ما بعد الانتخابات العراقية... دماءٌ على بوابات «المنطقة الخضراء»

المسيّرات المفخّخة أخطأت مصطفى الكاظمي

مظاهرات أنصار القوى الخاسرة على أطراف المنطقة الخضراء
مظاهرات أنصار القوى الخاسرة على أطراف المنطقة الخضراء
TT

ما بعد الانتخابات العراقية... دماءٌ على بوابات «المنطقة الخضراء»

مظاهرات أنصار القوى الخاسرة على أطراف المنطقة الخضراء
مظاهرات أنصار القوى الخاسرة على أطراف المنطقة الخضراء

بينما كان الجميع في العراق يعوّل على الانتخابات المبكرة التي حددها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في العاشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2021، فإن النتائج التي انتهت إليها عقّدت المشهد السياسي تماماً.
لقد كان الهدف من إجرائها في وقت يسبق موعدها الدستوري بنحو 6 أشهر (الانتخابات الدورية في العراق في الشهر الخامس من عام 2022)، هو بدء مسار جديد في الحياة السياسية في البلاد في ظل ما ترتب على انتفاضة أكتوبر 2019 من نتائج غير متوقعة. فالمظاهرات التي اندلعت في ذلك العام والتي قدمت مئات القتلى وعشرات آلاف الجرحى، حاولت تغيير قواعد العمل السياسي في العراق عبر سلسلة من المتغيرات بدءاً من إقالة حكومة عادل عبد المهدي، وتغيير قانون الانتخابات وتغيير مفوضية الانتخابات.
وعلى أثر تلك التغييرات اتُّفق على تشكيل حكومة انتقالية برئاسة مدير جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، كان الهدف من تشكيلها إجراء انتخابات مبكرة. وبالفعل، اتُّفق على تحديد موعد الانتخابات المبكرة واستعدت جميع القوى السياسية المؤسسة للنظام السياسي لمرحلة ما بعد عام 2003 لخوضها. ومن ثم، خاض الجميع الانتخابات عبر قانون جديد يعتمد الدوائر المتعددة والفوز بأعلى الأصوات. بيد أن ترتيبات القوى الفائزة والخاسرة كانت هي المفاجأة التي لم يستوعبها الخاسرون، وكذلك لم يستوعبها بعض الفائزين أنفسهم ممن لم يكونوا يتوقعون حصولهم على المقاعد التي حصدوها.
احتلت الكتلة الصدرية بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر المرتبة الأولى في الانتخابات العراقية بواقع 73 مقعداً، تلاها حزب «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي الذي حصد 43 مقعداً في المحافظات الغربية ذات الأغلبية السنية، وجاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني في المرتبة الثالثة حيث حصل على 32 صوتاً.
ومع أن ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي حل في المرتبة الثانية بين القوى الشيعية، بحصوله على 37 مقعداً، فإن تحالف الفتح بزعامة هادي العامري -الذي يضم عدداً من الفصائل المسلحة- يعد الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات. وهذا بعدما كان قد احتل المرتبة الثانية بعد كتلة الصدر في انتخابات 2018 التي كانت قد حصلت على 54 مقعداً، بينما حصل «الفتح» على 47 مقعداً. ولكن هذه المرة فاز الصدر خلال انتخابات 2021 بـ73 مقعداً بينما لم يحصل «الفتح» إلا على 16 مقعداً.

الكاظمي يفوز قبل العد والفرز
على الرغم من أن حادث استهداف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بثلاث طائرات مسيّرة مفخخة استهدفت منزله فجر الأحد الماضي كادت تودي بحياته، طبقاً لما هو مصمّم، فإن نجاته منها صبت في صالحه تماماً. فقبل ساعات من محاولة اغتياله بثلاث طائرات مسيّرة مفخخة كانت حظوظه قد تراجعت كثيراً على صعيد إمكانية الظفر بولاية ثانية.
ذلك أن التداعيات التي ترتبت على المواجهات بين المتظاهرين قرب بوابة «المنطقة الخضراء» من جهة بوابة وزارة التخطيط القريبة من جسر الجمهورية والقوات الأمنية وسقوط عدد من القتلى والجرحى، ما كانت في مصلحة الكاظمي كرئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة، بل ترافق ذلك مع تهديدات واضحة من بعض قادة «الفتح» بمحاكمة الكاظمي، فضلاً عن قولهم إن «النجوم» أصبحت أقرب للكاظمي من الولاية الثانية.
غير أن مخرجات ما حصل جاءت لصالح الكاظمي، ومطابقة للمثل الشعبي العراقي الشهير «الضربة التي لا تقضي عليك تقوّيك». فالكاظمي الذي نجا من الحادثة بدا في أول تسجيل تلفزيوني له بعد أقل من ساعة من نجاته مسيطراً وهادئاً. ولم يوجه أي اتهام لجهة أو طرف بل دعا إلى الهدوء، وكل ما قاله شاجباً أسلوب المفخخات هو أن هذا الأسلوب لن «يبني الأوطان».
وطبقاً لردود الفعل السريعة، إن كان على المستوى السياسي أم الشعبي، بات واضحاً الآن للشارع العراقي أن استهداف الكاظمي يأتي في سياق خلط الأوراق من أجل تسهيل عملية تقاسم السلطة والنفوذ من جديد في محاولة لتخطي نتائج الانتخابات.
وبالتالي، فإنه وفقاً لكل هذه المعطيات، فإن الكاظمي يبدو الآن هو الفائز الأول في الانتخابات، رغم أنه لم يرشح نفسها فيها، وليست لديه كتلة برلمانية... لكن مع هذا فاسمه بات الآن الأكثر تداولاً في الأوساط السياسية على صعيد إمكانية التجديد له لولاية جديدة.


مناصرون للفصائل الخاسرة يتظاهرون في بغداد الجمعة (أ.ف.ب)

رابح وخاسر وما بينهما
وفي حين لم يكن تحالف الفتح هو الخاسر الأكبر شيعياً، فإنه أعلن رفضه الاعتراف بالنتائج غير النهائية التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. ولكن من ناحية ثانية، كان هناك خاسرون آخرون ما كان متوقعاً خسارتهم (التي كانت قاسية) مثل تحالف قوى الدولة بزعامة عمار الحكيم... الذي يضم ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور حيدر العبادي. فالحكيم، الذي كان لديه 22 مقعداً خلال انتخابات 2018 وكان يأمل في مضاعفتها خلال هذه الانتخابات لم يحز إلا مقعدين.
أيضاً العبادي، الذي حصل خلال انتخابات 2018 على 42 مقعداً، قبل انشقاق فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، عنه -وبالتالي أصبح لديه 12 مقعداً- لم يحصل خلال هذه الانتخابات إلا على مقعدين أيضاً.
الجبهتان الكردية والسنية حصل فيهما اختلال على مستوى النتائج أيضاً بين رابح وخاسر. فبينما حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني على 32 مقعداً فإن شريكه وخصمه معاً الاتحاد الوطني الكردستاني -المنقسم على نفسه على مستوى القيادات- حصل فقط على 17 مقعداً. وطبقاً لهذا التفاوت فإن فرص الحزب الديمقراطي تعززت على صعيد التفاوض مع بغداد... بدءاً من منصب رئاسة الجمهورية، الذي يشغله حالياً الدكتور برهم صالح القيادي البارز في الاتحاد الوطني، وصولاً إلى باقي المناصب الأخرى. غير أن المشكلة التي تواجه الحزب الديمقراطي، الفائز الأول في كردستان، أن شركاءه من الأحزاب الكردية في إقليم كردستان -الذي يتمتع بشبه استقلال عن بغداد- لا يمكن أن يقاس فقط على مستوى المقاعد، بل طبقاً لمجموعة أسس ومعايير قد يختل معها التوازن داخل الإقليم.
وعلى صعيد العرب السنة قد لا يختلف الأمر كثيراً. فحزب تقدم بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي حلّ بالمرتبة الأولى في المحافظات الغربية بواقع 43 مقعداً مقابل حصول خصمه في المناطق السنية نفسها (تحالف عزم بزعامة رجل الأعمال خميس الخنجر) على 14 مقعداً.

المفوضية وسط النيران
لم تواجه كل مفوضيات الانتخابات في العراق، منذ أول دورة انتخابية أُجريت عام 2005 وإلى آخر دورة أُجريت عام 2018، هذا الكم من النيران الصديقة وغير الصديقة بدءاً من لحظة إعلانها النتائج وحتى اليوم.
الحقيقة أن هذه المفوضية تختلف عن المفوضيات السابقة كونها مكونة من قضاة مستقلين ولم تكن نتيجة لترشيح الأحزاب والقوى السياسية. ومع أن هذه هي التجربة الأولى لها ولكادرها سواء كان المتقدم وحتى المتوسط، حيث جرى تغيير الجميع باتفاق سياسي على صعيد إجراء الانتخابات، فإنه طبقاً للقانون الجديد فإن الطبقة السياسية هي الأخرى تخوض الانتخابات لأول مرة طبقاً لهذا القانون. وطبقاً لذلك فإن الفائزين عدوا إجراءات المفوضية أنها الأفضل والأكفأ والأنزه، بينما عدّها الخاسرون أسوأ مفوضية... وبالتالي، حمّلوها كامل المسؤولية عن خسارتهم.
ولذا تصاعدت حدة الاحتجاجات من القوى الخاسرة، لا سيما تحالف الفتح بزعامة هادي العامري إلى حد انطلاق مظاهرات قرب بوابة «المنطقة الخضراء» من جهة الجسر المعلق. ومن ثم تحولت المظاهرات إلى اعتصامات مفتوحة حيث تم نصب الخيام وقطع الجسر المعلق بالكامل. وعلى الأثر وجدت المفوضية نفسها تحت «مرمى النيران» وسط مطالبات المطالبين بإعادة العد والفرز اليدوي، بينما هي تطالب بأدلة واقعية موثقة لكي تبتّ بالطعون... وفي هذه الأثناء، لا تزال النتائج معلقة بانتظار الحسم من الهيئة القضائية داخل المفوضية، قبل رفعها إلى المحكمة الاتحادية العليا لغرض المصادقة عليها.
ومن ناحية ثانية، يحاول المتظاهرون التصعيد. وكان آخره ما جرى الأسبوع الماضي عبر ما سموها «جمعة الفرصة» الأخيرة حين سعوا إلى اقتحام «المنطقة الخضراء»، الأمر الذي أدى إلى حصول مواجهات راح ضحيتها قتلى وجرحى بين الطرفين المتظاهرين والقوات الأمنية.

شغل تحت الطاولة
مع كل التصعيد الذي جرى، والذي بلغ مرحلة متقدمة من المواجهة الشيعية - الشيعية على بوابات المنطقة الخضراء فإن جميع القوى السياسية «تشتغل سياسة»، بعضها فوق الطاولة مثلما يعمل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي فاجأ الجميع بزيارته المفاجئة للعاصمة بغداد، وبعضها الآخر تحت الطاولة.
وبين ما هو فوق الطاولة وما تحتها، فإنه في الوقت الذي عدّ الجميع أن التصعيد يوم الجمعة الماضي كان مقصوداً به تحركات الصدر في بغداد. فالصدر الذي تزامن وصوله إلى بغداد مع وصول وفد كردي برئاسة هوشيار زيباري، القيادي البارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني... الفائز الأول كردياً. كذلك فإن الصدر ابتدأ لقاءاته في بغداد بلقاء الحلبوسي، زعيم حزب تقدم، الفائز الأول سنياً. وكان الصدر قد أعلن أنه سيعمل على تشكيل حكومة «غالبية وطنية» وهو ما استفز خصومه في البيت الشيعي.
خصوم الصدر في البيت الشيعي نوعان ينتظمهما الآن فيما يسمى «الإطار التنسيقي»:
الأول يمثله نوري المالكي، زعيم دولة القانون الفائز الثاني شيعياً بعد الصدر، لكنه بسبب خصومته الدائمة مع الصدر فإنه لا يمكن أن يلتقي به على مستوى التحالف. أما الآخر فهم القوى الخاسرة، وفي مقدمتهم تحالف الفتح فضلاً عن تحالف قوى الدولة بزعامة عمار الحكيم ومعه حيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق. وبينما يحاول «الفتح» الحصول على ما يعتقدها مقاعده التي أخذت منه بسبب التزوير، فإن المالكي يحاول الانسجام معهم لأنه لا يريد أن يخسر أصواتهم لأنه يعمل أيضاً على تشكيل كتلة أكبر توازي إن لم تتفوق على كتلة الصدر. كلا الفريقين الشيعيين حاول الزجّ باسم المرجعية الشيعية العليا في النجف بأمر التحالفات وتشكيل الحكومة. لكن رد المرجعية لم يتأخر حين رفضت زجّها كطرف في المباحثات الخاصة بتشكيل الحكومة القادمة.
إذ قال حامد الخفاف، مدير مكتب السيستاني، في بيان له إن «المرجعية الدينية العليا ليست طرفاً في أي اجتماعات أو مباحثات أو اتصالات أو استشارات بشأن عقد التحالفات السياسية وتشكيل الحكومة القادمة». وأضاف البيان: «لا أساس من الصحة بتاتاً لأيٍّ من الأخبار التي تروّج لخلاف ذلك من بعض الأطراف والجهات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي».
وبشأن مفهوم حكومة الغالبية السياسية أو الوطنية الذي يتبناه الصدر، يقول السياسي العراقي عزت الشابندر، في بيان أرسل نسخة منه لـ«الشرق الأوسط»، إن «مشروع الغالبية السياسية أو الوطنية أو الكتلة الأكبر هو النتاج الطبيعي لأي نظام ديمقراطي في العالم، ومن دونه ليست هناك حاجة للانتخابات وتكاليفها أصلاً». وأضاف الشابندر أنه «ينبغي ألا يفوتنا أن هذا المشروع (الغالبية الحاكمة والأخرى المعارضة) مرتبط بشكل وثيق بالواقع الانتخابي ونتائجه التي تحدد الكتلة الأكبر من غيرها. بمعنى أن الانتخابات الشفّافة والخالية من الطعون الكبيرة في إدارتها أو نزاهتها هي المدخل الطبيعي لأحقيّة الكتلة في تشكيل الحكومة وإدارتها».
وحسب الشابندر فإن «الحل للخروج من المأزق الراهن يتمثل في التوافق بين القوتين الشيعيتين الرئيستين، الكتلة الصدرية والإطار التنسيقي لاختيار رئيس وزراء مستقل، بينما تتوزع المناصب الوزارية وفقاً للاستحقاق الانتخابي بحيث تكون الوزارة منصباً قيادياً وسياسياً، بعيداً عن قضية الوزير المستقل أو التكنوقراط».
وبشأن تحركات الصدر، الذي سرعان ما عاد إلى النجف غاضباً بعد محاولة اقتحام «المنطقة الخضراء»، يقول أستاذ الإعلام في الجامعة العراقية الدكتور فاضل البدراني، لـ«الشرق الأوسط» إنه «من الواضح أن الصدر بتحركه السياسي ولقاءاته الشخصية مع الحلبوسي والحكيم، ووفد يمثله بدأ يتفاوض مع وفد من الحزب الديمقراطي الكردستاني، إنما أراد أن يعلن الشروع ببدء مرحلة الحوارات الجدية لتشكيل الحكومة وإسدال الستار على مرحلة الركود والتشكيك بنتائج الانتخابات».
وأضاف البدراني أن «الصدر سيذهب إلى خيار حكومة وحدة وطنية لتجاوز معضلة المعترضين على الانتخابات وترضيتهم بحقائب وزارية، مقابل أن يكون له الرأي الفاعل في اختيار رئيس حكومة لن يكون صدرياً، لكنه مخلص لهم، وأقرب لهم من الجميع». وبيّن أنه خلال «ماراثون اللقاءات كان الصدر مفتاحها، لذلك سيجرّ الجميع للتفاوض بحكم التأثير العددي والوزن السياسي، وواضح أن لديه طموحاً بقطع الطريق على التدخلات الإقليمية والدولية في تشكيل أركان العملية السياسية».
وفيما يتعلق بالكرد، يرى البدراني أن «خيارهم سيكون مع الجميع، وليس مع طرف محدد لكن بشروطهم المحددة في الكابينة (مجلس الوزراء) الحكومية ورئاسة الجمهورية». وبشأن الكتل السنية فإنها «تتمحور مع تحالفي تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، وعزم بزعامة خميس الخنجر، ويبدو أنهما ينتظران حسم الموقف الشيعي لطرح طموحاتهما في رئاسة البرلمان أولاً، ثم الكابينة الحكومية ثانياً، وكذلك بطموح جديد لتولي منصب نائب رئيس الجمهورية».
من جهته يرى الدكتور إحسان الشمري رئيس مركز التفكير السياسي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الهدف من زيارة لبغداد يأتي في سياق تحريك الجمود السياسي، خصوصاً أن الأمر -ظاهراً- متوقف بانتظار نتائج الانتخابات النهائية، بينما تبدو هذه الزيارة بمثابة إعلان رسمي لبدء مفاوضات تشكيل الحكومة والخريطة السياسية القادمة».
وأردف الشمري أن «الهدف أيضاً هو التحرك نحو الأقوياء لغرض التحاور معهم من أجل بلورة تصور لحكومة أغلبية وطنية. لكنّ هذا لا يعني العمل على تهميش بقية الأطراف». وأكد أن «الصدر سيمضي وفق لقاءاته باتجاه تحقيق نحو 75% من الإجماع الشيعي، ومن ثم الانتقال إلى ما يتيسر التوصل إليه من اتفاقات داخل البيتين السني والكردي». وتابع الشمري أن «المؤشرات تقول إن الثلاثة الأقوياء هم من سيحددون مسارات الخريطة القادمة، لكن ليس على أساس الإملاءات بل وجود هامش كبير لما يمثلونه من داخل مكوناتهم. وبالتالي، فإن المشهد يبدو توافقياً في النهاية، بسبب عدم وجود كتلة تمتلك النصف زائد واحد».

المرجعية الشيعية غير راضية
كان قد جرى تسريب أنباء أن المرجعية الشيعية لا تؤيّد عودة الرئاسات الثلاث (الجمهورية، والوزراء، والبرلمان). وفي الوقت الذي يراد من هذه الأخبار خلط الأوراق أو الترويج لصالح طرف على حساب طرف آخر، أو الإيحاء بأن للمرجعية رأياً بهذا المفصل أو ذاك، فإن نفي المرجعية مثل هذه الأخبار قطع الطريق أمام أي محاولات استغلال قادمة... سواء لاسم المرجع الأعلى علي السيستاني، أو بعنوان المرجعية.
اليوم يرى المراقبون السياسيون في العراق أن بيان المرجعية أكد حياديتها تماماً حيال ما يجري. وهو ما يعني أنها ليست راضية عن المسار الذي تلا الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ويرى سياسي عراقي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «المرجعية باتت تشعر بأن النهج لن يتغير في الحكومة القادمة، وبالتالي فإنها تريد النأي بنفسها عن أي اتفاق سياسي». ثم أشار إلى أن «المرجعية كانت قد دعت إلى المشاركة الواسعة في الانتخابات الأخيرة، لكن نسبة المشاركة لم تكن بمستوى الطموح، وهو ما يعني أن الجمهور لم يعد يثق بالأحزاب الإسلامية».



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.