم في تأهيل الكوادر البشرية في المنطقة، وأداء الشركة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في منتجاتهم، في الحوار التالي:
> يشهد العالم تغيرات على جبهات سياسية واقتصادية متعددة وتحالفات متغيرة، فما استراتيجية «لوكهيد مارتن» خلال الفترة المقبلة؟
انطلاقاً من مكانتها، بصفتها أكبر شركة في مجال الطيران والدفاع حول العالم، تعمل «لوكهيد مارتن» من خلال طائراتها وأقمارها الصناعية وسفنها في أماكن مختلفة حول العالم بشكلٍ آني كل دقيقة، وعلى مدار اليوم، حيث تعتمد أكثر من 100 دولة على موظفينا ومنتجاتنا وتقنياتنا في الحفاظ على أمنها وسلامتها. ونحن في «لوكهيد مارتن» نؤمن بأنه لا يوجد مكان للحلول أحادية التركيز، في ظل بيئة الدفاع المعقدة سريعة التطور اليوم، لذا تعتمد استراتيجيتنا المستقبلية على تلبية احتياجات شركائنا لردع التهديدات سريعة التطور في كل المجالات. ونستكشف كذلك شبكات متقدمة في مجال تكنولوجيا الدفاع لإنشاء شبكة تربط عدة منصات تعمل بمرونة لتكون قوة حاسمة في ساحة المعركة ضد تهديدات الأعداء. وتوفر الطائرات والأقمار الصناعية والسفن والمعدات الأرضية التي تعتمدها قوات الدفاع اليوم قدراً هائلاً من المعلومات. وتُعد معالجة تلك الكميات الضخمة من البيانات وتحليلها تحدياً صعباً، خصوصاً عند النظر في مستويات الأمان المتعددة التي تعمل بها تلك الأنظمة. وللتعامل مع ذلك العامل، نساعد في «لوكهيد مارتن» على تطوير مفهوم جديد يُعرف باسم العمليات المشتركة أو المتعددة في كل المجالات. فعن طريق مزامنة الأنظمة الرئيسية ومصادر البيانات المهمة، مع البساطة في ثورة البيانات، توفر حلول العمليات المشتركة في كل المجالات صورة كاملة لساحات المعارك الحديثة، وتمكن شركائنا من اتخاذ القرارات والتحرك بسرعة.
> ما تطلعاتكم من العمل مع السعودية والإمارات ودول الخليج عموماً؟
تعد «لوكهيد» مارتن شريكاً موثوقاً للسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي منذ أكثر من 55 عاماً، ورائداً إقليمياً في مجال بناء القدرات السيادية، والارتقاء بمهارات القوى العاملة في قطاع الطيران والدفاع المحلي. ونتفهم الرؤى الوطنية لشركائنا الإقليميين، ونواصل دعمهم على تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي لديهم. واعتمدنا في «لوكهيد مارتن» نهجاً ثلاثي الركائز، يتضمن نقل المعرفة، وتوطين الصناعات، وتنمية رأس المال البشري. وننفذ مبادرات بمساهمة شبكتنا العالمية من خبراء القطاع، إلى جانب خبرة شركائنا المحليين. كما نعمل على خلق القيمة المحلية المضافة، ونساهم في تطوير قطاعات الدفاع في الدول الشريكة لنا.
> كيف تنظرون لعلاقتكم مع السعودية ومساهمتكم في «رؤية 2030»؟
تُوجد «لوكهيد مارتن» في السعودية منذ عام 1965، بعد تسليم أول طائرة «إس - 130 هيراكليس». ومنذ ذلك الحين، واصلت الشركة توسيع وجودها في المملكة في مجال أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، والتكنولوجيا التكتيكية والمروحيات، والأنظمة البحرية، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية. كما نطور وننفذ مبادرات تدريبية للجيل المقبل من المواهب السعودية، بهدف ضمان استدامة قطاع الطيران والدفاع المحلي، بما يتماشى مع «رؤية المملكة 2030».
> هل تأثرت صناعتكم بالجائحة؟ وما خططكم في مرحلة ما بعد التعافي؟
مع تطور مشهد التهديدات الإقليمية واستمراريتها بطرق يستحيل التنبؤ بها، ظل الإنفاق الدفاعي لبلدان الشرق الأوسط ثابتاً على الرغم من الجائحة. ويتعرض قطاعنا لاختبارات مستمرة لمواجهة التحديات الجديدة المعقدة التي تتطلب ابتكارات وجهود متضافرة. وفي مرحلة ما بعد التعافي، نهدف إلى مساعدة حلفائنا على الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة، ومنها الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، واتصالات 5G.MIL، لمواجهة التحديات الحالية لساحات المعارك المعقدة، ومواجهة التهديدات الناشئة. وتعد تقنية 5G.MIL إحدى أولوياتنا، لأنها تتيح اتخاذ إجراءات سريعة حاسمة، مع توفير قدر أكبر من المرونة، وإنتاجية أعلى، وزمن انتظار منخفض جداً، ما يُعد ضرورياً لتشغيل الأجهزة المتقدمة في ساحة المعركة المشتركة. كما تسمح لنا التقنية بالاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي بشكل كامل لاتخاذ القرارات في ساحة المعركة بسرعة لا مثيل لها. ونجمع بين الهندسة الرقمية والممارسات الذكية والبنى المفتوحة لتقديم تكنولوجيا جديدة بسرعة، وخفض التكاليف، وتحسين الاستدامة. كما نستثمر في شركات تجارية ونتشارك معها لتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية لتوفير أحدث التقنيات إلى ساحات المعارك الحديثة.
> تتسارع التقنية بشكل كبير خلال الفترة الماضية، هل سيكون للذكاء الاصطناعي دور في صناعتكم؟ وما التطبيقات التي سيتم استخدامها فيها؟
إننا نستثمر في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لزيادة سرعة اتخاذ القرار على جميع المستويات داخل أنظمتنا. ففي طائرات «إف - 16»، على سبيل المثال، نركز على أنظمة الاتصالات الرئيسية في أساطيل الشركاء الدوليين، والترابط المشترك لمقاتلات الجيل الرابع. كما نعمل على ترقية التقنيات والأتمتة في خط إنتاج طائرات «إف - 16»، بهدف خفض التكلفة، وتقليل المدة، وتحسين جودة المنتج. ويندرج هذا ضمن رؤيتنا لبناء مصانع رقمية تعمل بشكل أسرع وأكثر ذكاءً.
> كيف تنظرون للنمو خلال السنوات المقبلة؟ وما أكثر المنتجات التي ستساعدكم على تحقيق النمو؟
لقد ذكرت مسبقاً العمليات المشتركة أو المتعددة في كل المجالات، ومنصتا «MDO» و«JADO » التابعتان لنا تعدان من أولوياتنا الحالية. كما نرى إمكانات كبيرة في «دايموند شيلد» (DIAMONDShield)، وهو نظام إدارة معارك متعدد المجالات من الجيل التالي يعمل على الربط في ساحة المعركة وقيادتها والتحكم بها، حيث يقوم هذا الحل بتجميع بيانات القيادة والتحكم التشغيلية، ويعطي الحلول اللازمة للاستجابة للتهديدات المقبلة. ومن خلال ربط الأنظمة والمنصات جواً وأرضاً وبحراً ومن الفضاء، فإنه يعمل على أتمتة وتسهيل القدرة على وضع استراتيجيات للعمليات المشتركة واستهدافها وتخطيطها ووضع مهامها وتقييمها، مع دمج بيانات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في الوقت نفسه. ونواصل التركيز أيضاً على الطائرة المقاتلة «إف - 35 لايتنينغ 2»، وهي عامل تمكين مهم لمفهوم العمليات المشتركة أو المتعددة في كل المجالات. ويمكن لهذه الطائرة أن تعمل بصفتها نقطة اتصالات مركزية في العمليات والتدريبات لتغيير ساحة المعركة في المستقبل. وعند العمل بالقرب من ساحة المعركة، ومن موقع مرتفع، تعمل أجهزة الاستشعار ومجموعات الاتصالات الخاصة بها على تعزيز قدرات شبكة المنصات الشبكية المحمولة جواً والبحرية والفضائية والسطحية والأرضية بشكل كبير، الأمر الذي يسهم في رفع الوعي ببيئة العمليات المحيطة بشكل كبير، ويزود القادة بالقدرات والمعلومات الحساسة في ثوانٍ. وقد تم إثبات هذه القدرات خلال سلسلة من اختبارات وتمارين الطيران، وآخرها في إطار مشروع «هايدرا» و«نورثرن إيدج» و«أورانج فلاج» و«فلايت تيست - 6».
> هل تخططون لصناعة بعض أجزاء منتجاتكم في المنطقة؟
نعم، وتوفر السعودية فرصاً مثالية لتحقيق هذا الهدف. لقد كانت ميزانية المملكة الدفاعية في عام 2018 ثالث أعلى ميزانية في العالم، إذ وصلت إلى 80 مليار دولار. ونحن نشيد برؤية الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، لجهوده المستمرة الرامية إلى توطين 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030. وتغطي خطتنا في هذا الصدد مجالين رئيسيين. فنحن نعمل مع الحكومة الأميركية لتحديد التقنيات التي يمكن إطلاقها للدول الشريكة لنا، ونتعاون مع الجهات السعودية لتحديد أنسب الشركات المحلية لتصنيع هذه التقنيات بموجب عقود التوطين. ونقوم أيضاً بإجراء تحليل للفجوات لمساعدة شركائنا السعوديين على التطور، ليصبحوا منتجين على مستوى عالمي للمعدات العسكرية. وقد استضفنا ورشة عمل متخصصة للموردين في الرياض في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2021. ووفرت لنا منصة مثالية لاستكشاف فرص الشراكة مع الشركات المحلية. ونحن مهتمون أيضاً بالتعاون مع شركات الدفاع والطيران في دول أخرى بالمنطقة للمساعدة على بناء القدرات المحلية.
> ما خططكم لتطوير رأس المال البشري الذي يعمل على منصاتكم في المنطقة؟
في شركة «لوكهيد مارتن»، نؤمن إيماناً راسخاً بالتعليم والتدريب، لأن وجود خط إمداد قوي من المهندسين والعلماء الشباب الأكفاء هو الأساس الأكثر أهمية لمستقبل صناعة الدفاع. وفي الإمارات، أنشأنا مركز الابتكار والحلول الأمنية في مدينة مصدر في عام 2017 الذي يستضيف برامج التدريب والتطوير التكنولوجي على أساس الجدارة للعاملين المحليين في الصناعة. وأنا فخور بأن أشير إلى أنه بالإضافة إلى كثير من الحلول المبتكرة الأخرى، فقد طور المتدربون الإماراتيون في مركز الابتكار والحلول الأمنية قدرة ذكاء اصطناعي لأداء فحص الطائرات المستخدمة اليوم في مصنع طائرات «لوكهيد مارتن» في الولايات المتحدة. وبالتعاون مع «مبادلة»، قمنا بتنظيم تحدي تصميم حمولة الأنظمة الجوية غير المأهولة في عام 2017 - 2018، وبرنامج التدريب الدولي للدفاع في عام 2020. كما قمنا بإدارة برنامج أساسيات الفضاء، بالشراكة مع وكالة الإمارات للفضاء التي دربت 17 شاباً إماراتياً في عام 2016. وفي السعودية، لدينا حضور قوي في دعم كلية الأمير محمد بن سلمان للإدارة وريادة الأعمال في جدة. كما وقعنا اتفاقيات بحوث رئيسية مع جامعة الملك عبد العزيز، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، وجامعة الملك سعود. بالإضافة إلى ذلك، أجرينا كثيراً من مشاريع البحث والتطوير المستقلة مع هذه المؤسسات التعليمية الثلاث، إلى جانب مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة جدة.
> ما التحديات التي تواجه قطاع الصناعات الدفاعية بشكل عام؟
التحدي الأكبر هو تعقيد ساحة المعركة الحديثة، حيث يعمل خصومنا شبه النظراء على تطوير استراتيجياتهم وقدراتهم بسرعة لاستغلال نقاط ضعف حلفائنا، وتهديد الازدهار الاقتصادي والأمن القومي في جميع مجالات القتال، الجوية والبرية والبحرية والفضائية والإلكترونية. كما أنهم يقومون باستثمارات ضخمة لسد الفجوة التكنولوجية. ويجب أن نتحلى بالمرونة والسرعة للبقاء دائماً في المقدمة، وتوقع التهديدات المستجدة، ومعالجتها بفاعلية.
> كيف تقيمون أداء أعمال الشركة خلال عام 2021؟ وما الأسواق الرئيسية للنمو في المستقبل القريب؟
بعد الأداء القوي في عام 2020، استمر قطاع الطيران والدفاع في التطور في عام 2021، وظل قوياً في مواجهة التحديات المستمرة المتعلقة بــ«كوفيد - 19». وتستمر متطلبات الأمن القومي في أثناء الجائحة، ويزداد الطلب على منتجاتنا وحلولنا بقوة. ومع بدء الدول في دخول مرحلة التعافي الاقتصادي إثر الجائحة، نرى إمكانات نمو في جميع أنحاء منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، وسنواصل تقديم خدماتنا لعملائنا، على الرغم من مشكلات سلسلة التوريد، والضغوط الأخرى التي تؤثر في الصناعات الرئيسية على مستوى العالم. ويبدو أن الطلب القوي على خدماتنا وحلولنا سيستمر، على الرغم من الضغوط المتوقعة على الميزانيات الوطنية. وهدفنا الرئيسي في المنطقة هو المساعدة في حماية الأجيال القادمة، بتقديم الدعم المتمثل في طائرات الجيل التالي، وتقنيات الدفاع الجوي والصاروخي المتقدمة، وأنظمة القيادة والتحكم المثلى، وأساليب المحاكاة والتدريب المتطورة.



أسهم اليابان تصعد والسندات تستفيد من هدوء النفط

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

أسهم اليابان تصعد والسندات تستفيد من هدوء النفط

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تحركت الأسواق اليابانية، الأربعاء، بين رهانات الذكاء الاصطناعي وتوقعات أسعار الفائدة؛ إذ أغلقت الأسهم مرتفعة قبيل نتائج «إنفيديا» وبيانات التضخم الأميركية، في حين تراجعت عوائد السندات الحكومية مع انخفاض النفط وانحسار نسبي للمخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وصعد مؤشر «نيكي» بنسبة 0.62 في المائة إلى 66262.16 نقطة، بعدما عكس خسائره المبكرة، بينما ارتفع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 0.42 في المائة إلى 4111.02 نقطة. وجاء الأداء امتداداً لتحسن «وول ستريت»، ولكن المستثمرين تجنبوا بناء مراكز كبيرة قبل صدور نتائج «إنفيديا»، التي أصبحت اختباراً رئيسياً لاستدامة طفرة الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي.

وقال يوشيتاكا أراتاني، من «مونكس للأوراق المالية»، إن اقتراب إعلان نتائج «إنفيديا» من المرجح أن يحد من المجال المتاح لمزيد من الارتفاع في الأسهم اليابانية. ومع ذلك، استفادت شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ارتفع سهم «سوفت بنك غروب» 1.49 في المائة، بينما صعدت «أدفانتست» 3.63 في المائة.

ويكتسب تقرير «إنفيديا» أهمية تتجاوز الشركة نفسها، بعدما أصبحت الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي من المحركات الرئيسية لتقييمات أسهم التكنولوجيا عالمياً. وأي مؤشرات على تباطؤ الطلب أو تراجع الهوامش قد تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الأسعار المرتفعة في القطاع.

وفي الوقت نفسه، تتجه الأنظار إلى مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي لشهر يوليو (تموز)، وهو مقياس التضخم المفضل لدى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي». وتأتي البيانات بعد ضعف مفاجئ في الوظائف الأميركية واستقرار تضخم أسعار المستهلكين، ما خفف توقعات تشديد السياسة النقدية في سبتمبر (أيلول). وقال واتارو أكياما، استراتيجي الأسهم في «نومورا للأوراق المالية»، إن قراءة ضعيفة للمؤشر قد تقلص أكثر توقعات رفع الفائدة الأميركية، وهو سيناريو يمكن أن يوفر دعماً إضافياً للأسهم.

تراجع العوائد

وفي سوق السندات اليابانية، اتخذت الصورة اتجاها مختلفاً. فقد تراجع عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات 2.5 نقطة أساس إلى 2.865 في المائة، مقتفياً أثر ارتفاع أسعار سندات الخزانة الأميركية، بينما انخفض عائد السندات اليابانية لأجل عامين إلى 1.670 في المائة، وعائد الخمس سنوات إلى 2.130 في المائة. وجاء التحسن في أسعار السندات مع تراجع النفط إلى أدنى مستوياته في أسبوع، بعدما قالت إيران إنها استأنفت محادثاتها مع سلطنة عمان بشأن إدارة الممر المائي في مضيق هرمز، ما وفَّر إشارات إلى احتمال تراجع حدة الأزمة في الشرق الأوسط.

ويرتبط النفط مباشرة بحسابات سوق الدين اليابانية؛ لأن ارتفاع الطاقة يمثل قناة رئيسية لانتقال التضخم إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات. وقال كيسوكي تسوروتا، كبير استراتيجيي السندات في «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي للأوراق المالية»، إن تراجع المخاوف من تصعيد الشرق الأوسط وضغوط التضخم الناتجة عنه من المرجح أن يشجع بعض عمليات شراء السندات.

لكن انخفاض العوائد قد يظل محدوداً. فقد أظهرت بيانات الأربعاء ارتفاع مقياس رئيسي لتضخم الخدمات الياباني 3.6 في المائة على أساس سنوي خلال يوليو، مما يعزز المبررات لرفع أسعار الفائدة في الأجل القريب. وهكذا تواجه الأسواق اليابانية معادلة دقيقة؛ حيث يمنح تراجع أسعار النفط السندات والأسهم بعض الراحة، بينما يظل التضخم المحلي مرتفعاً بما يكفي لإبقاء تشديد بنك اليابان مطروحاً.

وفي الخارج، ستكون نتائج «إنفيديا» وبيانات التضخم الأميركية الإشارتين الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه شهية المخاطرة والعوائد العالمية خلال الأيام المقبلة.


خلف الشمس والرياح... السعودية تستثمر في «الطاقة المخزنة»

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
TT

خلف الشمس والرياح... السعودية تستثمر في «الطاقة المخزنة»

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)

خلف مشروعات الشمس والرياح التي تعيد رسم خريطة الطاقة في السعودية، تتشكل سوق جديدة عنوانها تخزين الكهرباء. فمع اتساع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، تبرز البطاريات كحلقة أساسية في المنظومة، تحفظ الكهرباء عندما تتوفر وتعيد ضخها إلى الشبكة عندما تشتد الحاجة إليها.

ولا يقتصر هذا التحول على إضافة تقنية جديدة إلى قطاع الكهرباء، بل يؤسس تدريجياً لنشاط استثماري قائم بذاته، تتحول فيه البطاريات من حل مساند لمشروعات الطاقة المتجددة إلى جزء من البنية التحتية اللازمة لإدارة الكهرباء وتعزيز مرونة الشبكة وموثوقيتها.

وتتقدم السعودية خطوة جديدة في هذا المسار مع توقيع الشركة السعودية لشراء الطاقة أربع اتفاقيات لمشروعات مستقلة لتخزين الطاقة بالبطاريات، بإجمالي سعة يبلغ 2000 ميغاواط لمدة 4 ساعات، واستثمارات تتجاوز 4.35 مليار ريال (1.16 مليار دولار)، بحضور الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية ورئيس مجلس مديري الشركة، أربع اتفاقيات لمشروعات مستقلة لتخزين الطاقة باستخدام البطاريات.

4 مشروعات ترسم سوق التخزين

تتضمن المجموعة الأولى ثلاثة مشروعات جرى توقيعها مع تحالف «الشركة السعودية للطاقة» و«أكوا» وشركة «الشريف للمقاولات والتنمية التجارية»، وهي «الموية» و«حضن» في منطقة مكة المكرمة، و«الكهفة» في منطقة حائل، بسعة 500 ميغاواط لكل مشروع ولمدة 4 ساعات.

كما تشمل المجموعة مشروع «الخشيبي» في منطقة القصيم، بالسعة نفسها، وجرى توقيع اتفاقيته مع تحالف شركة «إنجي» وشركة «الحاج عبد الله علي رضا وشركاه المحدودة».

وتأتي هذه المشروعات ضمن أول مجموعة من مشروعات تخزين الطاقة التي يجري تنفيذها بنموذج البناء والتملك والتشغيل، في إطار جهود منظومة الطاقة لتعزيز موثوقية وكفاءة إنتاج الكهرباء في السعودية.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية خلال حضوره توقيع الاتفاقيات (وزارة الطاقة)

«التخزين»... يعزز الطاقة المتجددة

وفي قراءة تحليلية للمشروع، قال كبير مستشاري وزير البترول السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا التوجُّه يأتي في صلب احتياجات المرحلة المقبلة لقطاع الطاقة، في ظل التوسع المتسارع في مصادر الطاقة المتجددة.

وأوضح أن مشروع تخزين الطاقة بالبطاريات يمثل رافعة أساسية لتعزيز مكانة مصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية والرياح، ضمن منظومة توليد الكهرباء في السعودية.

وأكد الصبان أن أهمية التخزين تنبع من طبيعة مصادر الطاقة المتجددة، إذ إن الاستفادة من الطاقة التي تنتجها تتركز في نطاق زمني محدود لا يتجاوز عادةً 4 ساعات، مما يجعل تخزينها في البطاريات عاملاً مهماً لإطالة فترة الاستفادة منها وإتاحتها لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء في أوقات لاحقة.

وأشار إلى أن السعة الحالية، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية بمفردها في ظل تقلبات الأجواء وقِصر الفترة التي يمكن خلالها الاستفادة من الطاقة الشمسية، خصوصاً بعد غروب الشمس، وهو ما يعزز أهمية هذه المشروعات في المرحلة المقبلة لرفع كفاءة الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.

«التخزين» يعيد تشكيل منظومة الكهرباء

من جهته، يرى المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن توقيع هذه الاتفاقيات في وقت واحد يحمل دلالة مهمة، وهي أن السعودية لم تعد تنظر إلى الطاقة المتجددة باعتبارها مجرد إضافة قدرات إنتاجية جديدة، بل تنتقل إلى بناء منظومة كهرباء متكاملة تشمل التوليد والتخزين وإدارة الأحمال ورفع موثوقية الشبكة.

وأوضح أن التخزين يمثل الحلقة التي تحوّل الطاقة الشمسية والرياح من مصادر متقطعة إلى مصادر يمكن إدارتها والاستفادة منها وقت الحاجة، معتبراً أن ذلك يعكس مرحلة أكثر نضجاً في قطاع الكهرباء، خصوصاً مع التوسُّع الكبير المستهدف في مصادر الطاقة المتجددة.

وأضاف أن هذه المشروعات تسهم اقتصادياً في تحسين كفاءة استخدام الأصول الكهربائية وتقليل الحاجة إلى بناء قدرات تقليدية تعمل فقط خلال ساعات الذروة، إلى جانب تعزيز استقرار الشبكة، مشدداً على أن القيمة لا تكمن في البطاريات وحدها، بل في المرونة التي تضيفها إلى النظام الكهربائي بالكامل.

المليارات... فرصة للمحتوى المحلي

ويرى العطاس أن «قيمة العقود تمثل فرصة جيدة للمحتوى المحلي، مع ضرورة التفريق بين تصنيع البطاريات نفسها وبقية مكونات سلسلة القيمة»، متوقعاً أن تتركز هذه الفرص في المرحلة الأولى في الأعمال المدنية والكهربائية والإنشاءات والتركيب والتشغيل والصيانة، إضافة إلى بعض أعمال التجميع والأنظمة المساندة، بينما تظل الخلايا وتقنيات البطاريات المتقدمة أكثر اعتماداً على الاستيراد في البداية.

وشدد على أن الأهم اقتصادياً هو حجم السوق المستقبلية، فتحوّل السعودية إلى سوق كبيرة ومستقرة لمشروعات التخزين قد يخلق حافزاً حقيقياً لتوطين مصانع التجميع، ثم بعض المكونات، وربما التصنيع بشكل أوسع لاحقاً، لافتاً إلى أن الصناعة لا تنتقل إلى السوق لمجرد وجود مشروع أو مشروعين، بل حين ترى طلباً مستداماً وحجماً اقتصادياً واضحاً، وهو ما يبرز أهمية استمرار برنامج التخزين في السعودية.

أصل استثماري مستقل

ويعتقد العطاس أن هذه المشروعات تمثل خطوة مهمة نحو التعامل مع تخزين الطاقة باعتباره فئة أصول استثمارية مستقلة، وليس مجرد مكون تابع لمحطة شمسية أو رياح، موضحاً أن وجود عقود طويلة الأجل لمدة 15 عاماً، وهيكل تعاقدي واضح، وتدفقات نقدية يمكن التنبؤ بها، يجعل هذا النوع من الأصول أكثر جاذبية للمستثمرين وممولي المشروعات.

وأشار إلى أن جاذبية التخزين مقارنة بمحطات التوليد التقليدية تكمن في تقديمه خدمة مختلفة تتمثل في المرونة وتوفير الطاقة عند الحاجة إليها، بينما يعالج، مقارنة بمشروعات الطاقة المتجددة، أحد أكبر تحدياتها، وهو عدم تطابق وقت الإنتاج مع وقت الطلب.

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)

«أكوا» توسع حضورها في البنية التحتية للطاقة

وتبرز «أكوا» بوصفها أحد الأطراف الرئيسية في المشروعات الثلاثة في مكة المكرمة وحائل، مع حصة تقارب 35 في المائة، ويرى العطاس أن ذلك يعكس توجهاً نحو بناء محفظة أوسع من أصول البنية التحتية للطاقة، وليس الاقتصار على مشروعات إنتاج الكهرباء.

وتستهدف السعودية، من خلال هذه المشروعات، زيادة حصة الطاقة المتجددة وأنظمة تخزين الطاقة ضمن مزيج الطاقة إلى نحو 50 في المائة بحلول 2030، بما يتناسب مع نمو الطلب على الكهرباء، وبما يسهم في تعزيز موثوقية وكفاءة المنظومة ومرونتها التشغيلية.

وتتولى الشركة السعودية لشراء الطاقة، بصفتها «المشتري الرئيس»، إعداد الدراسات التمهيدية وطرح مشروعات توليد الكهرباء وتخزين الطاقة، إلى جانب توقيع اتفاقيات شراء الطاقة واتفاقيات خدمات تخزين الطاقة مع التحالفات المطورة.

ولا تقتصر إعادة تشكيل منظومة الكهرباء على إضافة قدرات التخزين، إذ تتزامن هذه الخطوة مع تحرك موازٍ لتعزيز البنية التحتية للشبكة نفسها، بما يواكب التوسع المتوقع في مصادر التوليد الجديدة. فقد وقَّعت «الشركة السعودية للطاقة» اتفاقية تعاون مع «بي بي آي فرانس» لتمويل مشروعات تطوير وتوسعة شبكة الكهرباء، وتوفير حلول تمويلية للمشتريات والمشروعات التي تنفذها الشركة.

وجرى توقيع الاتفاقية خلال الطاولة المستديرة للاستثمار السعودي - الفرنسي في باريس، بالتزامن مع الزيارة الرسمية للأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا.

وتستند الاتفاقية إلى مذكرة تفاهم سابقة لإنشاء تسهيل مالي تصل قيمته إلى 3 مليارات دولار، بهدف دعم برنامج المشتريات ومشروعات البنية التحتية الكهربائية، بما في ذلك المعدات المرتبطة باستقرار الشبكة.

في المحصلة، فإن المشهد الذي يتشكل اليوم لا يتعلق بالبطاريات وحدها، بل بما يمكن أن تصبح عليه منظومة الكهرباء السعودية في السنوات المقبلة: طاقة شمسية ورياح تنتج الكهرباء، وبطاريات تحفظها، وشبكة أكثر قدرة على نقلها وإدارتها وقت الحاجة. وبين هذه الحلقات، تتشكل سوق جديدة قد تكون واحدة من أبرز قصص الاستثمار في قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة.


معركة السندات... بيسنت يضغط و«الاحتياطي الفيدرالي» يقاوم

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)
TT

معركة السندات... بيسنت يضغط و«الاحتياطي الفيدرالي» يقاوم

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)

​في سوق السندات الأميركية؛ حيث يُفترض أن تحدِّد قوى العرض والطلب سعر الاقتراض للحكومة الكبرى في العالم، بدأت واشنطن ترسل إشارات متناقضة.

من جهة، يتحرك وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لتهدئة العوائد على السندات طويلة الأجل، بعدما قفزت تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها في 19 عاماً. ومن جهة أخرى، يستعد رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش للدفاع عن نهج يقوم على ترك الأسواق تقرأ إشارات الأسعار والبيانات الاقتصادية، حتى لو قادت تلك الإشارات إلى أسعار فائدة أعلى.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة، فخطة بيسنت لزيادة مشتريات الخزانة من الديون طويلة الأجل، التي تستهدف على الأقل مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات لتصل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، تهدف إلى تخفيف الضغوط عن سوق تبلغ قيمتها نحو 32 تريليون دولار.

لكن مستثمرين كباراً يرون أن الخطوة قد تفعل العكس تماماً: أن تجعل السياستين المالية والنقدية في الولايات المتحدة تسيران في اتجاهين متعارضين، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى بكثير من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

وزير الخزانة سكوت بيسنت يجيب عن أسئلة الصحافيين خلال مؤتمر صحافي في واشنطن العاصمة يوم 24 أغسطس (أ.ف.ب)

اتجاهان معاكسان

اللافت أن الرجلين ليسا غريبين بعضهما عن بعض. فبيسنت ووارش -وكلاهما من تلامذة الملياردير ومدير صناديق التحوط ستانلي دراكنميلر- يحافظان على علاقة ودية، ويلتقيان بصورة منتظمة. ولكن ذلك لا يخفي اتساع الفجوة بين أولويات وزارة الخزانة و«الاحتياطي الفيدرالي»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

فبالنسبة إلى بيسنت، ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة والأُسَر والشركات، من الرهون العقارية إلى تمويل الاستثمارات. ولذلك، فإن تهدئة السوق تبدو هدفاً اقتصادياً ومالياً مهماً.

أما بالنسبة إلى وارش، فإن ارتفاع عوائد السندات قد يكون في حد ذاته إشارة من السوق إلى الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية، إذا كان يعكس مخاوف بشأن التضخم أو قوة الاقتصاد أو حجم الاقتراض الحكومي.

ولهذا يرى مستثمرون أن السؤال الذي سيواجهه وارش في خطابه المرتقب يوم الجمعة، في «جاكسون هول» يتجاوز مجرد مستقبل أسعار الفائدة.

إنه سؤال عمَّن يحدد سعر المال في الولايات المتحدة: السوق أم الخزانة أم «الاحتياطي الفيدرالي»؟

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يتحدث إلى الصحافيين بعد اجتماع لجنة السياسة النقدية في يوليو الماضي (رويترز)

«استراتيجية ذاتية الهزيمة»

انتقادات «وول ستريت» لتدخل الخزانة جاءت حادة.

وقال غريغ بيترز، الرئيس المشارك للاستثمار في «بي جي آي إم كريديت»، إن لديه «رؤية قاتمة جداً» تجاه مبررات الخزانة وتدخلها في السوق، واصفاً الاستراتيجية بأنها محدودة الأثر وذاتية الهزيمة.

أما ليزا شاليت، كبيرة مسؤولي الاستثمار في «مورغان ستانلي ويلث مانجمنت»، فترى أن تدخل الخزانة في السوق لمجرد الانزعاج من ارتفاع العوائد ليس مبرراً مقنعاً.

وتحذِّر شاليت من أن استمرار بيسنت في محاولة التأثير في عوائد السندات قد يحمل رسالة أكثر خطورة: أن المسؤولين في واشنطن بدأوا يشعرون بالقلق فعلياً بشأن استدامة الدين الأميركي. وهذه نقطة حساسة للغاية بالنسبة إلى أكبر سوق سندات في العالم.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

حين تصبح الخزانة في مواجهة إشارة السوق

المفارقة أن تدخُّل بيسنت جاء في وقت كان وارش يحاول فيه إقناع المستثمرين بأهمية قراءة إشارات السوق بدلاً من انتظار ما يعرف باسم «التوجيه المستقبلي» من مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي».

وكان وارش قد أشار في وقت سابق إلى أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة يعكس تطورات اقتصادية قد تستدعي ارتفاع تكاليف الاقتراض، مؤكداً أن «الاحتياطي الفيدرالي» في عهده لا يريد التدخل في إشارة السوق.

وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحاً: وارش يقول للسوق: استمعوا إلى الأسعار. بينما يقول بيسنت، عملياً: الأسعار الحالية لا تعكس الأساسيات الاقتصادية.

ويرى كريشنا غوها، نائب الرئيس في «إيفركور آي إس آي»، أن هذا التناقض يصعب التوفيق بينه وبين موقف وارش.

فإذا كانت وزارة الخزانة تقول إن أسعار السندات خاطئة وتتدخل لتصحيحها، يصبح من الصعب على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» أن يطلب من المستثمرين في الوقت نفسه الاعتماد على حركة الأسعار بوصفها إشارة اقتصادية.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

المفارقة الأكبر

قد يبدو خفض عوائد السندات خبراً جيداً للاقتصاد. فإذا نجحت الخزانة في خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، فقد تنخفض معدلات الرهن العقاري وتكاليف تمويل الشركات، ما يدعم النشاط الاقتصادي والاستهلاك والاستثمار.

لكن المشكلة أن هذا الدعم يأتي في الوقت الخطأ إذا كان التضخم لا يزال مرتفعاً. فقد أظهرت أحدث قراءة أن التضخم الأميركي بلغ 3.7 في المائة، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف «الاحتياطي الفيدرالي».

كما أن 3 أعضاء في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أيَّدوا بالفعل رفع أسعار الفائدة في اجتماع يوليو، بينما أشار رؤساء بنوك احتياطي إقليمية آخرون لاحقاً إلى استعدادهم لدعم زيادة قدرها ربع نقطة مئوية.

وهكذا، فإن ما تحاول الخزانة تحقيقه في سوق السندات قد يدفع الاقتصاد في الاتجاه المعاكس لما يرغب فيه بعض صناع السياسة النقدية.

دراكنميلر نفسه يقول: «خطأ»

ولعل المفارقة الأكثر إثارة، أن ستانلي دراكنميلر، الشخصية التي جمعت بين بيسنت ووارش في مسيرتيهما، انتقد خطة الخزانة. ووصف زيادة إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل بأنها «خطأ». وقال إن ما يحدث ليس مجرد إدارة للسيولة؛ بل أقرب إلى إدارة للأسعار، معتبراً أن المشكلة ستكون أكبر بكثير إذا تجاوز حجم التدخل هذا المستوى.

وهذا الانتقاد يسلط الضوء على جوهر المعركة: هل تستطيع وزارة الخزانة التأثير في أسعار سوق ضخمة من دون أن تترك انطباعاً بأنها تحاول إدارة السوق نفسها؟

ترمب والانتخابات يزيدان حساسية الموقف

هناك أيضاً بُعد سياسي لا يمكن تجاهله. فإدارة الرئيس دونالد ترمب لديها مصلحة واضحة في خفض تكاليف الاقتراض؛ خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

فارتفاع عوائد السندات يعني زيادة فاتورة خدمة الدين الحكومي، بينما يؤدي انخفاضها إلى تخفيف تكلفة التمويل على الحكومة والاقتصاد.

لكن إذا استمرت الخزانة في محاولة كبح العوائد ولم تنجح، فقد تزداد الضغوط على «الاحتياطي الفيدرالي» للتدخل أيضاً.

وهنا تظهر المخاوف من مفهوم يعرف باسم «الهيمنة المالية»؛ أي أن تصبح السياسة النقدية مصممة، ولو جزئياً، لمساعدة الحكومة في إدارة ديونها بدلاً من التركيز حصراً على التضخم واستقرار الأسعار.

وحذَّر جيسون فورمان، الأستاذ في جامعة هارفارد، والرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، من أن قيام «الاحتياطي الفيدرالي» بإدارة السياسة النقدية بهدف مساعدة الحكومة في إدارة ديونها، سيكون بمثابة علامة على هذه الهيمنة المالية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع وارش في يوم تنصيبه (أرشيفية- رويترز)

اختبار وارش في «جاكسون هول»

ولهذا يأتي خطاب كيفن وارش في «جاكسون هول» في توقيت بالغ الحساسية. فهو لا يواجه فقط سؤالاً حول متى يمكن أن يخفض أو يرفع أسعار الفائدة؛ بل يواجه أيضاً سوق سندات تحاول وزارة الخزانة التأثير فيها، وحكومة تحتاج إلى خفض تكلفة اقتراضها، وتضخماً لا يزال بعيداً عن هدف البنك المركزي.

والسؤال الذي يترقبه المستثمرون؛ ليس فقط ما إذا كان وارش سيبدو متشدداً أو متساهلاً؛ بل ما إذا كان سيتمكن من إقناع الأسواق بأن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يزال صاحب القرار المستقل في السياسة النقدية، حتى ووزارة الخزانة تتحرك في الاتجاه الآخر.

وفي سوق تبلغ قيمتها 32 تريليون دولار، قد تكون المواجهة الحقيقية المقبلة ليست بين واشنطن و«وول ستريت»؛ بل بين جناحين داخل واشنطن نفسها: جناح يريد سندات أرخص واقتراضاً أقل تكلفة، وآخر يريد أسعار فائدة كافية لإعادة التضخم إلى هدفه.

وهنا، قد لا تكون معركة السندات مجرد معركة على العوائد؛ بل قد تكون اختباراً لحدود استقلال السياسة النقدية الأميركية.