صراع «طالبان» ـ «داعش» أحدث حلقات العنف في أفغانستان

بين التهم المتبادلة والسعي إلى استراتيجيات مشتركة

صراع «طالبان» ـ «داعش» أحدث حلقات العنف في أفغانستان
TT

صراع «طالبان» ـ «داعش» أحدث حلقات العنف في أفغانستان

صراع «طالبان» ـ «داعش» أحدث حلقات العنف في أفغانستان

تشهد الأيام الماضية، وقد تشهد الأيام والأسابيع المقبلة، صعود تنظيم «داعش» باعتباره التهديد الأقوى أمام بقاء نظام جماعة «طالبان» في العاصمة الأفغانية كابُل. ويرى خبراء إقليميون أن «داعش» أثبت قدرته على تنفيذ هجمات إرهابية ضد أهداف مدنية وعسكرية داخل أفغانستان، وقد يكون هذا أكبر عامل يتسبب في زعزعة استقرار نظام «طالبان»، خلال السنوات المقبلة.
أيضاً، يمكن أن يلقي هذا العامل بظلال من الشك على تقديرات القوى الإقليمية، التي ظلَّت تدعم نظام «طالبان» حتى هذه اللحظة، بخصوص فرص بقاء نظام «طالبان». اللافت هنا أن نظام «طالبان» لا يواجه أي تهديد سياسي أو عسكري داخل كابل من جانب الجماعات المسلحة المنافسة، مثل «التحالف الشمالي» الأفغاني السابق، بقيادة نجل «زعيم حرب» الطاجيكي الراحل أحمد شاه مسعود.

يمكن للهجمات الإرهابية التي يشنها تنظيم «داعش» ضد أهداف مدنية وعسكرية أن تزعزع استقرار الحكومة الأفغانية بقيادة «طالبان». وما يزيد مشكلات نظام «طالبان» حقيقة أنه لا يملك القدرة على إدارة مؤسسات الدولة الحديثة بما يخدم أمن الدولة والمجتمع.
الملاحَظ أن مسألة تصميم جماعة «طالبان» الأفغانية الشديد على مطاردة «داعش» خارج أفغانستان يجعلها القوة المفضَّلَة لدى القوى الإقليمية، بما في ذلك روسيا والصين وإيران وباكستان. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن قادة استخبارات الدول المعنيّة اجتمعوا في إسلام آباد خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، ووافقوا على تزويد نظام «طالبان» الأفغاني بكل المعلومات الاستخباراتية والتقنية الممكنة على نحو فوري لتمكينه من التعامل مع تهديد «داعش».
ومن جانبه، يتسم «داعش» بقوة لافتة، تحديداً، في شرق وشمال أفغانستان، وهما المنطقتان القريبتان من الحدود مع دول آسيا الوسطى، التي لا تزال روسيا تعتبرها جزءاً من نطاقها الأمني.
بين عامي 2016 و2018، تعرّض الهيكل التنظيمي لـ«داعش» في أفغانستان لضغوط هائلة، في ظل إصرار الأميركيين و«طالبان» على طرد التنظيم المتطرف من شرق أفغانستان، المنطقة التي شهدت صعوده خلال عامي 2014 و2016.

- «داعش» في أفغانستان
تتمحور قصة «داعش» داخل أفغانستان حول التراجع المستمر، وذلك بعد الصعود الهائل الذي حققته هناك بين عامي 2014 و2016، بارتفاع عدد أعضاء التنظيم إلى الآلاف.
ولكن على مدى العامين الماضيين، عانى «داعش» من خسائر متتالية بسبب العمليات العسكرية الأميركية والحكومية الأفغانية في ولايتي كونر وننغرهار الشرقيتين. وتفاقمت هذه الخسائر مع الحملة العسكرية المنفصلة التي تشنها حركة «طالبان» الأفغانية ضد «داعش». ووفق تقرير قائم على آراء خبراء غربيين، يضم «داعش» نحو 2200 مقاتل، إلا أن مساره العام شابه انشقاقات بين القادة والجنود، بجانب خسارة التنظيم بعض الأراضي التي كان يسيطر عليها، وكذلك تشرذم الحلفاء في ساحات المعارك.
اليوم، لا يبدو «داعش» في أفغانستان سوى مجرد ظل لما كان عليه في السابق، بيد أن عدداً من الخبراء الغربيين عبّروا عن مخاوفهم من أن مقاتليه المتبقين يمكن استغلالهم من قبل وكالات الاستخبارات الإقليمية لإلحاق الضرر بالدول المنافسة لها، في إطار ما يُطلَق عليه «عنف المفسد».
في الوقت الحالي، ثمة خلاف بين «داعش» وطالبان أفغانستان، ومع ذلك يبقى الأول على علاقة ودية مع جماعة «طالبان» الباكستانية. والملاحَظ أن «طالبان» الأفغانية اقتربت من إيران خلال السنوات الأخيرة، في حين تتشارك «طالبان» الباكستانية مع «داعش» العداء تجاه المجتمع الشيعي المحلي.
من ناحية أخرى، يرى عدد من الخبراء والمحللين الأمنيين أن «طالبان» ليست متطورة بما يكفي للتعامل مع مشكلة «عنف المفسد»، التي يمكن أن تتجلى في عدة أشكال مختلفة في أفغانستان، وأن تؤثر أيضاً على دول المنطقة. ويمكن أن يتخذ «عنف المفسد» شكل هجمات إرهابية داخل الأراضي الباكستانية.
أيضاً، يعتقد خبراء على صلة بوكالات استخباراتية غربية أن الاستخبارات الهندية يمكن أن تكون مفيدة في استخدام فلول الجماعات الإرهابية ضد باكستان. ولا يبدو هذا بعيد المنال عند رؤيته في ضوء المزاعم الباكستانية بأن الاستخبارات الهندية قد اخترقت «طالبان» الباكستانية، ولعبت دوراً فاعلاً في تحريض الجماعة المسلحة على تنفيذ هجمات داخل باكستان. وثمة تقارير لا حصر لها تزعم وجود شبكات تربط بين «طالبان» الباكستانية، وجماعات إرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش».
ورغم أن «داعش» يكاد تكون قد اختفى، فإن شبكة الجماعات التابعة له لا ينطبق عليها هذا القول. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مقر «داعش» كان في ولاية ننغرهار الأفغانية قرب الحدود الباكستانية وجذب المتطرفين من جميع أنحاء المنطقة، وكذلك من مناطق بعيدة في الخارج.

- تقرير الأمم المتحدة
ووفقاً لتقرير أصدرته الأمم المتحدة في أبريل (نيسان) 2021، أدَّى العمل العسكري الذي نفَّذته قوات أمنية أميركية وأفغانية عام 2018 إلى خفض القوة الفعلية لـ«داعش» إلى 1500 - 2000 مقاتل، ما اضطره للعمل في خلايا لا مركزية تعمل على نحو شبه ذاتي.
ومع ذلك، فإن الهجوم الوحشي على مدرسة للبنات في كابل يوم 8 مايو (أيار) 2021، وأسفر عن مقتل أكثر عن 80 شخصاً (معظمهم من الأطفال)، والهجوم الأخير على مطار كابل يشيران إلى أن «داعش خراسان» ربما عاود الصعود خلال السنوات الثلاث الماضية، حسبما ذكر التقرير الصادر عن الأمم المتحدة.
لقد حمل الهجوم على المطار هدفين اثنين: الأول أن «داعش خراسان» سعى بالتأكيد لقتل أميركيين وإذلال واشنطن، التي تضرّرت مصداقيتها بالفعل بسبب الانهيار السريع للحكومة الأفغانية. وتمثل الثاني في تقويض شرعية حكم «طالبان». وراهناً، تتعاون «طالبان» مع الجيش الأميركي لتسريع جلاء القوات الأميركية. وبالنظر إلى تولي «طالبان» مسؤولية حفظ الأمن خارج المطار، فهذا الهجوم يصوّروهم ضعفاء.

- الاجتماع الاستخباراتي
وحول الاجتماع الاستخباراتي - المشار إليه سابقاً - فإن الاستخبارات الباكستانية استضافت أخيراً اجتماعاً لقادة عدد من الوكالات الاستخباراتية في إسلام آباد، تركَّز النقاش حول التهديد الذي يمثله وجود «داعش» في الولايات الشمالية والشرقية من أفغانستان. واتفق قادة الاستخبارات في إيران والصين وروسيا وباكستان ودول آسيا الوسطى على «تنسيق جهودهم» ضد نشاطات «داعش» في أفغانستان، ومساعدة نظام «طالبان» على التعامل مع التهديد الذي يشكله التنظيم.
وفي لقاءات مع «الشرق الأوسط» قال مسؤولون باكستانيون إن الروس قلقون، بشكل خاص، من صعود «داعش» في شمال أفغانستان على تخوم دول آسيا الوسطى، التي تعتبرها موسكو ضمن نطاقها الأمني.
كذلك يساور القلق الباكستانيين أنفسهم إزاء صعود «داعش» في أفغانستان، ويتركز قلقهم الرئيسي حول «الشراكة» التي دخل فيها مع عدد من التنظيمات الطائفية الباكستانية، وتنفيذه خلال الفترة الأخيرة عدداً من الهجمات الإرهابية ضد المجتمعات الشيعية في باكستان. وهذا، بينما تواصل قوات «طالبان» الأمنية في أفغانستان عملياتها ضد «داعش» في كابُل والمدن الكبرى الأخرى. ولكن الخبراء يشيرون إلى أن نقص الخبراء الفنيين وغياب أي قوات أمنية محترفة حال دون نجاح «طالبان» في هذه العمليات. وفي هذا الصدد، قال مسؤول أمني بارز في إسلام آباد: «لقد اعتقلوا بعض أعضاء (داعش) في ننغرهار، الذي كان معقلاً لـ(داعش) خراسان، وأفادت تقارير بأنهم اعتقلوا ما لا يقل عن80 من المقاتلين في ننغرهار».
وزعمت حركة «طالبان» في وقت قريب أنها قتلت ضياء الحق، المعروف كذلك باسم «أبو عمر الخراساني» داخل سجن بول الشارخي في كابل. كذلك واجهت «طالبان» اتهامات بقتل فاروق بنغالزاي، زعيم «داعش» في باكستان الذي أفادت أنباء بأنه تعرض للقتل أثناء سفره إلى جنوب غربي أفغانستان. وفي 28 أغسطس (آب)، تعرضت «طالبان» لاتهامات باعتقال أبو عبيد الله متوكل، العالم الديني المتهم بصلة بالتنظيم داخل كابل. وبعد أسبوع، عُثر عليه ميتاً.

- التحدي الأكبر أمام «طالبان»
يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه «طالبان» اليوم في حقيقة أن معظم أفراد «داعش» كانوا ينتمون سابقاً إلى «طالبان» قبل انشقاقهم عن تنظيمهم الأم. ويعتقد خبراء أنه نظراً لأنه سيتعين على «طالبان» تقديم تنازلات لكونهم في الحكومة في كابل، فإن الأفراد الأكثر تطرّفاً داخل «طالبان» قد يواصلون مسيرة الانشقاق وينضمون إلى «داعش» ما قد يعزز صفوفه.
وتميل الدول الإقليمية التي تشعر بعدم الارتياح تجاه نمو التشدد السنّي الراديكالي في أفغانستان، على وجه الخصوص، إلى دعم حركة «طالبان» الأفغانية كحصن ضد «داعش» والمنظمات المتطرفة الأخرى. ولا يستبعد الخبراء الباكستانيون إمكانية مساعدة الأميركيين لـ«طالبان» في عملياتهم ضد «داعش»، لكن الخشية من أن هذا قد يسرّع وتيرة الانشقاق في صفوف «طالبان» أفغانستان.

- باكستان تخشى تهديداً أمنياًتشكّله جماعات تابعة لـ {داعش}
عام 2018، استعرض كبار القادة المدنيين والعسكريين الباكستانيين الوضع الأمني الإقليمي الذي تطوّر في أعقاب موجة العنف المتزامنة في العاصمة الأفغانية كابُل ومدينة كويتا قاعدة إقليم بلوشستان الباكستاني، في مايو (أيار) 2018. وكان من شأن التورط المحتمل لـ«داعش» في هجمات كابل وكويتا خلق بُعد أمني جديد على الوضع الأمني الإقليمي.
في حينه، أسفرت الهجمات الإرهابية في كابُل وكويتا عن مقتل العشرات من المواطنين العاديين وإصابة كثيرين، وخلفت الهجمات شعوراً بانعدام الأمن داخل المراكز الحضرية بباكستان وأفغانستان. وعلاوة على ذلك، ولّدت الهجمات في المدينتين انطباعاً بأنها ربما تكون متصلة بطريقة ما.
وبمرور الوقت، أصبح هذا أمراً معتاداً، بينما أجرت السلطات الأمنية الباكستانية مراجعة أمنية لمراقبة أعمال العنف التي يقودها تنظيم «داعش» في أفغانستان، وتوقع أي تداعيات محتملة على أمن باكستان. وفي معظم الحالات، كان للعنف الطائفي في أفغانستان تأثير سلبي على الوضع الطائفي في البلدات والمدن الحدودية الباكستانية.
من ناحيتهم، صرح مسؤولون عسكريون باكستانيون بأن ليس لـ«داعش» أي وجود منظَّم في باكستان، ومع ذلك، يخشى المسؤولون العسكريون من أن ظهور «داعش» في شرق أفغانستان يمكن أن يشكل تهديداً لأمن الأراضي الباكستانية. وأضاف أحد هؤلاء المسؤولين العسكريين أن «الجماعات التابعة لداعش في شرق أفغانستان يمكن أن تسبب مشكلات في شمال غربي باكستان».
من جهة أخرى، لا يكاد يوجد أي خلاف بين الخبراء العسكريين الإقليميين على أن «داعش» يتقدم في شمال أفغانستان وبعض أجزاء شرقها. وبالفعل، وقعت عمليات إرهابية في مدن أفغانية أعلن «داعش» مسؤوليته عنها أو جرى نسبها إليه. وتتيح وسائل الإعلام الأفغانية والدولية مساحة للتقارير التي تحدثت عن أنشطة التنظيم المتطرف في أفغانستان.
وقبل فترة، وردت أنباء عن اندلاع اشتباكات بين مقاتلي جماعة «طالبان» الأفغانية و«داعش» من جهة، وقوات الأمن الأفغانية ومقاتلي «داعش» من جهة أخرى. وبدأ الجيش والاستخبارات الأميركية في استخدام تكنولوجيا الطائرات من دون طيار ضد مقاتلي «داعش» في جميع أنحاء أفغانستان منذ الأشهر الأخيرة من عام 2018.
كان هؤلاء المتشددون عبر الحدود يحاولون خلق انقسامات طائفية في باكستان.
وجرى طرد هؤلاء المسلحين من باكستان في عملية عسكرية ناجحة، لكنهم وجدوا ملاذاً في مناطق عبر الحدود. وقال مسؤول عسكري إن هذا التركيز للإرهابيين بالقرب من الحدود سمح لهم بجعل باراشينار (المناطق القبلية في باكستان التي تضم ما يمكن وصفه بخطوط صدع طائفية) هدفاً سهلاً، حيث توجد أصلاً توترات طائفية.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.