«منتدى أصيلة» يبحث مسألة العروبة وسؤال الآيديولوجيا السياسي

المشاركون لم يتفقوا على تعريفها وتساءلوا عن بدائلها

جانب من ندوة «منتدى أصيلة» حول العروبة (الشرق الأوسط)
جانب من ندوة «منتدى أصيلة» حول العروبة (الشرق الأوسط)
TT

«منتدى أصيلة» يبحث مسألة العروبة وسؤال الآيديولوجيا السياسي

جانب من ندوة «منتدى أصيلة» حول العروبة (الشرق الأوسط)
جانب من ندوة «منتدى أصيلة» حول العروبة (الشرق الأوسط)

عدّ مشاركون في ندوة «منتدى أصيلة» الثالثة حول موضوع «العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟»، التي تواصلت أشغالها، أول من أمس، بأصيلة، في جلسات يومها الثاني والأخير، أن تعريف العروبة قد لا يتم الاتفاق بشأنه، بيد أنهم تساءلوا: «هل اتفقنا على بدائل لها؟ وهل هذه البدائل أفضل وأسلم... الشيء الذي يجعل منها أفضل ما لدينا؟».
واستحضر المشاركون في معرض تناولهم لخلفيات ومآلات الهوية والانتماء القومي في الفكر العربي المعاصر، ومسارات واتجاهات النظام العربي والبيئة الدولية والإقليمية الشرق أوسطية، أوضاع العروبة باعتبارها لساناً وهوية وثقافة بعيداً عن الآيديولوجيا.
في سياق ذلك، قال الكاتب المغربي أحمد المديني في جلسة «العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟»، إن العروبة ربما تكون هي هذا الحطام الكائن المنتهي، مشيراً إلى أن مواطنيها والمنتمين إليها وُلِدوا عروبيين بالفطرة، رغم اختلاف الأشكال والقوالب، إلا أنها تكبر وتترعرع فيهم.
وعدّ المديني العروبة بالنسبة إليه ولجيله معركة التحرير الوطني بعد الاستقلال، وكذا الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية كجزء من المشروع الوطني، الذي يمثل أيضاً مشروع الأحزاب الوطنية والديمقراطية.
وذكر المديني أن عروبة الأنظمة العربية التي تلتقي في مؤتمرات للقمة تختلف عن عروبة الشعوب، التي تبدو ثقافية متطلعة لإحداث تغييرات.
من جهته، انطلق راشد صالح العريمي، الأمين العام السابق لجائزة الشيخ زايد للكتاب ورئيس تحرير جريدة «الاتحاد» سابقاً، من القول بأن العربية هي لسان وهوية وثقافة بعيداً عن الآيديولوجيا، سواء كانت قومية أو إسلامية، متسائلاً عن سبب ظهور التمايز بين العربية والعروبة.
واستحضر العريمي بدايات النهضة العربية، وما تلاها من تحولات، متوقفاً عند الجدل الذي تناول سؤال العروبة في علاقة بالقومية والدين، ومشيراً إلى أنه إذا كانت فكرة المجال القومي العربي قد مزجت بين عروبة اللسان والثقافة والوحدة السياسية، فإن التيارات والأحزاب السياسية قد بلورت مشاريع للوحدة العربية جربت خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وزاد العريمي موضحاً أن هزيمة 1967 ضربت العروبة السياسية في الصميم، لأن الذين كانون يقودونها في مصر وسوريا هم من تلقى عبء الهزيمة بدرجة أساسية، مشيراً إلى أن اليسار العربي، ورموز القومية العربية، أخفق في حرب النكسة، الشيء الذي أعطى مساحة للتيار الإسلامي لكي يعود إلى تأكيد دور الدين الإسلامي كمقوّم من مقومات الوحدة العربية، لكنه ما لبث أن تمدد واتسع خارج البلاد العربية، وبدأت تنظيماته تطرح نفسها كتنظيمات عابرة للدول وللقوميات، قبل أن تأتي فترة ما سمي بـ«الربيع العربي» لتكشف حقيقة هذه التنظيمات.
ورأى العريمي أن كل الدول العربية اليوم هي دول وطنية مكتملة، فيما لم تعد العروبة السياسية مطروحة على أي صعيد، لكنها ظلت لساناً وهوية وانتماء. قبل أن يعود للتأكيد على أن العروبة السياسية انتهت منذ عقود، من دون أن يتخلى أي طرف عن عروبة اللسان والهوية والثقافة.
كما تطرق العريمي إلى حديث المآلات، قبل أن يختم قائلاً: «كما أننا أبناء التاريخ فنحن أبناء اليوم أيضاً، وبالتالي فإذا كنا نريد البقاء في هذا العالم، فينبغي أن نكون ونبقى مع اللسان والانتماء العربي والدولة العربية الوطنية المعاصرة».
من جهته، رأى حاتم أحمد الصريدي، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة البحرين، أن الهوية العربية تعيش أزمة عميقة تتأرجح بين التشويش المستمر على الهوية الثقافية العربية، والتراجع والاضمحلال للانتماء القومي العربي، بسبب ما تلعبه وسائل الإعلام والاتصال العالمية من دور مؤثر وخفي في تعميق هذه الأزمة.
وتساءل الصريدي عن مدى استفادة العرب من وسائل الإعلام والاتصال، ومدى توظيفها في الدفاع عن الهوية العربية وترسيخ الانتماء القومي.
وخلص الصريدي إلى القول: «إننا نعيش اليوم حرباً ثقافية وحضارية جديدة أكثر ضراوة من أي وقت مضى، تسعى إلى تهميش الهوية وزعزعة الانتماء الوطني، فيما الأسلحة المستخدمة فيها هي أسلحة ذكية غير مرئية تجعل من الفوضى أبرز آلياتها».
من جهته، لاحظ الكاتب والباحث الموريتاني عبد الله ولد أباه، أن المشروع القومي العربي يعاني اليوم من مصاعب كثيرة، نتيجة لأن هذا الأفق السياسي لم يعد فقط يضيق، بل يتفكك ويتلاشى داخل البنية الاجتماعية.
وفي ثاني جلسات الندوة، ركزت إلهام كلاب، رئيسة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان في لبنان، على شخصية بطرس البستاني، على اعتبار أنه عمل على العروبة الثقافية والعروبة اللغوية، كما لم تغب عن فكره يوماً فكرة الوطنية والقومية، فتميز بالشمولية في الرؤية والمصداقية في القول والعمل، مؤكدة أهمية التعلُّم والمعرفة واللغة والمدارس في برنامج تنموي ونهضوي متواصل. وخلصت إلى القول إن البستاني انتقد أبناء العرب الذين يتفاخرون بما أنتجه الأجداد، دون النظر إلى ما يحققونه هم.
أما محمد المعزوز، الأستاذ الجامعي المغربي وعضو الهيئة العليا للاتصال المسموع والمرئي، فانطلق من حديث تعطيل الهوية الثقافية من أجل تعطيل الإحساس بالانتماء الذي تؤطره فكرة العروبة. وأشار إلى القطائع التي حدثت في الوعي النهضوي العربي، قبل أن يتساءل إن كانت الدعوة إلى الديمقراطية من أجل الحفاظ على العروبة، وتحقيق القومية هي دعوة سليمة من الناحية العلمية.
وأعطى المعزوز أمثلة عن القطعية التي حدثت في الفكر الإصلاحي النهضوي بفعل تغييب البعد العلمي. وبعد أن استحضر تنبيه المفكر المغربي عبد الله العروي إلى تضخم المقاربة السياسية لدى القوميين العرب، تساءل المعزوز: «هل نحن بحاجة اليوم إلى السؤال الآيديولوجي السياسي الذي أصابنا كالفيروس لمدة طويلة أم إلى السؤال الإبستيمي المعرفي، وكيف نكون عرباً أمام تحدي الثورة الصناعية الرابعة ووسائل التكنولوجيا بتعددها؟».
بدوره، تحدث الإعلامي المصري حسام السكري، المدير السابق لقناة «بي بي سي - عربي»، عن صعوبة الإجابة عن سؤال «العروبة إلى أين؟»، إذا لم نكن نعرف ما هذه العروبة، ومن هم العرب وأين هم وكيف هم؟ ثم تساءل عن «ما الذي تحققه هذه العروبة للمواطن البسيط؟»، قبل أن يشير إلى أننا صرنا أمام هوية متجددة، ربما تتطور في المستقبل إلى شيء آخر، ربما هوية إنسانية.
من جانبه، أشار كايد هاشم، نائب الأمين العام للشؤون الثقافية لمنتدى الفكر العربي، في معرض مداخلته خلال الجلسة المسائية الثالثة، إلى أن المشكلات التي نشأت عن ضعف الانتماء واضطراب الهوية «ما زالت تعمق التبعية والتجزئة والتخلف، مما يجعل صورة المستقبل ضبابية، خاصة مع فقدان التواصل بين مكونات الشخصية الحضارية، وقصور الإعلام عن تقديم رؤية وخطاب متفاعل مع المجتمعات وقضاياها، يؤكد هوية هذه المجتمعات ومرجعياتها الفكرية وقيمها الثقافية».
من جهته، انطلق الكاتب الصحافي اللبناني إياد أبو شقرا من الإقرار بأنه «ما عاد لنا ما يمكن وصفه بنظام عربي»، ملاحظاً أن كياناتنا العربية حين لا تتمزق من الداخل يثير مغامرون أزمات حدود ونزاعات مطامع مع الأهل والجيران، بل حتى هذه الأزمات والنزاعات تقزمت كثيراً أمام أطماع القوى الإقليمية غير العربية التي ألفت فينا، حسب قوله، ضعفاً مقيماً، فتجرأت علينا.
ورأى أبو شقرا أن مواصلة الهروب إلى الأمام، والبناء على رمال متحركة، لن تعطي النتيجة المتوخاة، قبل أن يخلص إلى القول: «إننا قد لا نتفق على تعريف قاطع للعروبة، لكن هل اتفقنا على بدائل لها؟ وهل هذه البدائل أفضل وأسلم، الشيء الذي يجعل من العروبة أفضل ما لدينا، ولذلك تستحق الإنقاذ؟».
أما الكاتب والباحث العراقي رشيد الخيون، فركز على مكانة غير العرب، من أكراد وتركمان وغيرهم داخل المنطقة العربية، حين يتم التعاطي مع العروبة كآيديولوجيا وسلطة. قبل أن يختم بالتمييز بين الإسلام السياسي العابر للجغرافيا وللوطنية، والوطنية العابرة للهويات.



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».