«حوار سري» أميركي ـ روسي حول سوريا لتجنب صدام عسكري... وإنساني

ماكغورك يلتقي فيرشينين ولافرنتييف في جنيف مع قرب انتهاء المدة الأولى لقرار المساعدات الإنسانية

عربة أميركية قرب منشأة نفطية شمال شرقي سوريا في 1 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
عربة أميركية قرب منشأة نفطية شمال شرقي سوريا في 1 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

«حوار سري» أميركي ـ روسي حول سوريا لتجنب صدام عسكري... وإنساني

عربة أميركية قرب منشأة نفطية شمال شرقي سوريا في 1 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)
عربة أميركية قرب منشأة نفطية شمال شرقي سوريا في 1 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)

يعقد مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بريت ماكغورك، ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فرشينين، والمبعوث الرئاسي ألكسندر لافرنتييف، جلسة حوار رسمية عن سوريا في جنيف الأسبوع المقبل، على أمل وضع أرضية تجنب الطرفين صداماً دبلوماسياً، مع اقتراب موعد التمديد للقرار الدولي الخاص بالمساعدات الإنسانية بداية العام المقبل، وتشابك الوضع العسكري في شمال شرقي سوريا. وفي الطريق إلى الاستحقاق الدبلوماسي في مجلس الأمن بداية العام، تسعى واشنطن للتنسيق مع حلفائها، عبر قيادة اجتماع موسع لعدد من الدول الكبرى والإقليمية على هامش مؤتمر التحالف الدولي لمواجهة «داعش» في بروكسل في الثاني من الشهر المقبل، في تكرار لاجتماع روما في يونيو (حزيران) الماضي. كما قررت موسكو تنظيم مؤتمر لـ«ضامني آستانة»، بمشاركة وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا، في منتصف الشهر المقبل، لتنسيق الموقف بين الدول الثلاث الموجودة عسكرياً في سوريا.

- كيف بدأ الحوار؟
منذ مجيء إدارة الرئيس جو بايدن، رهن فريقه أي حوار سياسي مع روسيا بموافقة الأخيرة على تمديد قرار المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» الذي انتهت مدته في يوليو (تموز) الماضي. وفي ضوء تفاهم بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، اجتمع ماكغورك وفيرشينين ولافرنتييف سراً في جنيف بداية يوليو (تموز)، واتفقوا على مسودة القرار الدولي الجديد الذي نزل من فوق على حلفاء واشنطن وموسكو في مجلس الأمن.
واشنطن قدمت تنازلات عدة لموسكو، عبر تخليها عن المطالبة بثلاثة معابر حدودية لإيصال المساعدات، والاكتفاء بمعبر باب الهوى بين إدلب وتركيا، وموافقتها على لغة جديدة في القرار، تضمنت مصطلحات مثل تمويل مشاريع «التعافي المبكر» و«الصمود»، ودعم المساعدات «عبر الخطوط». وعدت بعض الدول، بما فيها الحليفة لأميركا مثل فرنسا، تلك العبارات «اختراقاً روسياً بالالتفاف على الشروط الأوروبية» التي تتضمن 3 لاءات: لا للمساهمة بتمويل مشاريع الأعمار، لا لرفع العقوبات الغربية عن دمشق، لا للتطبيع مع دمشق، قبل حصول تقدم جوهري في عملية السلام، وتنفيذ القرار (2254).
ومقابل هذه التنازلات الأميركية، تعهدت موسكو شفوياً بالموافقة على التمديد لستة أشهر أخرى للقرار الدولي بعد الانتهاء في بداية العام من الأشهر الستة الأولى، إضافة إلى تحريك ملف عملية السلام وعمل اللجنة الدستورية، والحفاظ على وقف النار وثبات خطوط التماس بين مناطق النفوذ الثلاث، والتزام اتفاق «منع الصدام» بين الجيشين الأميركي والروسي شرق الفرات.

- أين نحن الآن؟
في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، عقد ماكغورك وفيرشينين ولافرنتييف جلسة ثانية من الحوار، عاتب فيها الجانب الروسي نظيره الأميركي بسبب عدم تقديم إعفاءات من عقوبات «قانون قيصر»، وعدم تخفيف الضغوطات على دمشق، وعدم استعجال منح موافقة للبنك الدولي لتمويل إصلاح خط الغاز العربي في الأراضي السورية الآتي من مصر والأردن إلى لبنان، إضافة إلى انتقاد بطء تقديم المساعدات «عبر الخطوط»، بل كان هناك عتب على صدور قائمة جديدة من العقوبات في نهاية يوليو (تموز) الماضي. وفي المقابل، جدد الجانب الأميركي المطالبة بتقديم المساعدات «عبر الحدود»، والحفاظ على وقف النار، ودفع عملية السلام وعمل اللجنة الدستورية. وتقويم عدد من الدبلوماسيين أن ماكغورك «كان مقتنعاً بأن الجانب الأميركي قام بكل ما يمكن القيام به خلال 10 سنوات لدفع موسكو لتقديم تنازلات، لكن الروس لا يريدون التحرك للضغط على دمشق، لذلك لن يقدم الأميركيون على أي مبادرة جديدة ما لم يتحرك الجانب الروسي». المفاجأة كانت هي الدعوة لعقد جولة ثالثة من الحوار في منتصف هذا الشهر. والتقويم الروسي حالياً هو عدم حصول أي تقدم بالنسبة للبنود الجديدة في القرار الدولي الخاص بالمساعدات، إذ إنه «فقط عبرت قافلتان الخطوط بين مناطق الحكومة والمعارضة في حلب وإدلب، وقامت دول أوروبية، خصوصاً فرنسا، بعرقلة تمويل مشاريع التعافي المبكر التي تخص مدارس أو مستشفيات، مع أن ألمانيا قدمت بعض التمويل، كما أنه لم تقر إلى الآن استراتيجية إطار العمل لبرنامج الأمم المتحدة في دمشق». وعليه، تعتقد موسكو أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لمجلس الأمن عن هذه الأمور بداية السنة المقبلة «سيكون خالياً من المعطيات، ما يسقط شرطاً أساسياً لضمان التمديد».
أما التقويم الأميركي، فيقوم على إدراك حصول «خطوة صغيرة» لدى عقد الجولة السادسة للجنة الدستورية بين 18 و22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تحقق التقدم المطلوب، بالانتقال إلى صوغ المبادئ الدستورية، إضافة إلى ضرورة بدء المبعوث الأممي بفتح ملفات أخرى في القرار (2254)، تخص وقف النار والمعتقلين وعودة اللاجئين والنازحين. يضاف إلى ذلك أن الجانب الأميركي قدم إلى مصر والأردن ولبنان ورقة الضمانات التي تدعم مشروع «الغاز العربي»، وتؤكد استثناءه من «قانون قيصر»، حسب الرغبة الروسية. كما أن الجانب الأميركي اتخذ موقفاً حيادياً من خطوات عربية للتطبيع مع دمشق. ويقول موقفه، لكن لا يفرضه على أحد، ويذكر بعقوبات «قيصر» بصفته قانوناً.

- تشابك وصفقة
قناة ماكغورك - فيرشينين هي سياسية، بل أصبحت «إنسانية» أكثر، وتركز على قرار المساعدات «عبر الحدود» و«عبر الخطوط». صحيح أن رئيسي هيئة الأركان الروسي فاليري غيراسيموف، والأميركي مارك ميلي، قد اجتمعا قرب هلسنكي قبل أسابيع للحفاظ على اتفاق «منع الصدام» في سوريا، لكن الأيام الأخيرة شهدت زيادة في حجم وطبيعة الانتشار الروسي شرق الفرات، قرب القوات الأميركية، سواء لجهة نشر طائرات حربية في القامشلي والرقة أو توسيع نشر الدوريات والمراكز الروسية بهدف «ردع» تركيا من توغل جديد يضرب بـ«قوات سوريا الديمقراطية»، حليفة واشنطن. ولا يمانع ماكغورك في ردع تركيا، لكنه يدرك أيضاً أن هذا الانتشار الروسي يزيد الضغط على القوات الأميركية لمغادرة الأراضي السورية بعد التجربة الأفغانية.
وتطلب زيادة الحشود تفعيل وتكثيف الاتصالات اليومية الأميركية - الروسية، لكن أيضاً تطلب تنشيط المساعي السياسية، بحيث تشجع واشنطن «قوات سوريا الديمقراطية»، وجناحها السياسي في «مجلس سوريا الديمقراطية»، للحوار مع دمشق، في حين تشجع موسكو الحكومة السورية على مرونة سياسية مع الأكراد. وفي ضوء أن المسؤولة الكردية إلهام أحمد كانت في واشنطن وموسكو، ولافرنتييف كان في دمشق، فقد يشكل الحوار الروسي - الأميركي بعد أيام مناسبة لاختبار احتمالات الدفع لحوار سياسي بين القامشلي ودمشق، بناء على الإشارات التي صدرت من قياديين أكراد فيما يتعلق بالاعتراف بالرئيس بشار الأسد، والاستعداد لتسليم الموارد النفطية والاستراتيجية إلى دمشق.
وأمام الاختلاف في قراءة نتائج تنفيذ القرار الدولي الخاص بالمساعدات، وقلة المعطيات في تقرير غوتيريش، فأغلب الظن أن موسكو لن توجه ضربة للمساعدات التي تستفيد منها مناطق الحكومة، بل يرجح أن يشكل لقاء ماكغورك وفيرشينين مناسبة لتفاوض جديد للوصول إلى صفقة جديدة تضمن تقديم الجانب الأميركي ضمانات بالعمل خلال الأشهر الستة المقبلة على تنفيذ البنود المتعلقة بـ«التعافي المبكر» والمساعدات «عبر الخطوط»، مقابل موافقة روسية على تمديد إضافي للقرار الدولي. وهذا «التنازل» كان قد سبق أن تعهد به فيرشينين لماكغورك في يوليو (تموز) الماضي.



مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».


عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
TT

عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)

تزامناً مع جولة خليجية بدأها وزير الخارجية المصري، الأحد، لتعزيز التضامن وتنسيق المواقف مع دول الخليج في مواجهة التطورات المتسارعة بالمنطقة، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصالات هاتفية، الأحد، مع قادة قطر والإمارات والأردن «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

ووصل عبد العاطي، الأحد، إلى العاصمة القطرية الدوحة، في مستهل جولة خليجية تستهدف «التنسيق والتشاور إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوجيه رسالة تضامن مع الأشقاء العرب، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميين»، وفق إفادة رسمية لـ«الخارجيّة المصرية» لم تحدد الدول التي ستتضمنها الجولة.

وزير الخارجية المصري خلال لقائه وأمير قطر في مستهل جولة خليجية (وزارة الخارجية المصرية)

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي مصري لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة تكثف جهودها وتتواصل مع جميع الأطراف المعنية من أجل خفض التصعيد، وتعزير التعاون العربي في مواجهة التحديات الأمنية، وإنشاء قوة عربية مشتركة.

وأكد المصدر أن التطورات المتلاحقة في المنطقة والتهديدات المتكررة أثبتت أنه لا سبيل لتحقيق الأمن سوى تعزيز آليات التعاون العربي.

الأمن القومي العربي

وفي أولى محطات الجولة، التقى عبد العاطي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث نقل رسالة من السيسي تؤكد «دعم مصر الكامل قيادة وحكومة وشعباً لدولة قطر ووقوفها وتضامنها مع الأشقاء في قطر في هذا الظرف الدقيق على إثر الاعتداءات الإيرانية الآثمة المتكررة»، بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف.

وقال خلاف إن أمير قطر «ثمَّن الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في الحفاظ على استقرار المنطقة والدفاع عن الأمن القومي العربي».

وأكد وزير الخارجية المصري موقف بلاده الرافض وإدانتها الكاملة «للاعتداءات التي تتعرض لها من جانب إيران، وتستهدف المساس بسيادة دولة قطر وأمنها القومي ومقدرات شعبها»، مشدداً على أنه «لا يمكن قبول أي ذرائع أو مبررات أو مسوغات لهذه الاعتداءات السافرة التي تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق الامم المتحدة».

وقال إن «أمن دولة قطر ودول الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي أن «الرسالة الأهم في جولة عبد العاطي هي التأكيد على وقوف مصر بشكل قاطع وداعم لدول الخليج، وتقديم كل ما من شأنه دعم أمنها وقدراتها، وإدانة الاعتداءات الإيرانية على أراضيها».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجولة «تأتي في مرحلة مفصلية وشديدة التعقيد وفي توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، ما يجعل من التحرك الدبلوماسي المصري أمراً ضرورياً ومطلوباً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وبذل المساعي وتبادل الأفكار لتنسيق المواقف». وأشار إلى أن أحد الملفات المطروحة خلال المباحثات هو مرحلة ما بعد الحرب ومقترح تشكيل قوة عربية مشتركة.

العمل المشترك

وتزامناً مع جولة عبد العاطي، أجرى الرئيس المصري اتصالات هاتفية، الأحد، مع أمير قطر ورئيس دولة الإمارات، وملك الأردن، أكد خلالها أن بلاده تُجري اتصالات وتحركات دولية وإقليمية مكثفة لوقف الحرب في أقرب وقت ممكن»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي.

وشدد السيسي، بحسب بيان الرئاسة المصرية، على أن «مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، وأن مصر تنظر إلى الأمن القومي الخليجي بوصفه امتداداً للأمن القومي المصري»، كما أنها ترى أن أمن الأردن «جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن المصير المشترك يفترض تعزيز التعاون العربي، وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات».

وأكد السيسي «ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتجاوزها، وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن التصدي لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية»، مشدداً على أن «وحدة الصف العربي هي السبيل الأمثل لمواجهة التحديات الراهنة، وصون استقرار المنطقة».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن جولة عبد العاطي الخليجية لها 3 أهداف، أولها هو «تأكيد التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات غير المبررة».

أما الهدف الثاني، بحسب تصريحات حسن لـ«الشرق الأوسط»، فيتمثل في «تنسيق المواقف في إطار استعداد مصر للوساطة من أجل إيقاف الحرب، في ضوء الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس المصري ونظيره الإيراني».

أما الهدف الثالث فهو «العمل على تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وإنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن الإقليمي».

وزير الخارجية المصري مجتمعاً مع أمير قطر ووزير خارجيتها بالدوحة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

وتلقى الرئيس المصري اتصالاً هاتفياً، الجمعة، من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

وكان عبد العاطي قد أكد خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، الأسبوع الماضي، «أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادته»، مشيراً في هذا السياق إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة».


تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
TT

تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)

يشكو مرضى وذووهم في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء من تدهور غير مسبوق في الخدمات الصحية داخل المستشفيات الحكومية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، بالتوازي مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاع تكاليف العلاج، وتعطل بعض الأجهزة الحيوية، الأمر الذي فاقم من أعبائهم المالية في ظل تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.

ويقول مرضى ومرافقون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن المستشفيات الحكومية التي كانت تُعد سابقاً الملاذ الأخير للفئات الفقيرة، أصبحت اليوم عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية، الأمر الذي يدفع كثيراً من المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات الخاصة، رغم أن تكاليفها تتجاوز قدرتهم المالية المحدودة.

وتشهد أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات الرئيسية في صنعاء ازدحاماً شديداً، من بينها مستشفيات «الثورة» و«الجمهوري» و«الكويت» و«السبعين» و«المستشفى العسكري»، في ظل نقص ملحوظ في الكوادر الطبية، وتعطل كثير من الأجهزة التشخيصية والعلاجية.

معدات طبية معطلة في مستشفى حكومي خاضع للحوثيين بصنعاء (فيسبوك)

ويؤكد سكان أن هذا الواقع يؤدي في كثير من الحالات إلى تأخر تقديم الرعاية للحالات الطارئة والحرجة؛ خصوصاً في ظل الضغط الكبير على هذه المرافق التي تستقبل يومياً أعداداً متزايدة من المرضى القادمين من العاصمة ومناطق ريفية مجاورة.

وبسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية داخل المستشفيات، يضطر كثير من المرضى إلى شراء المحاليل والعلاجات وحتى بعض المستلزمات الطبية من الصيدليات الخارجية، وهو ما يزيد من معاناتهم المالية في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة، وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات.

أزمات متعددة

ويتحدث عاملون في القطاع الصحي في صنعاء عن تحديات كبيرة تواجه معظم المستشفيات الحكومية، من أبرزها: نقص التمويل، وانقطاع رواتب العاملين الصحيين منذ سنوات، إلى جانب محدودية الإمدادات الطبية، وتراجع الدعم المقدم للقطاع الصحي.

ويقول هؤلاء العاملون إن سنوات الصراع والانقسام السياسي والحرب المستمرة أدت إلى إنهاك المنظومة الصحية بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان.

كما يشيرون إلى أن مستشفيات كثيرة تعاني نقصاً في الأطباء المتخصصين والكوادر التمريضية، في وقت تزداد فيه أعداد المرضى الذين يقصدون هذه المرافق بحثاً عن العلاج.

«مستشفى الشرطة» الخاضع للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

ويؤكد «محمد. ع»، وهو مريض قلب في صنعاء، أنه اضطر إلى الانتظار ساعات طويلة في قسم الطوارئ في «المستشفى الجمهوري»، قبل أن يتمكن من مقابلة طبيب.

وقال إن الدواء الذي وصفه له الطبيب لم يكن متوفراً داخل المستشفى، ما اضطره إلى شرائه من صيدلية خارجية بأسعار مرتفعة؛ مشيراً إلى أن المشكلة لا تقتصر على نقص الأدوية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى نقص الأطباء المتخصصين.

ولا يختلف الحال بالنسبة إلى «أم سمير»، وهي والدة لطفل يعاني التهاباً رئوياً؛ إذ تقول إن معاناتها بدأت منذ لحظة وصولها إلى «مستشفى الثورة» قادمة من إحدى مناطق ريف صنعاء.

وأوضحت أن إدارة المستشفى أخبرتها أن بعض الأجهزة الطبية معطَّلة، وأن عليها إجراء الفحوصات في مركز خاص خارج المستشفى، وهو ما يمثل عبئاً مالياً كبيراً بالنسبة إلى أسرة بالكاد تستطيع توفير تكاليف المواصلات.

تجمع لمرضى يمنيين وذويهم في باحة أحد المستشفيات الحكومية بصنعاء (فيسبوك)

كما يروي «خالد»، وهو اسم مستعار لموظف حكومي في صنعاء، تجربة مشابهة بعد نقله والده المسن إلى «مستشفى الكويت» بسبب مضاعفات مرض السكري.

وقال إن الأسرة الطبية أخبرته بعدم توفر أسرَّة شاغرة، وأن معظمها مخصص لحالات أخرى، ما اضطر الأسرة إلى نقل والده إلى مستشفى خاص رغم تكاليف العلاج المرتفعة.

تحذيرات أممية

في ظل هذه الظروف، يحذِّر مختصون في القطاع الطبي من أن استمرار تدهور الخدمات الصحية قد يؤدي إلى تفاقم معاناة آلاف المرضى؛ خصوصاً المصابين بالأمراض المزمنة والنساء الحوامل والأطفال، الذين يعتمدون بشكل أساسي على المستشفيات الحكومية للحصول على الرعاية الطبية.

ويتهم ناشطون يمنيون الجماعة الحوثية بفرض قيود على الحصول على الخدمات الصحية داخل بعض المرافق الحكومية، مؤكدين أن هذه الخدمات باتت في كثير من الحالات خاضعة لمعايير الولاء والانتماء.

حملات تعسف حوثية تستهدف عيادات خدمات صحية (إكس)

ويطالب هؤلاء الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية الدولية بتكثيف الدعم للقطاع الصحي في اليمن، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات، بما يسهم في تخفيف معاناة المرضى وضمان حصولهم على الرعاية الصحية الأساسية.

وتأتي هذه التحذيرات بالتوازي مع تنبيه صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، التي حذَّرت من احتمال إغلاق مئات المرافق الصحية في اليمن خلال عام 2026، بسبب العجز الحاد في التمويل.

وأوضحت المنظمة أن نحو 453 مرفقاً صحياً مهدد بالتوقف عن العمل إذا استمر نقص الدعم المالي، مشيرة إلى أن نحو 60 في المائة فقط من المرافق الصحية في البلاد تعمل حالياً بكامل طاقتها.

وأكدت المنظمة أن تراجع التمويل المخصص للقطاع الصحي قد يضع ملايين اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وشددت على أن توفير الرعاية الصحية الأساسية يعد أحد أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، محذِّرة من أن انهيار مزيد من المرافق الصحية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية في اليمن خلال الفترة المقبلة.