السيناتور جو مانشين... أبرز وجوه «المحافظين» الديمقراطيين

معارضته لحزمة إعادة البناء تهدد بإفشال بايدن وأجندة حزبه

السيناتور جو مانشين... أبرز وجوه «المحافظين» الديمقراطيين
TT

السيناتور جو مانشين... أبرز وجوه «المحافظين» الديمقراطيين

السيناتور جو مانشين... أبرز وجوه «المحافظين» الديمقراطيين

قد لا يكون السيناتور الديمقراطي الأميركي جوزيف مانشين، أحد أشهر السياسيين في حزبه، إلا أن نتائج انتخابات عام 2020 التي مكّنت الديمقراطيين من الحصول على 50 مقعداً في مجلس الشيوخ، ليمنحهم صوت نائبة الرئيس كمالا هاريس الصوت المرجّح، في أي تصويت أساسي، حوّلت هذا السيناتور المغمور سابقاً إلى واحد من أكبر اللاعبين في حلبة الصراع السياسي والحزبي المفتوحة على مصراعيها اليوم في الولايات المتحدة.
الرجل الذي يمثل ولاية ويست فيرجينيا هو أحد أبرز «المحافظين» الديمقراطيين. كيف لا، وولايته اليوم هي إحدى أكثر الولايات الأميركية ولاء للجمهوريين، وللمحافظين المتشددين منهم على وجه الخصوص. وكما يطلق على جمهوريّي ولاية كاليفورنيا بأنهم «جمهوريون في الاسم فقط»، لليبراليتهم المتماشية مع مزاج ناخبي أكبر ولاية أميركية، يطلق على مانشين أنه «ديمقراطي في الاسم أيضاً» لمواقفه المحافظة المتشددة في كثير من القضايا. وهو حقاً تحول اليوم إلى العقبة الكأداء أمام تمرير أجندة الرئيس جو بايدن نفسه، وليس فقط أجندة الليبراليين التقدميين في الحزب الديمقراطي، اقتصادياً واجتماعياً، على الرغم من إشادته به، معتبراً «أن انتخابه كان خياراً ضرورياً لأميركا في هذه الفترة».

في المناوشات الشرسة بين السيناتور جو مانشين، وليبراليّي الحزب الديمقراطي و«تقدميّيه»، حول حجم أجندتهم وشكلها، نراه يحذّر من أن «اليسار سيقود الأمة إلى الاعتماد على الحكومة، بشكل يؤدي إلى تعطيل تقدم البلاد». وفي تعليقات أخيرة له، قال مانشين: «لقد كنت واضحاً جداً عندما يتعلق الأمر بمن نحن كمجتمع، ومن نحن كأمة... لا أعتقد أنه يجب علينا تحويل مجتمعنا إلى مجتمع نفعي أو استحقاقي». قوله هذا، تحوّل إلى صرخة يستخدمها الجمهوريون أيضاً، للترويج لاعتراضهم على دور الحكومة وحجمها ومسؤولياتها، إبّان «معركتهم» لتقليص حزمة الإنفاق الداخلي (3.5 تريليون دولار) التي قدمها الديمقراطيون، إلى أقل من نصف حجمها. وهي الحزمة التي تمثل أفضل فرصة أمام الرئيس جو بايدن لسنّ تشريعات أساسية قبل منتصف عهده عام 2022. وتابع مانشين، إنه بينما تتحمل الحكومة «مسؤولية أخلاقية لرعاية أولئك الذين لا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم... يجب أن تكون شريكتهم، وليس مقدِّم الخدمة». وأضاف: «عندما تكون الصناعة الخاصة مستعدة وقادرة على التدخل، يجب على الحكومة أن تتراجع، علينا فقط موازنة الأمور». وفي حين استمرت الأسئلة المحيطة بالفاتورة النهائية للحزمة، وعمّا إذا كانت إدارة بايدن ستنجح في التوصل إلى اتفاق قبل مغادرته إلى قمتي المناخ ومجموعة العشرين في إيطاليا وغلاسكو في المملكة المتحدة، أكد مانشين أنه يريد أن تكون في حدود 1.5 تريليون دولار، مشيعاً أجواء إيجابية عن قرب الاتفاق مع أعضاء حزبه، بعد اجتماعه ببايدن وبرئيس الغالبية في مجلس الشيوخ السيناتور تشارلز (تشاك) شومر. وفي المقابل، يواصل القادة الديمقراطيون الضغط لجعلها بقيمة تريليوني دولار، بعدما قبلوا بخفضها بالفعل من 3.5 تريليون دولار. وللعلم، نجحت اعتراضات مانشين بالفعل في حذف البنود المتعلقة بإطار عمل الغرامات لمرفق الطاقة، المعروف باسم برنامج أداء الكهرباء النظيفة، فضلاً عن أحكام مناخية أخرى، بما في ذلك الضريبة على غاز الميثان. واستبعد فوائد الرعاية الطبية الموسعة، وهي إحدى أولويات السيناتور اليساري بيرني ساندرز، رئيس لجنة الميزانية في مجلس الشيوخ، محذراً من أنها تقوض ملاءة برنامج الصحة لكبار السن، المعروف باسم «ميديكير».

- ديمقراطي في ولاية محافظة
جوزيف مانشين الثالث - وهذا هو اسمه الكامل - سياسي في الحزب الديمقراطي، ورجل أعمال شغل منصب عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ويست فرجينيا منذ 2010، وقبلها شغل منصب الحاكم الـ34 للولاية من عام 2005 إلى 2010، وأمينها الـ27 من 2001 إلى 2005. وكان قد أسس شركة سمسرة لإنتاج الفحم، يمتلك فيها 1.5 مليون دولار من الأسهم الخاصة.
يُعرّف مانشين نفسه بأنه «ديمقراطي محافظ معتدل»، وغالباً ما يوصف أنه أكثر الديمقراطيين «يمينية» في مجلس الشيوخ. ورغم تحول ويست فيرجينيا إلى واحدة من أكثر الولايات «جمهورية» في البلاد، حافظ مانشين على موقعه فيها، وفاز في انتخابات حاكم الولاية عام 2004 بهامش كبير، وأعيد انتخابه بهامش أكبر عام 2008، مع أن المرشحين الجمهوريين الرئاسيين في كلا العامين، جورج بوش الابن وجون ماكين، فازا في الولاية بهامش مريح أيضاً على آل غور وباراك أوباما. وفي الانتخابات الخاصة التي أجريت عام 2010 لملء مقعد مجلس الشيوخ الذي شغر بوفاة السيناتور الديمقراطي المخضرم روبرت بيرد، فاز مانشين بنسبة 54 في المائة من الأصوات، ليعاد انتخابه لفترة ولاية كاملة عام 2012 بنسبة 61 في المائة من الأصوات. وأعيد انتخابه عام 2018 بأقل من 50 في المائة من الأصوات، حين تحوّلت ولاية ويست فيرجينيا إلى «ولاية متحزبة» بشكل متزايد. وعند تقاعد السيناتور الديمقراطي جاي روكفلر عام 2015، أصبح مانشين السيناتور الأقدم في الولاية.
على صعيد آخر، منذ انتخابه يُعرف مانشين بدعمه لتعاون الحزبين أو التصويت والعمل مع الجمهوريين في قضايا، مثل الإجهاض وملكية الأسلحة. وفي مقابلة له مع صحيفة «النيويورك تايمز» عام 2014، قال مانشين إن علاقته بالرئيس (آنذاك) باراك أوباما «غير موجودة إلى حد ما»، وكان من أشد المعارضين لسياساته في الطاقة، بما في ذلك التخفيضات والقيود المفروضة على تعدين الفحم. وأدى قَسمه الأول في مجلس الشيوخ الأميركي أمام نائب الرئيس (آنذاك) جو بايدن في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، خلفاً للسيناتور المؤقت كارت غودوين، وصوّت ضد قانون «لا تسأل، لا تخبر» الخاص بالمثليين في القوات الأميركية، عام 2010، وصوّت على إزالة دعم التمويل الفيدرالي لتنظيم الأسرة في عام 2015.

- داعم لترمب ومعارض له
وفقاً لموقع «فايف ثيرتي آيت»، الذي يتتبع أصوات أعضاء الكونغرس، صوّت مانشين لصالح ترمب بنسبة 50.4 في المائة من الوقت إبان فترة رئاسته. وأيّد سياساته في الهجرة كما صوّت لتثبيت معظم أعضاء إدارته والقضاة الذين عينهم في المحكمة العليا، بما في ذلك القاضي بريت كافانوه. ولقد رحب مانشين في البداية برئاسة ترمب، قائلاً: «سيصحح سياسات التداول، وانعدام التوازن في سياساتنا التجارية، الذي هو أمر فظيع». كذلك أيّد فكرة ترمب «لدعوة الشركات ومنعها من نقل المصانع إلى الخارج». وكان الديمقراطي الوحيد الذي صوّت لتثبيت تعيين وزير العدل جيف سيشنز ووزير الخزانة ستيفن منوشين، وواحداً من اثنين من الديمقراطيين صوّتا لتثبيت سكوت برويت مديراً لوكالة حماية البيئة، المعارض لسياسات المناخ الديمقراطية، وواحداً من 3 ديمقراطيين صوّتوا لتأكيد ريكس تيلرسون، الآتي من شركة «إكسون موبيل»، كأول وزير خارجية في عهد ترمب. لكنه في المقابل صوّت مراراً ضد محاولات إلغاء قانون الرعاية الميسرة «أوباما كير»، وصوّت للحفاظ على تمويل تنظيم الأسرة في عام 2017، وضد التخفيضات الضريبية وقانون الوظائف لعام 2017. ورغم تعيين المحافظة إيمي باريت قاضية في المحكمة العليا في نهاية المطاف، فإن مانشين صوت ضدها، بسبب قرب موعد الانتخابات الرئاسية قبل أقل من شهر، وهي الحجة نفسها التي استخدمها الجمهوريون إبان سيطرتهم على مجلس الشيوخ، مانعين أوباما من تعيين قاضٍ قبل أكثر من 8 أشهر على موعد الانتخابات. كما أنه صوت لإدانة ترمب في محاولتي عزله، وأدان تحريضه لمناصريه في أحداث 6 يناير (كانون الثاني) واقتحام مبنى الكابيتول. ووفقاً للموقع نفسه، صوّت مانشين لصالح بايدن بنسبة 100 في المائة اعتباراً من مايو (أيار) 2021. ولكن بعد انتخابات 2020، أصبح تصويته في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون بنسبة 50 - 50 متأرجحاً. وجعلته هذه الغالبية الهامشية للحزب الديمقراطي في الكونغرس الحالي أحد أكثر أعضائه تأثيراً.

- عدو «التقدميين» اللدود
يعتبر جو مانشين أحد أبرز المعارضين للسياسات الداخلية للجناح التقدمي في حزبه، بما في ذلك الرعاية الطبية للجميع، وإلغاء التعطيل (الفيليباستر) في مجلس الشيوخ، وزيادة عدد القضاة في المحكمة العليا، وزيادة الحد الأدنى للأجور الفيدرالية إلى 15 دولاراً في الساعة، ومحاولات إلغاء تمويل الشرطة. ويُعدّ مانشين أيضاً من بين أكثر الأعضاء الديمقراطيين تأييداً لسياسة الانعزال، إذ كان من أكثر الداعين لسحب القوات الأميركية من أفغانستان، وعارض معظم التدخلات العسكرية في سوريا. وفي يونيو (حزيران) 2011 ألقى خطاباً في مجلس الشيوخ دعا فيه إلى «خفض كبير ومسؤول للوجود العسكري للولايات المتحدة في أفغانستان». وقال: «لم نعد قادرين على إعادة بناء أفغانستان وأميركا. يجب أن نختار. وأنا أخترت أميركا». وفي بداية عام 2014 أدلى بتصريحات مماثلة، قائلاً إن «كل المال وكل القوة العسكرية في العالم لن تغيّر ذلك الجزء من العالم».

- مواقفه من سوريا
وفي أعقاب الهجوم الكيماوي على منطقة الغوطة في ضواحي دمشق في أغسطس (آب) 2013، قال مانشين: «لا شك في وقوع هجوم، وليس هناك شك في أنه تم تدبيره من نظام الأسد، لكن ليس من الواضح ما إذا كان الأسد قد أصدر الأمر بنفسه. لم يثبت ذلك». وعارض أي ضربات على الحكومة السورية انتقاماً منها. وبدلاً من ذلك، قدّم مشروع قرار مع السيناتورة الديمقراطية هايدي هايتكامب، يطالب أوباما بوضع استراتيجية طويلة الأمد بشأن سوريا والعمل دبلوماسياً لضمان تدمير الأسلحة الكيميائية السورية.
وفي سبتمبر (أيلول) 2014 أعلن مانشين أنه سيصوّت ضد قرار محتمل في مجلس الشيوخ لتسليح مقاتلي المعارضة السورية. وأشار إلى الخطط التي تدعو إلى نشر قوات برّية في سوريا، والتي اقترحها بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، بما في ذلك ليندسي غراهام، على أنها «جنون». غير أنه أيد الضربة الصاروخية على مطار الشعيرات عام 2017 التي نفّذت بأمر من ترمب رداً على هجوم كيميائي. وقال إن الضربة «كانت رسالة مهمة إلى النظام السوري وداعميه الروس أنه لا تسامح مع هذه الأعمال المروّعة».

- مانشين... بطاقة هوية
وُلد مانشين عام 1947 في عائلة كاثوليكية في فارمينغتون، وهي بلدة صغيرة بولاية ويست فيرجينيا، معروفة بتعدين الفحم الحجري. وهو الثاني من بين 5 إخوة من والديه؛ ماري، وجون مانشين.
اسم «مانشين» مشتقّ من اسم العائلة الإيطالي الأصلي «مانشيني»، فوالده إيطالي الأصل، وأجداده لأمه من المهاجرين التشيكوسلوفاكيين. ولقد امتلك والد مانشين متجراً للسجاد والأثاث، وكان جده جوزيف يمتلك محل بقالة. بل شغل والده وجده منصب عمدة فارمينغتون، وكان عمّه أنطونيو عضواً في مجلس مندوبي ويست فيرجينيا، ولاحقاً أميناً لخزانتها.
تخرّج في مدرسة فارمينغتون الثانوية عام 1965، والتحق بجامعة ويست فيرجينيا بفضل منحة دراسية لكرة القدم في ذلك العام، لكنه أصيب أثناء التدريب ما أنهى مسيرته الكروية، وتخرج عام 1970 بدرجة في إدارة الأعمال، وعمل في شركة عائلته.
عائلياً، تزوّج عام 1967 من غايل هيذر كونيل وأنجبا 3 أولاد؛ هيذر مانشين بريش (التي كانت الرئيسة التنفيذية لشركة الأدوية الهولندية «ميلان» ومقرّها هولندا) وجوزيف وبروك، وهو عضو في الجمعية الوطنية للبنادق (التي هي أكبر لوبي للسلاح الفردي) كما أنه طيار مرخّص.
أسس مانشين شركة سمسرة للفحم عام 1988، وساعد في إدارتها قبل أن يصبح سياسياً متفرغاً في أعقاب انتخابه أميناً للولاية عام 2000، ويومذاك سلّم إدارة شركته «إينيرجي سيستمس» لابنه جوزيف، ولدى إفصاحه عن ثروته عام 2020، أفاد أن أسهمه غير العامة في الشركة، كانت تتراوح بين مليون و5 ملايين دولار. مع العلم أن له استثمارات أخرى في مشروعات عقارية وفنادق في الولاية. واعتباراً من عام 2018، كان صافي ثروته أكثر من 7.6 مليون دولار، وفقاً لموقع «أوبن سيكريتس دوت أورغ».



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.