فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا

«حكومة الوحدة» تطالب المنقوش بمواصلة عملها رغم قرار «الرئاسي» إيقافها

رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح خلال مؤتمر صحافي في طرابلس (أ.ف.ب)
رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح خلال مؤتمر صحافي في طرابلس (أ.ف.ب)
TT

فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا

رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح خلال مؤتمر صحافي في طرابلس (أ.ف.ب)
رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح خلال مؤتمر صحافي في طرابلس (أ.ف.ب)

بينما تستعد ليبيا لخوض أول انتخابات من نوعها في تاريخها لاختيار رئيسها المقبل، تصاعدت أمس حدة الخلافات داخل ترويكا السلطة الانتقالية في البلاد، بعدما رفضت حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة قراراً مفاجئاً أصدره المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي بإيقاف وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش عن العمل ومنعها من السفر وإحالتها للتحقيق، بسبب «مخالفات إدارية» لم يحددها.
وأعلن عماد السايح رئيس المفوضية العليا للانتخابات خلال مؤتمر صحافي عقده بالعاصمة طرابلس، فتح باب الترشح اعتباراً من يوم أمس للانتخابات الرئاسية حتى 22 من الشهر الحالي، وللبرلمانية حتى 7 من الشهر المقبل، موضحاً أن 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل سيكون تاريخ الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، على أن تجري الجولة الثانية تزامناً مع الانتخابات البرلمانية في شهر فبراير (شباط) المقبل.
وأشار إلى أن قبول طلبات الترشح للانتخابات الرئاسية سيقتصر على 3 فروع للمفوضية في طرابلس وبنغازي وسبها، نظراً لحساسيتها، بينما ستُقبل طلبات الترشح للانتخابات النيابية عبر 25 مركزاً، كما أعلن افتتاح 14 مركزاً انتخابياً للناخبين النازحين من مختلف أنحاء البلاد، ستشرع في عملها اعتباراً من اليوم.
وقال السايح إن الانتخابات البرلمانية ستتزامن مع الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التي توقع إجراءها بعد نحو 52 يوماً من الجولة الأولى من هذه الانتخابات. وأضاف: «تسلّمنا التعديلات كافة التي طلبناها من مجلس النواب دون تعديل المادة 12 من قانون انتخاب الرئيس، وهي تعديلات فنية بامتياز، تضمن عدم الطعن في الانتخابات، وليست تعديلات سياسية لا شأن لنا بها»، واعتبر أن «كل من تنطبق عليهم الشروط للترشح للانتخابات الرئاسية يحق لهم خوض العملية الانتخابية».
وبعدما توقع حدوث خروقات في العملية الانتخابية، قال السايح «إن هناك إجراءات خاصة لمجابهة هذه الخروقات حال وقوعها»، لافتاً إلى تشكيل فريق من 26 منسقاً أمنياً للتواصل مع وزارة الداخلية بشأن عملية تأمين الانتخابات، التي قال إن حمايتها من اختصاص الوزارة التي ستتولى تأمين وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع.
ورغم شكواه من تعرض المفوضية لما وصفه بحملة تشويش وتشويه من قبل شخصيات لا تدعم الانتخابات المرتقبة، تعهد في المقابل بـ«بذل ما في وسعنا لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة». وأوضح: «سيتم توزيع نحو 2.2 مليون بطاقة ناخب على مراكز الاقتراع»، وقال: «أعطينا تعليماتنا بخصوص عدم تسليم بطاقة الناخب إلا عبر الحضور الشخصي».
وسارع رئيس مجلس عقيلة صالح، الذي لم يحسم مسألة ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، بإعلان مباركته لما وصفه بانتصار الشعبِ الليبِي بتحقيقِ إرادته القاضية بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. ودعا صالح مواطنيه لممارسة حق اختيار من يمثلهم بكل الحرية.
من جهته، امتنع محمد حمودة، الناطق باسم حكومة الوحدة، عن تأكيد صحة تقارير تحدثت عن اعتزام رئيسها الدبيبة خوض الانتخابات الرئاسية، ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في الحكومة أن «الدبيبة يعتزم الترشح، فيما يبدأ التسجيل الرسمي للمرشحين يوم الاثنين». وقال حمودة إن الدبيبة الذي سيعود اليوم إلى طرابلس بعد زيارة تركيا، لم يبلغه بالإعلان عن ترشحه للانتخابات الرئاسية بشكل رسمي.
بدورها، دعت حكومة الوحدة في بيان أصدرته في ساعة مبكرة أمس، وزيرة خارجيتها نجلاء المنقوش، إلى «متابعة عملها بنفس الوتيرة»، وأشادت بجهودها الوطنية المبذولة في أداء مهامها بالشكل المطلوب، وذلك بعد ساعات فقط من قرار المجلس الرئاسي بوقف المنقوش عن العمل ومنعها من السفر.
واعتبرت الحكومة أن مخرجات الحوار السياسي الليبي الموقع في جنيف العام الماضي لا تعطي أي حق قانوني للمجلس الرئاسي في تعيين أو إلغاء تعيين أعضاء السلطة التنفيذية أو إيقافهم أو التحقيق معهم، مشيرة إلى أن هذه الصلاحيات حصرية للدبيبة وفقاً لاتفاق جنيف. ودعت جميع السلطات للالتزام بمهامها المحددة في الإعلان الدستوري وملحقاته واتفاق جنيف والابتعاد عن كل ما من شأنه التسبب في تداخل الصلاحيات أو عرقلة أعمالها.
ونفت المنقوش ما نسب إليها بخصوص الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة «لتسليمها المواطن الليبي أبو عجيلة مسعود المشتبه به في قضية تفجير طائرة لوكربي عام 1988»، وقالت، في بيان وزعه مكتبها، إنها «لم تذكر اسمه خلال مقابلتها المثيرة للجدل مع قناة (بي بي سي) البريطانية». وأوضحت أنها أجابت عن سؤال متعلق بضحايا لوكربي وضحايا تفجير «مانشستر أرينا» الذي وقع عام 2017 واتهم بتنفيذه مواطن بريطاني من أصول ليبية، أن هذه المسائل من اختصاص مكتب النائب العام في ليبيا، وهو من يتولى مسؤولية معالجتها من بين المؤسسات القضائية بالبلدين.
وبعدما اعتبرت أن مؤتمر استقرار ليبيا، الذي عقد مؤخراً في طرابلس، إنجازاً سيسهم في تحسين وضع ليبيا في الساحة الدولية، حذرت من تداول ونشر الأخبار الكاذبة والمضللة للرأي العام.
لكن قناة «بي بي سي» قالت أمس في المقابل إن المنقوش أخبرتها باستعداد الحكومة الليبية للتعاون مع الولايات المتحدة في إمكانية ترحيل متهم ليبي جديد في التفجير إلى الولايات المتحدة، مشيرة إلى أنه يتم إحراز تقدم في هذا الشأن، وتابعت: «نتفهم الألم والحزن اللذين يشعر بهما الضحايا وأسرهم».
وكان المجلس الرئاسي أمر بوقف المنقوش «عن العمل والتحقيق معها، فيما نسب إليها من مخالفات إدارية تتمثل في انفرادها بملف السياسة الخارجية دون التنسيق مع المجلس الرئاسي وفقاً لمخرجات ملتقى الحوار السياسي، ومنعها من السفر خارج البلاد احتياطياً إلى حين انتهاء التحقيقات والبتّ في نتائج أعمالها من المجلس الرئاسي». ونصّ قراره بالخصوص على «تشكيل لجنة تحقيق برئاسة نائب رئيس المجلس عبد الله اللافي»، على أن ترفع تقريرها في غضون أسبوعين.
واعتبرت المنقوش، الموجودة حالياً خارج البلاد، أن «ليبيا أكبر من الجميع»، وكتبت في تغريدة لها عبر موقع «تويتر»: «صادقون في حب وطننا، وليس ادعاء للحصول على مطامعنا الشخصية أو سبيلاً لنيل أهدافنا الذاتية، فنحن نحبه من دون رفع الشعارات الجوفاء التي ظاهرها الولاء والحب وباطنها حاجة في نفس يعقوب، وحبنا له يكون بالانتماء الحقيقي إليه، والعمل الدؤوب والسعي على نشر السلام».
في المقابل، قالت نجوى وهيبة الناطقة باسم المجلس الرئاسي لـ«الشرق الأوسط» إن قرار المجلس بحق المنقوش اتُخذ بناء على ما نسب إليها عن مخالفات إدارية تتعلق بانفرادها بملف السياسة الخارجية دون رجوع للمجلس الرئاسي ما يعد مخالفة لمخرجات ملتقى الحوار السياسي. وأوضحت أن «قرار الإيقاف الاحتياطي عن العمل هو إجراء إداري متبع ومتعارف عليه للتحقق من سير العمل وللتثبت مما نسب إليها». لكن وهيبة لم توضح الكيفية التي تم بها اطلاع حكومة الدبيبة والمنقوش على هذا القرار، علماً بأن مقربين من المنقوش قالوا إنها سمعت به للمرة الأولى من مساعديها بعدما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولم يوزع المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي كالمعتاد القرار على منصاته الإعلامية التقليدية، واكتفى بتمريره لبعض وسائل الإعلام المحلية، قبل أقل من أسبوع على استضافة العاصمة الفرنسية باريس لمؤتمر دولي يوم الجمعة المقبل، ستحضره نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس، للتحضير للانتخابات الرئاسية في ليبيا.
وبينما التزم مجلس النواب الصمت حيال هذه المماحكات السياسية، أعلن 80 من أعضائه دعم المجلس الرئاسي ضد ما وصفوه باختراقات حكومة الوحدة لخريطة الطريق وإصدارها قرارات وتعيينات ليست من تخصصها.
إلى ذلك، اندلعت مساء أول من أمس اشتباكات عنيفة بمنطقة بلدية الزهراء بورشفانة بين تشكيلات مسلحة تابعة لوزارتي الداخلية والدفاع بحكومة الوحدة غرب ليبيا. وسيطر جهاز دعم الاستقرار وعناصر من الكتيبة 55 مشاة التابعة لرئاسة أركان قوات الحكومة على تقاطع في ورشفانة بعد اشتباكات مع كتيبة رمزي اللفع، أسفرت عن مقتل مواطنة أم لـ4 أطفال. وكان معمر الضاوي آمر الكتيبة نجا الأسبوع الماضي من محاولة اغتيال فاشلة بمنطقة غوط الشعال.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.