صراع «طالبان» ـ «داعش» أحدث حلقات العنف في أفغانستان

بين التهم المتبادلة والسعي إلى استراتيجيات مشتركة

صراع «طالبان» ـ «داعش» أحدث حلقات العنف في أفغانستان
TT

صراع «طالبان» ـ «داعش» أحدث حلقات العنف في أفغانستان

صراع «طالبان» ـ «داعش» أحدث حلقات العنف في أفغانستان

تشهد الأيام الماضية، وقد تشهد الأيام والأسابيع المقبلة، صعود تنظيم «داعش» باعتباره التهديد الأقوى أمام بقاء نظام جماعة «طالبان» في العاصمة الأفغانية كابُل. ويرى خبراء إقليميون أن «داعش» أثبت قدرته على تنفيذ هجمات إرهابية ضد أهداف مدنية وعسكرية داخل أفغانستان، وقد يكون هذا أكبر عامل يتسبب في زعزعة استقرار نظام «طالبان»، خلال السنوات المقبلة.
أيضاً، يمكن أن يلقي هذا العامل بظلال من الشك على تقديرات القوى الإقليمية، التي ظلَّت تدعم نظام «طالبان» حتى هذه اللحظة، بخصوص فرص بقاء نظام «طالبان». اللافت هنا أن نظام «طالبان» لا يواجه أي تهديد سياسي أو عسكري داخل كابل من جانب الجماعات المسلحة المنافسة، مثل «التحالف الشمالي» الأفغاني السابق، بقيادة نجل «زعيم حرب» الطاجيكي الراحل أحمد شاه مسعود.

يمكن للهجمات الإرهابية التي يشنها تنظيم «داعش» ضد أهداف مدنية وعسكرية أن تزعزع استقرار الحكومة الأفغانية بقيادة «طالبان». وما يزيد مشكلات نظام «طالبان» حقيقة أنه لا يملك القدرة على إدارة مؤسسات الدولة الحديثة بما يخدم أمن الدولة والمجتمع.
الملاحَظ أن مسألة تصميم جماعة «طالبان» الأفغانية الشديد على مطاردة «داعش» خارج أفغانستان يجعلها القوة المفضَّلَة لدى القوى الإقليمية، بما في ذلك روسيا والصين وإيران وباكستان. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن قادة استخبارات الدول المعنيّة اجتمعوا في إسلام آباد خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، ووافقوا على تزويد نظام «طالبان» الأفغاني بكل المعلومات الاستخباراتية والتقنية الممكنة على نحو فوري لتمكينه من التعامل مع تهديد «داعش».
ومن جانبه، يتسم «داعش» بقوة لافتة، تحديداً، في شرق وشمال أفغانستان، وهما المنطقتان القريبتان من الحدود مع دول آسيا الوسطى، التي لا تزال روسيا تعتبرها جزءاً من نطاقها الأمني.
بين عامي 2016 و2018، تعرّض الهيكل التنظيمي لـ«داعش» في أفغانستان لضغوط هائلة، في ظل إصرار الأميركيين و«طالبان» على طرد التنظيم المتطرف من شرق أفغانستان، المنطقة التي شهدت صعوده خلال عامي 2014 و2016.

- «داعش» في أفغانستان
تتمحور قصة «داعش» داخل أفغانستان حول التراجع المستمر، وذلك بعد الصعود الهائل الذي حققته هناك بين عامي 2014 و2016، بارتفاع عدد أعضاء التنظيم إلى الآلاف.
ولكن على مدى العامين الماضيين، عانى «داعش» من خسائر متتالية بسبب العمليات العسكرية الأميركية والحكومية الأفغانية في ولايتي كونر وننغرهار الشرقيتين. وتفاقمت هذه الخسائر مع الحملة العسكرية المنفصلة التي تشنها حركة «طالبان» الأفغانية ضد «داعش». ووفق تقرير قائم على آراء خبراء غربيين، يضم «داعش» نحو 2200 مقاتل، إلا أن مساره العام شابه انشقاقات بين القادة والجنود، بجانب خسارة التنظيم بعض الأراضي التي كان يسيطر عليها، وكذلك تشرذم الحلفاء في ساحات المعارك.
اليوم، لا يبدو «داعش» في أفغانستان سوى مجرد ظل لما كان عليه في السابق، بيد أن عدداً من الخبراء الغربيين عبّروا عن مخاوفهم من أن مقاتليه المتبقين يمكن استغلالهم من قبل وكالات الاستخبارات الإقليمية لإلحاق الضرر بالدول المنافسة لها، في إطار ما يُطلَق عليه «عنف المفسد».
في الوقت الحالي، ثمة خلاف بين «داعش» وطالبان أفغانستان، ومع ذلك يبقى الأول على علاقة ودية مع جماعة «طالبان» الباكستانية. والملاحَظ أن «طالبان» الأفغانية اقتربت من إيران خلال السنوات الأخيرة، في حين تتشارك «طالبان» الباكستانية مع «داعش» العداء تجاه المجتمع الشيعي المحلي.
من ناحية أخرى، يرى عدد من الخبراء والمحللين الأمنيين أن «طالبان» ليست متطورة بما يكفي للتعامل مع مشكلة «عنف المفسد»، التي يمكن أن تتجلى في عدة أشكال مختلفة في أفغانستان، وأن تؤثر أيضاً على دول المنطقة. ويمكن أن يتخذ «عنف المفسد» شكل هجمات إرهابية داخل الأراضي الباكستانية.
أيضاً، يعتقد خبراء على صلة بوكالات استخباراتية غربية أن الاستخبارات الهندية يمكن أن تكون مفيدة في استخدام فلول الجماعات الإرهابية ضد باكستان. ولا يبدو هذا بعيد المنال عند رؤيته في ضوء المزاعم الباكستانية بأن الاستخبارات الهندية قد اخترقت «طالبان» الباكستانية، ولعبت دوراً فاعلاً في تحريض الجماعة المسلحة على تنفيذ هجمات داخل باكستان. وثمة تقارير لا حصر لها تزعم وجود شبكات تربط بين «طالبان» الباكستانية، وجماعات إرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش».
ورغم أن «داعش» يكاد تكون قد اختفى، فإن شبكة الجماعات التابعة له لا ينطبق عليها هذا القول. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مقر «داعش» كان في ولاية ننغرهار الأفغانية قرب الحدود الباكستانية وجذب المتطرفين من جميع أنحاء المنطقة، وكذلك من مناطق بعيدة في الخارج.

- تقرير الأمم المتحدة
ووفقاً لتقرير أصدرته الأمم المتحدة في أبريل (نيسان) 2021، أدَّى العمل العسكري الذي نفَّذته قوات أمنية أميركية وأفغانية عام 2018 إلى خفض القوة الفعلية لـ«داعش» إلى 1500 - 2000 مقاتل، ما اضطره للعمل في خلايا لا مركزية تعمل على نحو شبه ذاتي.
ومع ذلك، فإن الهجوم الوحشي على مدرسة للبنات في كابل يوم 8 مايو (أيار) 2021، وأسفر عن مقتل أكثر عن 80 شخصاً (معظمهم من الأطفال)، والهجوم الأخير على مطار كابل يشيران إلى أن «داعش خراسان» ربما عاود الصعود خلال السنوات الثلاث الماضية، حسبما ذكر التقرير الصادر عن الأمم المتحدة.
لقد حمل الهجوم على المطار هدفين اثنين: الأول أن «داعش خراسان» سعى بالتأكيد لقتل أميركيين وإذلال واشنطن، التي تضرّرت مصداقيتها بالفعل بسبب الانهيار السريع للحكومة الأفغانية. وتمثل الثاني في تقويض شرعية حكم «طالبان». وراهناً، تتعاون «طالبان» مع الجيش الأميركي لتسريع جلاء القوات الأميركية. وبالنظر إلى تولي «طالبان» مسؤولية حفظ الأمن خارج المطار، فهذا الهجوم يصوّروهم ضعفاء.

- الاجتماع الاستخباراتي
وحول الاجتماع الاستخباراتي - المشار إليه سابقاً - فإن الاستخبارات الباكستانية استضافت أخيراً اجتماعاً لقادة عدد من الوكالات الاستخباراتية في إسلام آباد، تركَّز النقاش حول التهديد الذي يمثله وجود «داعش» في الولايات الشمالية والشرقية من أفغانستان. واتفق قادة الاستخبارات في إيران والصين وروسيا وباكستان ودول آسيا الوسطى على «تنسيق جهودهم» ضد نشاطات «داعش» في أفغانستان، ومساعدة نظام «طالبان» على التعامل مع التهديد الذي يشكله التنظيم.
وفي لقاءات مع «الشرق الأوسط» قال مسؤولون باكستانيون إن الروس قلقون، بشكل خاص، من صعود «داعش» في شمال أفغانستان على تخوم دول آسيا الوسطى، التي تعتبرها موسكو ضمن نطاقها الأمني.
كذلك يساور القلق الباكستانيين أنفسهم إزاء صعود «داعش» في أفغانستان، ويتركز قلقهم الرئيسي حول «الشراكة» التي دخل فيها مع عدد من التنظيمات الطائفية الباكستانية، وتنفيذه خلال الفترة الأخيرة عدداً من الهجمات الإرهابية ضد المجتمعات الشيعية في باكستان. وهذا، بينما تواصل قوات «طالبان» الأمنية في أفغانستان عملياتها ضد «داعش» في كابُل والمدن الكبرى الأخرى. ولكن الخبراء يشيرون إلى أن نقص الخبراء الفنيين وغياب أي قوات أمنية محترفة حال دون نجاح «طالبان» في هذه العمليات. وفي هذا الصدد، قال مسؤول أمني بارز في إسلام آباد: «لقد اعتقلوا بعض أعضاء (داعش) في ننغرهار، الذي كان معقلاً لـ(داعش) خراسان، وأفادت تقارير بأنهم اعتقلوا ما لا يقل عن80 من المقاتلين في ننغرهار».
وزعمت حركة «طالبان» في وقت قريب أنها قتلت ضياء الحق، المعروف كذلك باسم «أبو عمر الخراساني» داخل سجن بول الشارخي في كابل. كذلك واجهت «طالبان» اتهامات بقتل فاروق بنغالزاي، زعيم «داعش» في باكستان الذي أفادت أنباء بأنه تعرض للقتل أثناء سفره إلى جنوب غربي أفغانستان. وفي 28 أغسطس (آب)، تعرضت «طالبان» لاتهامات باعتقال أبو عبيد الله متوكل، العالم الديني المتهم بصلة بالتنظيم داخل كابل. وبعد أسبوع، عُثر عليه ميتاً.

- التحدي الأكبر أمام «طالبان»
يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه «طالبان» اليوم في حقيقة أن معظم أفراد «داعش» كانوا ينتمون سابقاً إلى «طالبان» قبل انشقاقهم عن تنظيمهم الأم. ويعتقد خبراء أنه نظراً لأنه سيتعين على «طالبان» تقديم تنازلات لكونهم في الحكومة في كابل، فإن الأفراد الأكثر تطرّفاً داخل «طالبان» قد يواصلون مسيرة الانشقاق وينضمون إلى «داعش» ما قد يعزز صفوفه.
وتميل الدول الإقليمية التي تشعر بعدم الارتياح تجاه نمو التشدد السنّي الراديكالي في أفغانستان، على وجه الخصوص، إلى دعم حركة «طالبان» الأفغانية كحصن ضد «داعش» والمنظمات المتطرفة الأخرى. ولا يستبعد الخبراء الباكستانيون إمكانية مساعدة الأميركيين لـ«طالبان» في عملياتهم ضد «داعش»، لكن الخشية من أن هذا قد يسرّع وتيرة الانشقاق في صفوف «طالبان» أفغانستان.

- باكستان تخشى تهديداً أمنياًتشكّله جماعات تابعة لـ {داعش}
عام 2018، استعرض كبار القادة المدنيين والعسكريين الباكستانيين الوضع الأمني الإقليمي الذي تطوّر في أعقاب موجة العنف المتزامنة في العاصمة الأفغانية كابُل ومدينة كويتا قاعدة إقليم بلوشستان الباكستاني، في مايو (أيار) 2018. وكان من شأن التورط المحتمل لـ«داعش» في هجمات كابل وكويتا خلق بُعد أمني جديد على الوضع الأمني الإقليمي.
في حينه، أسفرت الهجمات الإرهابية في كابُل وكويتا عن مقتل العشرات من المواطنين العاديين وإصابة كثيرين، وخلفت الهجمات شعوراً بانعدام الأمن داخل المراكز الحضرية بباكستان وأفغانستان. وعلاوة على ذلك، ولّدت الهجمات في المدينتين انطباعاً بأنها ربما تكون متصلة بطريقة ما.
وبمرور الوقت، أصبح هذا أمراً معتاداً، بينما أجرت السلطات الأمنية الباكستانية مراجعة أمنية لمراقبة أعمال العنف التي يقودها تنظيم «داعش» في أفغانستان، وتوقع أي تداعيات محتملة على أمن باكستان. وفي معظم الحالات، كان للعنف الطائفي في أفغانستان تأثير سلبي على الوضع الطائفي في البلدات والمدن الحدودية الباكستانية.
من ناحيتهم، صرح مسؤولون عسكريون باكستانيون بأن ليس لـ«داعش» أي وجود منظَّم في باكستان، ومع ذلك، يخشى المسؤولون العسكريون من أن ظهور «داعش» في شرق أفغانستان يمكن أن يشكل تهديداً لأمن الأراضي الباكستانية. وأضاف أحد هؤلاء المسؤولين العسكريين أن «الجماعات التابعة لداعش في شرق أفغانستان يمكن أن تسبب مشكلات في شمال غربي باكستان».
من جهة أخرى، لا يكاد يوجد أي خلاف بين الخبراء العسكريين الإقليميين على أن «داعش» يتقدم في شمال أفغانستان وبعض أجزاء شرقها. وبالفعل، وقعت عمليات إرهابية في مدن أفغانية أعلن «داعش» مسؤوليته عنها أو جرى نسبها إليه. وتتيح وسائل الإعلام الأفغانية والدولية مساحة للتقارير التي تحدثت عن أنشطة التنظيم المتطرف في أفغانستان.
وقبل فترة، وردت أنباء عن اندلاع اشتباكات بين مقاتلي جماعة «طالبان» الأفغانية و«داعش» من جهة، وقوات الأمن الأفغانية ومقاتلي «داعش» من جهة أخرى. وبدأ الجيش والاستخبارات الأميركية في استخدام تكنولوجيا الطائرات من دون طيار ضد مقاتلي «داعش» في جميع أنحاء أفغانستان منذ الأشهر الأخيرة من عام 2018.
كان هؤلاء المتشددون عبر الحدود يحاولون خلق انقسامات طائفية في باكستان.
وجرى طرد هؤلاء المسلحين من باكستان في عملية عسكرية ناجحة، لكنهم وجدوا ملاذاً في مناطق عبر الحدود. وقال مسؤول عسكري إن هذا التركيز للإرهابيين بالقرب من الحدود سمح لهم بجعل باراشينار (المناطق القبلية في باكستان التي تضم ما يمكن وصفه بخطوط صدع طائفية) هدفاً سهلاً، حيث توجد أصلاً توترات طائفية.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.