القهوة والسهر والمواءمات أوصلت كيري وظريف إلى اتفاق الإطار بشأن الملف النووي

وزير الخارجية الأميركي حزم حقائبه 3 مرات من باب الضغط على نظيره الإيراني

وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف يتشاوران على هامش مفاوضات لوزان ({نيويورك تايمز})
وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف يتشاوران على هامش مفاوضات لوزان ({نيويورك تايمز})
TT

القهوة والسهر والمواءمات أوصلت كيري وظريف إلى اتفاق الإطار بشأن الملف النووي

وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف يتشاوران على هامش مفاوضات لوزان ({نيويورك تايمز})
وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف يتشاوران على هامش مفاوضات لوزان ({نيويورك تايمز})

لم يكن هذا سوى واحد من مئات السجالات بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، أثناء سعيهم للتوصل إلى ما قد تبين أنه واحد من أصعب الاتفاقات الخاصة بالسيطرة على الأسلحة في تاريخ المفاوضات. ويوضح ذلك كيف يمكن لبلدين لا يثق أحدهما في الآخر التوصل إلى اتفاق مبدئي.
وبعد كشف الرئيس باراك أوباما عن وجود عملية تخصيب يورانيوم تتم تحت الأرض بالقرب من مدينة قم المقدسة في إيران في نهاية عام 2009، طالب البيت الأبيض بإلغاء العملية وإغلاق الموقع، بينما ملأ الإيرانيون المنشأة، التي تسمى «فوردو»، بـ3 آلاف جهاز طرد مركزي، وهو ما مثل مشكلة كبيرة بالنسبة للمخططين العسكريين الأميركيين والإسرائيليين، لأنه لا يمكن أن تصل إليها وتدمرها إلا أكبر القنابل.
وصرح آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، بأنه لن يتم إغلاق أي منشأة نووية. لذا عندما تطرقت المفاوضات إلى مصير «فوردو»، أصر الإيرانيون على ضرورة الإبقاء على أجهزة الطرد المركزي، في حين قال الأميركيون إنه يجب إخلاء الموقع منها تماما. وكان الحل الوسط، الذي يعد الأكثر إيلاما على حد قول مسؤول أميركي، مساء الخميس، هو الإبقاء على ألف جهاز طرد مركزي، دون أن يكون هناك أي مادة قابلة للانشطار يمكن استخدامها في تصنيع سلاح نووي. وفي مقابل ذلك يمكنهم إنتاج عنصر آخر لعمل نظائر مشعة تستخدم في أغراض طبية. مع ذلك أقر المسؤول أن ذلك الوضع سيئ، حيث قال: «وجود جهاز طرد مركزي واحد في (فوردو) أمر صعب».
وبعد عامين من جهود دبلوماسية سرية، أعقبها تعزيز تدريجي للتواصل، و8 أيام متواصلة، وليال من السهر في المفاوضات خلال الأسبوع الماضي في لوزان بسويسرا، كانت عسيرة إلى حد جعل المسؤولين يبدون كأنهم قادمين من رحلة طيران دامت 20 ساعة عندما حل موعد تناولهم لوجبة الإفطار، كان الاتفاق الذي تم التوصل إليه يوم الخميس زاخرا ببنود مثل الآتي ذكرها.
يدعو الاتفاق طهران إلى خفض مخزونها النووي، والحد مما تقوم به من أنشطة تخصيب بحيث يصبح الوقت اللازم لتصنيع سلاح نووي نظريا هو عام، وهو ما يمثل ابتعادا كبيرا عن التقدير الحالي الذي يتراوح بين شهرين و3 أشهر. وتقبل الطرفان مواءمات وحلول وسط كبيرة في هذا الصدد؛ فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يعني هذا قبول احتفاظ إيران بالبنية التحتية النووية بشكل محدود. وبالنسبة إلى إيران، يعني هذا وضع قيود على عمل المنشآت النووية، والخضوع إلى ما أسماه أوباما بأكثر أنظمة التفتيش تدخلا في التاريخ.
ولا يزال من المبكر تحديد ما إذا كانت تلك المواءمات سوف تصمد حتى الجولة التالية والأخيرة من المفاوضات، أم أنه ستتم مراجعتها في واشنطن وطهران. ولم يتم تحديد توقيت تخفيف العقوبات بعد، فعلى سبيل المثال يصف كل طرف الأمر وصفا مختلفا.
وتلقى أحداث العامين الماضيين، خصوصا الأسبوع الماضي، بعض الضوء على ما يحدث عندما يوجد مسؤولو بلدين، توقفا عن التواصل تقريبا لمدة 35 عاما ولديهما تاريخ طويل مضطرب من انعدام الثقة، والتخريب، والأكاذيب، والعنف، داخل غرفة واحدة في فندق سعيا لاكتشاف سبيل للتفاهم.
ومن المؤكد أنه سيكون هناك المزيد من الجدال خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، بينما يسعى المفاوضون إلى إبرام اتفاق نهائي شامل. وقد يعود هذا إلى كون المفاوضين قد غادروا فندق الـ«بوريفاج» بعد دفع فاتورة باهظة، حيث يزيد سعر الليلة في الفندق عن 1.500 دولار، لكن دون أن يكون معهم وثيقة متفق عليها تتضمن تفاصيل التزامات كل من الجانب الإيراني والأميركي وكذلك الشركاء في التفاوض.
وأينما تحل ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين، نزيلة في الفندق هنا، يتبعها لوح أبيض يحمل التفاهمات التي توصل إليها الإيرانيون والأميركيون، والتي أحيانا تكون باللغتين الإنجليزية والفارسية. وكان للوح غرض دبلوماسي كبير وهو منح الطرفين فرصة للتفكير في الاقتراحات من دون تسجيل أي شيء على الورق. وأتاح هذا للإيرانيين الحديث من دون إرسال وثيقة إلى طهران من أجل مراجعتها، وهو أمر يسمح للمتشددين بالاعتراض على أجزاء منها، وذلك بحسب ما أوضح كثير من المسؤولين الأميركيين الذين تم إجراء مقابلات معهم من أجل هذا المقال، والذين رفضوا التصريح بأسمائهم لمناقشة المداولات الداخلية.
وقال مسؤول في البيت الأبيض: «لقد كان حلا ذكيا لا يتطلب كثيرا من التكنولوجيا».
مع ذلك فإن لهذا الحل عيوبا، حيث كتب أحد الأميركيين عليه بقلم غير مخصص لهذا النوع من الألواح مما اضطره إلى كحته بشدة من أجل محو بعض الأرقام السرية. ولم يعد لذلك وجود خلال العام الأول من رئاسة أوباما عندما كانت الاجتماعات الطارئة التي تعقد بشأن إيران أكثر من أي اجتماعات أخرى على حد قول أحد مساعديه البارزين منذ بضع سنوات. وبحلول نهاية العام الأول من الفترة الرئاسية، توصل الرئيس إلى بعض الاستنتاجات المهمة. إذا تمكنت إيران من تصنيع قنبلة نووية، لن تجدي أساليب «الاحتواء» التقليدية نفعا، وستحاول الدول العربية، وأولها المملكة العربية السعودية، القيام بالمثل. كذلك كان رفض التفاوض قبل إيقاف عمل كل أجهزة الطرد المركزي، وهي الاستراتيجية نفسها التي أتبعتها إدارة الرئيس جورج بوش، استراتيجية غير مجدية. وكان عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة في إيران عام 2003 بضع مئات، وكان عددها بضعة آلاف مع تولي أوباما الرئاسة، ووصل عددها حاليا إلى 19 ألف.
ولم يعد من المجدي الإصرار على تفكيك إيران لكل المنشآت أيضا، فهذا سينهي أي مفاوضات قبل أن تبدأ. كذلك لن يفلح توجيه ضربة عسكرية على الأقل لفترة طويلة. وكما قال ويليام بيرنز، نائب وزير الخارجية، الذي ترأس محاولة سرية لإقامة علاقات مع الرئيس الإيراني الجديد، حسن روحاني أخيرا: «لا يمكنك توجيه ضربة عسكرية ضد المعرفة. ولا يوجد ما نستطيع تدميره ولا يمكن إعادة بنائه في بضع سنوات».
وانغمس أوباما بكل المقاييس في تفاصيل فنية، بداية بأجهزة الطرد المركزي العملاقة في مفاعل «ناتانز»، عندما كان عليه الموافقة على شن هجمات الإنترنت الواحدة تلو الأخرى. وكان هناك أمل في أن تجبر تلك الهجمات، معززة بالعقوبات الاقتصادية، إيران على رؤية حماقة الاستمرار في هذا الطريق. وكان الرأي السائد حينها هو السماح لإيران بالتمتع بقدرة إنتاج رمزية، لكن مع مرور الوقت، أصبحت أهداف الإدارة أقل طموحا. ومع تقدم المفاوضات ببطء نحو الأمام، أصبح من الواضح أنه للتوصل إلى اتفاق يجب السماح لإيران بالحفاظ على خطاب يؤكد عدم تراجعها، أو تفكيكها للمنشآت.
وتعمق أوباما في التفاصيل الفنية الخاصة بالمواءمات، والحلول الوسط للمشكلات السياسية، حيث قرأ بيانات حول 3 اقتراحات بشأن كيفية تحويل مفاعل الماء الثقيل في مدينة آراك، بحيث يظل يعمل من دون إنتاج بلوتونيوم يمكن استخدامه في تصنيع قنبلة نووية. وكثيرا ما كان ينغمس في طرق عمل أنظمة التفتيش.
ومع تجاوز المحادثات موعدا نهائيا تلو الآخر، كان على الإدارة تقبل المزيد من المواءمات والحلول الوسط، فبدلا من الإبقاء على قيود صارمة طوال فترة الاتفاق البالغة 15 عاما، على سبيل المثال، بدأت تتحدث عن الإبقاء على أكثر القيود صرامة، مثل التي تضمن حاجة إيران إلى عام على الأقل لإنتاج اليورانيوم اللازم لتصنيع قنبلة نووية، بدلا من الإصرار على فترة العشر سنوات. وبينما كان جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، يستعد للعودة إلى المفاوضات في لوزان الشهر الماضي، كان الفرنسيون يتساءلون علنا عما إذا كان هو وفريقه قد استهلكوا إلى الحد الذي يدفعهم إلى الرضا بمواءمات غير حكيمة من أجل إبرام اتفاق قبل الموعد المحدد في نهاية مارس (آذار).
وقال أحد مساعدي كيري تعليقا على هذا الانتقاد: «إنك تسمع مثل تلك الأقاويل وتريد الرد بالتساؤل عما إذا كانوا يستطيعون الجلوس على طاولة المفاوضات لأشهر ومعرفة ما إذا كانوا قادرين على تقديم ما هو أفضل».
وهناك على الجانب الآخر مفاوضات أخرى يجريها جون بينر، رئيس مجلس النواب، وبنجامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي. ويعلم أي مفاوض جيدا أن المفاوضات الناجحة هي المفاوضات التي يتوصل فيها الطرفان إلى اتفاق غير مرض تماما.
ويروج الرئيس أوباما لهذا الاتفاق بقوله إما أن نقبل الاتفاق أو الحرب. ومع تزايد التوتر في المحادثات على مدى الشهرين الماضيين، قرر الإيرانيون إرسال وزير الطاقة النووية، مما حث أوباما على إرسال إرنست مونيز، وزير الطاقة الأميركي، وأحد أبرز علماء الطاقة النووية في البلاد. وأدى هذا إلى تغيير ديناميكية الموقف، حيث دخل الرجلان في عملية منفصلة، وقال أحد المسؤولين الأميركيين البارزين: «لقد تعاملا مع تلك الأمور كأنها مشكلات علمية».
وفي ظل وجود أجزاء متحركة كثيرة، استمرت شيرمان، أكثر الدبلوماسيين تنظيما، في حمل ألواح الكتابة البيضاء، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع أناقة الغرف التي كانوا يعقدون فيها اللقاءات في فندق الـ«بوريفاج». ومع كل مشكلة كان يتم حلها كانت تظهر مشكلتان. وباتت مدة الاجتماعات تطول أكثر فأكثر. وكان من الواضح أن كيري يشعر بأنه محاصر، فقام 3 مرات بركوب دراجته، لكنه اضطر خلال مرتين منهما إلى العودة لتلقي اتصال من الرئيس. وذهب لتناول الكريب وارتاد مقهى من أجل المساعدة في الإعداد للاحتفال بأعياد ميلاد بعض الصحافيين الأميركيين.
أما داخل غرف الاجتماعات، فلم تكن أصوات ماكينة عمل القهوة تكف عن إصدار أزيزها، حيث كان يحاول كل من المسؤولين الأميركيين والإيرانيين البقاء مستيقظين. مع ذلك عندما جاء الموعد النهائي المحدد وهو 31 مارس، ومر دون التوصل إلى اتفاق، لم يكن الاستسلام خيارا.
وقال مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية: «كانت المشكلة هي أن كل شيء مرتب حتى إنك ترى الاتفاق يلوح أمام ناظريك، وتعلم البنود، لكن إبرامه أمر آخر». لقد كان يعرف الإيرانيون أن تجاوز الموعد النهائي يعني كثيرا لكيري، الذي كان بحاجة إلى إظهار تقدمه للكونغرس، في حين أنه لم يكن يعني أي شيء لهم. لذا أخذ كيري يرتب لموعد مغادرته، ربما كأسلوب من أساليب الضغط. ووضع فريقه حقائبهم على الطائرة 3 مرات وكان يتم إعادتها إلى الفندق في كل مرة بعدها بساعات. وبعد جولة من المفاوضات استمرت طوال الليل يوم الأربعاء، تم سؤال محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، عن قسط النوم الذي حظي به، فأجاب قائلا: «ساعتين. وقد كنت الأكثر حظا». وكانت آخر مجموعة من التنازلات المتبادلة مؤلمة. وعندما أصر الإيرانيون على الإبقاء على بعض أجهزة الطرد المركزي في «فوردو»، وافق أوباما على هذا بعد ما أكد مونيز له أن المنشأة، التي ستكون خالية من أي مواد قابلة للانشطار بموجب الاتفاق، لن تمثل أي تهديد. وكانت هذه المصداقية هي ما أنقذت الموقف. وفوجئ مسؤولو الإدارة بعزم إيران على إهدار ألف جهاز طرد مركزي، تدور بلا هدف، من أجل الحفاظ على الكرامة الوطنية. وحدث الشيء نفسه عند العثور على حل لمشكلة مفاعل «آراك» للماء الثقيل، الذي وافقوا على إعادة تصميمه. وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى: «قال مونيز إنه لن ينتج أي بلوتونيوم تتيح نسبته تصنيع سلاح نووي»، مشيرا إلى أنه في حال تلاعب الإيرانيين، سوف يتم كشف الأمر فورا. أما في البيت الأبيض فكان أوباما يحث أجهزة الاستخبارات على معرفة النيات الحقيقية لآية الله خامنئي، الذي سيكون له الصوت المرجح في أي اتفاق في إيران. ويذكر أنه لم يقتنع بأي اتفاق سابق. وقال المسؤول: «صراحة، هذا أمر لا يمكن معرفته».

شارك بيتر بيكر
في إعداد التقرير من واشنطن
*خدمة: «نيويوك تايمز»



ما تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك... ودوافع ترمب للسيطرة على الجزيرة؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
TT

ما تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك... ودوافع ترمب للسيطرة على الجزيرة؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً عن طموحه للسيطرة على غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وتساءل عما إذا كان للدنمارك أي حق قانوني في الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.

وأحيا هذا النقاش التدقيق في الطريقة التي أصبحت بها غرينلاند تابعة للدنمارك والحكم الذاتي فيها ومسعاها للاستقلال والوجود العسكري الأميركي هناك.

الرئيس دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن قبل جلسة عامة لقمة رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في لاهاي 25 يونيو 2025 وحذرت رئيسة الوزراء الدنماركية من أن أي هجوم أميركي على أحد حلفاء «ناتو» سيكون نهاية «كل شيء» وذلك بعد أن كرر الرئيس الأميركي رغبته في ضم غرينلاند (أ.ف.ب)

كيف حصلت الدنمارك على غرينلاند؟

كانت شعوب الإنويت من آسيا وأميركا الشمالية تسكن غرينلاند على فترات متقطعة منذ ​نحو 2500 سنة قبل الميلاد. واستقر الفايكنج بقيادة إريك الأحمر في جنوب الجزيرة عام 985 تقريباً، ومارسوا الزراعة وبنوا الكنائس. ووصل في نفس الوقت تقريباً أسلاف الإنويت الحاليين وعاشوا على الصيد وجمع الثمار وباتت ثقافتهم هي المهيمنة، وطردوا المستوطنين من الفايكنج عام 1400 تقريباً.

واستعمرت الدنمارك غرينلاند في القرن الثامن عشر عندما وصل المبشر هانز أجد في عام 1721 لتبدأ الحقبة الاستعمارية. ولا يزال تمثال المبشر أجد على قمة تل في إحدى مناطق العاصمة نوك، ويعدّه العديد من سكان غرينلاند رمزاً لتقاليد الإنويت المفقودة.

وكان يشار إلى الإنويت في السابق باسم «الإسكيمو».

واشترت الولايات المتحدة في عام 1916 جزر الهند الغربية الدنماركية، التي أصبحت الآن الجزر العذراء الأميركية، مقابل ذهب بقيمة 25 مليون دولار. وفي إطار هذه المعاهدة، قالت واشنطن إنها لن تعترض على قيام الحكومة الدنماركية بتوسيع «مصالحها السياسية والاقتصادية لتشمل غرينلاند بأكملها»، لتعترف بذلك رسمياً بالسيادة الدنماركية.

صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وعينه على غرينلاند (إكس)

ما وضع غرينلاند الآن؟

تحولت غرينلاند من مستعمرة إلى إقليم رسمي في عام 1953 بموجب الدستور الدنماركي، رغم أنه لم تتم ‌استشارة سكان الجزيرة. ‌وتتطلب أي عملية بيع تعديلاً دستورياً. وأصبح بإمكان غرينلاند، منذ عام 2009، إعلان الاستقلال من خلال عملية تستلزم ‌استفتاء ⁠وموافقة ​البرلمان الدنماركي، والحكم الذاتي ‌واسع النطاق لكنه يستثني الشؤون الخارجية والدفاع، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

ويبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 57 ألف نسمة، ولديها بنية تحتية محدودة دون طرق تربط بين بلداتها البالغ عددها نحو 17.

العلاقات بين الدنمارك وغرينلاند

توترت العلاقات بسبب الكشف عن سوء سلوك تاريخي؛ إذ قامت السلطات الدنماركية بنقل سكان الإنويت قسراً إلى بلدات أكبر في الخمسينات من القرن الماضي، مما أدى إلى تهميش ممارسات ولغات السكان الأصليين الذين يشكلون نحو 90 في المائة من السكان. واعتذرت الدنمارك في عام 2022 عن تجربة في خمسينات القرن الماضي بإرسال أطفال غرينلاند إليها.

وتظهر السجلات أنه تم تركيب أجهزة داخل أرحام آلاف من النساء والفتيات في عمر صغير حتى 13 عاماً، دون موافقتهن من 1966 حتى عام 1991 الذي سيطرت فيه غرينلاند على الرعاية الصحية. واعتذرت الدنمارك في عام 2025 عن حملة تحديد النسل التي استمرت لعقود.

وجاء في فيلم وثائقي عام 2025 ⁠أن الدنمارك وشركاتها استفادت من منجم للكريوليت بين عامي 1853 و1987 دون أن يستفيد السكان المحليون من ذلك. واستخرجت الكريوليت، المستخدم في إنتاج الألومنيوم، من غرينلاند التي لديها أكبر المكامن في العالم.

صورة مركَّبة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى علم غرينلاند (رويترز)

ما علاقة ‌غرينلاند بالاتحاد الأوروبي؟

انضمت الجزيرة إلى الجماعة الأوروبية في عام 1973 عن طريق الدنمارك، لكنها انسحبت منها في عام 1985 بعد الحكم الذاتي. وتحمل الآن وضع إقليم تابع للاتحاد ‍الأوروبي في الخارج، وتحتفظ بترتيب خاص بمصائد الأسماك.

ما الوجود الأميركي؟

يُبقي الجيش الأميركي على وجود دائم في قاعدة بيتوفيك الجوية بشمال غربي غرينلاند بموجب اتفاقية في عام 1951 تتيح حرية بناء القواعد بإخطار للدنمارك والجزيرة.

واستوعبت الدنمارك تاريخياً الوجود الأميركي؛ لأنها لا تستطيع الدفاع عن غرينلاند، وتستفيد من الضمانات الأمنية الأميركية من خلال حلف شمال الأطلسي.

لماذا يريد ترمب غرينلاند؟

قال ترمب إن الاستحواذ على الجزيرة يمثل أولوية للأمن القومي، وإن الولايات المتحدة يجب أن تمتلك غرينلاند لمنع روسيا أو الصين من احتلالها. ويمر أقصر طريق من أوروبا إلى أميركا الشمالية عبر غرينلاند، مما يجعلها مهمة لنظام الإنذار المبكر الأميركي ضد الصواريخ الباليستية.

وتقع الجزيرة في مفترق طرق جيوسياسي وسط عسكرة للقطب الشمالي من ​حلف شمال الأطلسي وروسيا والصين. وتريد الولايات المتحدة توسيع وجودها العسكري بوسائل، من بينها الرادارات لمراقبة المياه التي تستخدمها السفن والغواصات الروسية.

لا توجد أدلة تذكر حالياً على أن عدداً كبيراً من السفن الصينية والروسية تبحر بالقرب من سواحل غرينلاند. وتظهر بيانات شحن ⁠أن معظم الملاحة الصينية في مياه القطب الشمالي تتم في أقصى شمال المحيط الهادئ وطريق بحر الشمال بالقرب من روسيا، أما معظم الملاحة الروسية في مياه القطب الشمالي تتم حول سواحل روسيا نفسها، لكن محللين يقولون إن غواصات روسية كثيراً ما تبحر في المياه الواقعة بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا.

وتقول روسيا إن الحديث عن أن موسكو وبكين تشكلان تهديداً لغرينلاند كذب لإثارة حالة من الهيستيريا.

وبشكل عام، زاد استخدام القطب الشمالي في أغراض عسكرية مع قيام دول حلف شمال الأطلسي والصين وروسيا بتوسيع نشاطها هناك.

وتتمتع الجزيرة، التي تقع عاصمتها نوك على مسافة أقرب إلى نيويورك من العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، بثروات معدنية ونفطية وغاز طبيعي، لكن التنمية بطيئة ولم يشهد قطاع التعدين إلا استثمارات أميركية محدودة جداً.

طائرة تحمل رجل الأعمال الأميركي دونالد ترمب جونيور تصل إلى نوك في غرينلاند (أ.ف.ب)

ماذا يريد سكان غرينلاند؟

تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية سكان الجزيرة يؤيدون الاستقلال من حيث المبدأ. لكن كثيرين منهم يحذرون من التسرع بسبب الاعتماد الاقتصادي على الدنمارك، والانكشاف المفرط على الولايات المتحدة في حالة السعي للاستقلال بسرعة كبيرة.

ويمثل صيد الأسماك أكثر من 90 في المائة من صادرات غرينلاند. وتغطي الإعانات الدنماركية نحو نصف الموازنة العامة، وتمول المستشفيات والمدارس وتدعم البنية التحتية للجزيرة الشاسعة ذات الكثافة السكانية المنخفضة.

وقد يسمح الاستقلال بالارتباط مع الولايات المتحدة بموجب اتفاق الارتباط الحر على غرار الاتفاقيات مع ميكرونيزيا وبالاو وجزر مارشال.

ويوفر اتفاق الارتباط الحر عادة الخدمات والحماية العسكرية الأميركية مقابل الدخول لممارسة أنشطة دفاعية، لكن مدى استفادة غرينلاند من ذلك يتوقف على حجم الدعم ووتيرة تنويع ‌الاقتصاد بعيداً عن صيد الأسماك.

ماذا تقول الدنمارك وغرينلاند؟

عندما عرض ترمب خلال فترته الرئاسية الأولى شراء الجزيرة، وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن العرض بأنه «سخيف».

وشددت فريدريكسن ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن في ديسمبر (كانون الأول) 2025 على أنه لا يمكن ضم غرينلاند، وأن الأمن الدولي لا يبرر مثل هذا التحرك.


رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

قالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، اليوم (الخميس)، إن طموح الولايات المتحدة في امتلاك غرينلاند «لا يزال قائماً»، مشيرة إلى أن الاجتماع الذي جرى أمس في واشنطن بشأن الجزيرة «لم يكن سهلاً».

وأكدت فريدريكسن أن بلادها ستواصل التصدي للمساعي الأميركية لضم غرينلاند، وذلك فيما يبدو بعد فشل الاجتماع الذي ضم وزيري خارجية الدنمارك وغرينلاند مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وفقاً لما ذكرته وكالة بلومبرغ.

وقالت رئيسة وزراء الدنمارك: «لا يزال هناك خلاف جوهري لأن الطموح الأميركي للسيطرة على غرينلاند لا يزال قائماً. هذا أمر خطير، ولذلك سنواصل جهودنا لمنع تحقيق هذا السيناريو».

صورة مركَّبة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى علم غرينلاند (رويترز)

وتظهر تصريحات فريدريكسن تصاعد حدة التوتر بشأن غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي تابعة لمملكة الدنمارك، بعد أن أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً أن الولايات المتحدة بحاجة للسيطرة عليها لأغراض الأمن القومي.

وعلى صعيد آخر، تم الإعلان عن تنظيم مظاهرات في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، وفي نوك، كبرى مدن غرينلاند، إضافة إلى 3 مدن دنماركية أخرى، لإرسال إشارة إلى الإدارة الأميركية، تفيد بأنه لا يمكن ضم غرينلاند أو شراؤها.

وفي بروكسل، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن غرينلاند يمكنها الاعتماد على الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن الاتحاد يناقش الاستثمارات مع حكومة الجزيرة.

وأكدت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي سيواصل العمل مع الولايات المتحدة بشأن أمن القطب الشمالي، في ما يبدو أنه ردّ على مخاوف ترمب من تهديدات روسيا والصين لأمن المنطقة.

كان ترمب قد صرح أمس بأن «أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند غير مقبول».

وأضاف ترمب، في تصريحات صحافية، أنه «إذا لم نحصل على غرينلاند فستحصل عليها روسيا والصين، وهذا لن يحدث».

وتابع أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) «يجب أن يمهد لنا الطريق للحصول على غرينلاند»، معتبراً أن الحلف سيصبح أكثر قوة وفاعلية بوجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة.


الأوروبيون ينشرون قوة عسكرية «رمزية» في غرينلاند لمواجهة أطماع واشنطن

ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
TT

الأوروبيون ينشرون قوة عسكرية «رمزية» في غرينلاند لمواجهة أطماع واشنطن

ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)

أحبط فشل الاجتماع الثلاثي رفيع المستوى في البيت الأبيض، الأربعاء، الذي ضمّ ممثّلين عن الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند آمال كوبنهاغن ونوك «عاصمة غرينلاند» والعواصم الأوروبية في التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تدفعه إلى التراجع عن هدفه المعلن بالاستحواذ على الجزيرة القطبية.

وكان جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، وماركو روبيو وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، بالغي الوضوح، وفق الصحافة الأميركية لجهة عزم ترمب على السيطرة على الجزيرة؛ لسبيين رئيسيين: الأول، منعها من الوقوع تحت سيطرة روسيا والصين بسبب ضعف الدفاعات الدنماركية، والثاني حاجة الولايات المتحدة إليها لأمنها القومي. وتوافق الأطراف الثلاثة على تشكيل «مجموعة عمل» لمواصلة المناقشات.

«الاستيلاء» على غرينلاند

ما حصل لم يُرضِ بتاتاً رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي وزّعت بياناً مكتوباً، الخميس، كشفت فيه عن «خلاف جوهري» مع واشنطن، باعتبار أن «الطموح الأميركي بالاستيلاء على غرينلاند ما زال قائماً بلا تغيير». وأضافت في بيانها ما حرفيته: «هذه بالطبع مسألة خطرة، ونحن نواصل جهودنا للحؤول دون أن يصبح هذا السيناريو واقعاً».

من جهته، جدّد رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، في منشور على «فيسبوك»، الخميس، تأكيده أن الجزيرة «لا تريد أن تُحكم أو تُمتلك من قبل الولايات المتحدة، وأنها ستبقى جزءاً من الدنمارك ومن الحلف الأطلسي».

وقال: «الآن ليس وقت النقاشات الداخلية. الآن هو وقت الوحدة والهدوء وتحمّل المسؤولية. أتابع الوضع عن كثب، وأنا إلى جانبكم من أجل رعاية غرينلاند». وبذلك، قطع نيلسن الطريق على محاولات اللعب الأميركية على حبل الخلافات الكامنة بين كوبنهاغن ونوك، مُفضّلاً إبراز جبهة موحدة في مواجهة الأطماع الأميركية.

ليس سراً أن المسؤولة الدنماركية تسعى منذ شهور لتعبئة شركاء بلادها في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي للوقوف إلى جانبها، ومحاولة ثني ترمب عن خططه. لكن التصريحات المتواترة للرئيس الأميركي، وما شدد عليه فانس وروبيو، أغلقت نوافذ الحوار وتخطت كافة الحجج الأوروبية - الأطلسية التي كانت كلها تسعى لإقناع ساكن البيت الأبيض بانتفاء الحاجة للسيطرة التامة على الجزيرة.

والحُجّة الأولى تأكيد انتفاء التهديد الروسي - الصيني المباشر، بالنظر أن أنشطة موسكو وبكين البحرية لم تتزايد في الأشهر الأخيرة، ولا شيء يشي برغبتهما بوضع اليد عليها. والحُجّة الثانية أن لواشنطن أمرين أساسيين؛ الأول، وجود قاعدة عسكرية - فضائية قريبة من العاصمة نوك. والثاني، تمكن الولايات المتحدة من تعزيز حضورها العسكري في غرينلاند استناداً إلى اتفاقية ما زالت صالحة أبرمت بينها وبين كوبنهاغن في عام 1954، أي في أثناء الحرب الباردة.

كذلك يصر الأوروبيون - الأطلسيون على جاهزيتهم لمساعدة الدنمارك عسكرياً؛ إنْ لحماية غرينلاند أو لضمان أمن القطب الشمالي.

لم يكن لهذه الحجج التي فصّلها وزير خارجية الدنمارك لارس لوك راسموسن في اجتماع البيت الأبيض أي أثر على المقاربة الأميركية، إلى درجة أنه أعلن، في المؤتمر الصحافي الذي عقد مباشرة عقب الاجتماع في مقر سفارة بلاده في واشنطن، أنه «لم يتمكن من تغيير الموقف الأميركي. ومن الواضح أن الرئيس ترمب لديه رغبة في غزو غرينلاند. وقد أوضحنا بشكل جيد جداً، أن هذا ليس في مصلحة المملكة».

كذلك، وصف الوزير الدنماركي الخلاف مع واشنطن بأنه «جوهري»، وأن «لا مبرر» لاستيلاء أميركا على الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي في إطار السيادة الدنماركية. أما بالنسبة للخطط الروسية - الصينية، فقد سارعت موسكو إلى اعتبار أن حديث حلف شمال الأطلسي عن كون موسكو وبكين تُعدّان لتهديد غرينلاند بأنه «أسطورة» الهدف منها «إثارة الهيستيريا». وحذّرت روسيا من مخاطر تصعيد المواجهة في المنطقة. ولا توجد حالياً سوى أدلة محدودة على إبحار أعداد كبيرة من السفن الصينية والروسية قرب سواحل غرينلاند.

حضور رمزي

إزاء ما سبق، وبسبب عبثية المساعي «العقلانية» لدفع واشنطن لتغيير مقاربتها، فقد كان على كوبنهاغن والعواصم الأوروبية أن تفتش عن بديل. ولكن المشكلة تكمن في أن الأوروبيين حريصون على التحرك بحذر في هذه المرحلة الخطرة وتجنب إغاظة ترمب لحاجتهم الماسة إليه في حرب أوكرانيا والتطورات في إيران.

من هنا، سعوا للتحرك بعيداً عن الاستفزازات العبثية. وشددت رئيسة الحكومة الدنماركية على «وجود توافق في إطار حلف شمال الأطلسي على أن تعزيز الوجود في الدائرة القطبية الشمالية هو أمر أساسي بالنسبة إلى الأمن الأوروبي والأميركي الشمالي».

ماكرون يخاطب جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (رويترز)

وقرنت ميته فريدريكسن القول بالفعل عن طريق تعزيز حضور بلادها العسكري بحرياً وبرياً وزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي الوقت نفسه، لم يتردّد الأوروبيون في مدّ يد العون إليها، والاستجابة لطلبها، والقيام من جانبهم وبناء على طلبها بإرسال مجموعات عسكرية «رمزية وقليلة العدد في مرحلة أولى» من أجل إبراز التضامن مع الدنمارك والتهيئة لمناورات عسكرية واسعة لاحقاً.

وحتى اليوم، قامت السويد وألمانيا والنرويج وفرنسا وهولندا بإرسال وحدات رمزية وصلت إلى العاصمة نوك، فيما وُصف بأنه «مهمة استطلاع» تحضيرية للمشاركة في مناورات «الصمود في القطب الشمالي». وجاءت مشاركة ألمانيا، وإن كانت رمزية، بالغة الأهمية بالنظر للعلاقات الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة التي ما زالت لديها قوات ترابط على أراضيها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كما أنها تنشر في إحدى قواعدها صواريخ مزودة برؤوس نووية.

فائدة الانتشار العسكري

ليس سراً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يريد أن يتزعم الفريق الداعي لقيام «الاستقلالية الأوروبية الاستراتيجية»، وأنه كان الأشدّ تنديداً بالمطامع الأميركية. وفي الخطاب الذي ألقاه، بعد ظهر الخميس، أمام القادة العسكريين في قاعدة «إيستر» الجوية القريبة من مدينة مرسيليا جنوب البلاد، أكّد ماكرون أن طليعة القوة الفرنسية المكونة من 15 رجلاً سوف تعزز بإرسال «وسائل جوية وبحرية وبرية في الأيام المقبلة، إلا أنه امتنع عن تقديم تفاصيل عن ذلك.

وفسّر مشاركة بلاده في هذه القوة بأنه «يتعين على فرنسا أن تكون إلى جانب دولة ذات سيادة من أجل مساعدتها على حماية أراضيها». وأضاف ماكرون أن على فرنسا والأوروبيين أن «يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، ومن دون أي مساومة».

هل سيكون للانتشار العسكري المتواضع تأثير على المقاربة الأميركية؟ من الواضح أن الأوروبيين لا يريدون أبداً مواجهة الأميركيين عسكرياً، فالأمر محسوم سلفاً.

وقال مصدر عسكري في باريس إن الغرض إحراج الجانب الأميركي للتبعات السياسية المترتبة على عملية مواجهة عسكرية بين دول تنتمي كلها للحلف الأطلسي، ولما لذلك من نتائج كارثية على صورة الحلف وعلى الولايات المتحدة بشكل رئيسي. ومن جانب آخر، فإن تعزيز الوجود الأوروبي - الأطلسي يراد أن ينظر له على أنه «استجابة» لما يطلبه ترمب من حماية غرينلاند، وهي الحماية التي يطالب بها الأخير.