مخرجون من حول العالم حولوا ذكرياتهم إلى أفلام

آخرهم كنيث براناف في «بلفاست»

TT

مخرجون من حول العالم حولوا ذكرياتهم إلى أفلام

يجهّز فيلم «بلفاست» نفسه لهجوم يكتسح فيه ترشيحات «البافتا» البريطانية و«الأوسكار» الأميركي. هناك ثقة في تعامل الفيلم مع هذا الواقع على أساس أنه الفيلم البيوغرافي الوحيد في هذا الموسم تماماً كما كان «روما» الفيلم البيوغرافي الوحيد في عام 2019، عندما فاز بثلاثة «أوسكارات» واحدة كأفضل مخرج (ألفونسو كوارون)، والثانية كأفضل تصوير (كوارون أيضاً)، والثالثة كأفضل فيلم أجنبي (على أساس أنه فيلم مكسيكي).
في «بلفاست» يعمد المخرج كينيث براناف لما عمد إليه مخرجون آخرون قبله: سرد جزء من حياته على شكل فيلم من السيرة الذاتية يروي فيها المرحلة التي يختار من حياته، وعادة ما تكون تلك الممتدة من الطفولة إلى مطلع سنوات الشباب. وُلد في آيرلندا من عائلة بروستانتية سنة 1960، وهي إحدى سنوات الحرب الأهلية بين البروتستانت والكاثوليك. لكن المخرج لا يريد التعامل مع ذلك الواقع السياسي والديني، بل يمر به بحذر، وعلى نحو من هو مضطر، بحكم سنوات النشأة، لتناول تلك الحرب، معلناً أنه لم يكن يعرف كيف يمكن أن تنشب مثل هذه الحرب بين طائفتين تعيشان جنباً إلى جنب.
ما يوفره براناف في معظم الوقت هو الحياة الخاصّة للفتى الذي كان. صبي يعيش مع عائلته في بيت مكتظ يتابع أحاديث الكبار وينظر بإعجاب لوالديه (خصوصاً لوالدته). يستمع. يبتسم. يفكر ويحفظ. كذلك يشاهد الأفلام ويتعلّق بها ويحاول فهم الفاصل بين الواقع والفيلم، ليكتشف أنّ الفيلم أحلى من الواقع الذي يعيشه براناف، ما يزيده طموحاً وحباً للأفلام التي بدت طريقه الوحيدة للتخلص من الاضطرابات الأمنية من حوله.
ليس «بلفاست» بالفيلم الخالي من الثغرات (كبيرة وصغيرة)، والمقارنة بينه وبين «روما» تلج وضعاً مثيراً للملاحظة: فيلم براناف يعكس رغبة التواصل مع جمهور واسع. «روما» يوظف حكايته ليعكس معالجة فنية في المقام الأول تهم هواة السينما بالدرجة الأولى.

- شاهين بين آخرين
كلاهما سيرة ذاتية لمخرجين متباينين في كل شيء. لكنهما ليسا المخرجين الوحيدين بالطبع اللذين استعادا ماضيهما في الأفلام، وتحدّثا عن العائلة التي عاشا في كنفها، في مرحلة مركزية من حياتهما. المخرج في هذه الحالة يقرر أنه يريد أن يطرح سيرته هو، وليس سيرة شخصية حقيقية أخرى يستعيرها من بحث أو كتاب. الفرصة المتاحة هنا هي تحويل ما هو شخصي لما هو عام تماماً كما يحدث عندما يضع المؤلف كتاباً عن حياته هو؛ فينقل ما هو خاص وغير معلوم إلى ما هو مِلك لكل مَن يقرأ تلك المذكرات. في السينما الأمر أكثر إثارة من الكلمات؛ كون المناسبة غنية بعناصر التعبير عن الفترة الزمنية وتصاميمها وعادات أبنائها وأحداثها.
المفارقة الأخرى بين «روما» و«بلفاست» أن كليهما مُصوّر بالأبيض والأسود (رغم أن بداية الفيلم الثاني ملوّنة). وفي هذا يلتقيان مع فيلم بيوغرافي آخر سبقهما إلى سرد قصّة حياة مخرجه، واستعادة التاريخ، هو «أمل ومجد» (1987) للمخرج جون بورمن. بورمن وُلد كاثوليكياً في لندن ومع أن اسم بطله الصبي هو بل، فإنّ الحكاية تدور حوله، وأحداثها مستوحاة من معايشته صبياً تجاوز العاشرة؛ أجواء الحرب العالمية الثانية وقصف الطائرات الألمانية للندن. مخاوفه لم تمنعه من التعرّف على أخطاء وخطايا الكبار، ولا عن التعامل، في سن مبكرة نوعاً ما، مع مسائل الحب وأسئلة الحياة وغموض الموت. كل هذا ترجمه بورمن إلى ذكريات حلوة ومرّة.
يمكن ملاحظة الفارق الكبير بين كيف عالج ألفونسو كوارون وجون بورمن سيرتهما على الشاشة، ومعالجة المخرج المصري يوسف شاهين لها. أولى الملاحظات أنّ شاهين هو - على الأرجح - المخرج الوحيد بين كل الآخرين الذي لم يكتفِ بفيلم واحد يحكي فيه مراحل من حياته، بل عمد إلى أربعة أفلام هي: «إسكندرية ليه؟» (1979) و«حدوتة مصرية» (1982) و«إسكندرية كمان وكمان» (1989) و«إسكندرية نيويورك» (2004). هذا من دون أن نذكر وجوده الشخصي في «سكوت حنصوّر» (2001) والفيلم القصير «القاهرة كما يراها شاهين» وفي «11 سبتمبر» (أخرج فيلماً في فيلم قام بتحقيقه أحد عشر مخرجاً).
شاهين نشد إعلان الحضور في معظم ما قام به من أدوار. لم يتحدّث عن صباه، بل ظهر في سنوات عمره. على ذلك هناك نبض شخصي جريء ولامع في «إسكندرية ليه؟» و«حدوتة مصرية»، قبل أن تتحوّل السيرة الذاتية لاستطراد في «إسكندرية كمان وكمان»، من ثمّ إعلان مواقف واضحة في «إسكندرية… نيويورك».

- ذكريات حالمة
بعد عام من فيلم جون بورمن «أمل ومجد»، وقبل عام من «إسكندرية كمان وكمان» قدّم المخرج الإيطالي جسيبي تورناتوري سيرته الذاتية في فيلم «سينما باراديزو».
كحال كل ما سبق من أفلام (باستثناء أفلام شاهين) فإنّ المرحلة التي خصّ تورناتوري فيلمه بها هي تلك التي كان لا يزال يرتدي فيها البنطلون الشورت. صبياً يلهو هنا وينشغل هناك ويقع في حب الصور المتحركة. والده كان عارض أفلام في صالة صغيرة في بلدة جيانكالدو بصقلية. حب السينما انتقل من قمرة والده حيث كان الصبي يتابع الأفلام بشغف العاشق. والنتيجة، يقول الفيلم واصفاً الواقع، تحوّل تورناتوري إلى أحد فناني السينما الإيطاليين البارزين.
أيضاً في إيطاليا نجد المخرج الكبير فديريكو فيلليني حاضراً بقوّة في مجال الفيلم البيوغرافي.
«أماركورد» (1973) هو الفيلم الثالث عشر لفيلليني. أنجزه في الفترة المنتصفة من حياته المهنية، بعد 22 سنة على فيلمه الأول «أضواء البهجة» (1951) وقبل 17 سنة على آخر أعماله الكاملة (أي من دون حسبان ثلاثة أفلام اشترك بإخراج فصول منها) وهو «صوت القمر» (1990) الذي حققه قبل عامين من وفاته.
الفيلم في الأساس هو مجموعة من المشاهد التي ترد كما لو كانت ذكريات المخرج حول نشأته. هذا رغم نفي فيلليني في أحاديثه أن الفيلم سيرة ذاتية، مكتفياً بالقول إن ثمة مواقف معينة قد تكون وقعت معه. على ذلك، لا يمكن تجاهل أن الأحداث تدور في بلدة ريميني التي وُلد فيها، وحقيقة أنّ الفيلم مؤلّف، تماماً كالذكريات التي تعيش داخل كل منا كفصول. كل فصل منفصل عن الآخر بستارة رقيقة مع تداخل شخصيات رئيسية عديدة فيها وبداية ونهاية كل منها بما يختلف، موقعاً ومضموناً، عن الآخر. بل هناك ذلك الفتى تيتا (برونو زانين) الذي يظهر في عدد من هذه القصص مرتدياً معطفاً وقبعة وشالاً بنفس ألوان وتصميم ما شوهد المخرج يرتديه في مناسبات عديدة.
«أماركورد» مزيج من الواقع وغير الواقع. الـبَـرَد المنهمر هو واقع. انهماره بهذه الصورة البديعة في أحد المشاهد هو خيال رومانسي. ينهمر طويلاً، وفي فصل الربيع كما تلاحظ إحدى الشخصيات. غالب المشاهد الخارجية تقع في الساحة الرئيسية للبلدة حيث يتم فيها شق ممرات بين الثلوج التي تكوّمت وحوّلت الساحة إلى ما يشبه المتاهة. هناك يرقص الفتيان قرب النهاية على صوت موسيقى نينو روتا كما لو كانوا أرواحاً من الخيال. موسيقى هائمة تستخدم أدوات قليلة وتنساب فوق معظم الفيلم، لكنها تتجلّى هنا في مشهد أولئك الفتيان وهم يرقصون التانغو على أنغامها؛ كل بمفرده. هذا يتحرّك من مكانه وآخر يبقى فيه، وثالث يدور حول نفسه، وكلهم في حالة من الوهم الجميل، مُغلَقي الأعين يرقصون كما لو أنهم يحلمون بالمرأة والحياة والجمال متمثلاً في شكل واحد، أو في شكل ما لكل واحد.
يتطرق «أماركورد» إلى كل ما شابَ تلك الفترة، بما في ذلك نهوض الفاشية الإيطالية. في تلك الساحة ذاتها يمر استعراض الزمرة الفاشية التي تحتفي بالديكتاتور موسوليني. فيلليني يسجله بدوره كواقع حدث، لكن يحيطه بتلك النظرة الساخرة وبالمنوال المبطن كاريكاتيرياً الذي يعرض فيه معظم الفصول الأخرى؛ في واحد منها نتابع وصول أمير عربي ونسائه إلى الفندق الكبير الوحيد في المدينة. وفي آخر يستعرض وجوه المرأة المختلفة. رجال فيلليني، هنا وفي كل أفلامه، يتشابهون في كونهم باحثين متيمين وتائهين. نساؤه أكثر ثباتاً وغموضاً، وكل واحدة لها شكل وجه وماكياج وتصفيفة شعر تعبّـر عن هذا البحر الذي في داخلها. في الوقت الذي سرد فيلليني ذكرياته وذكريات سواه، أنجز كذلك، وبرصد لا يلغي نعومة وجمال ما يوفره، جزءاً من تاريخ وطنه في الأربعينات. لا تعليق سياسياً مباشراً ولا حتى يمكن اعتباره تعليقاً على الإطلاق. مجرد مرور على مناسبة لا يمكن تفويتها في ذلك الحين. المرحلة التي تبوأ فيها ماسوليني السُّلطة. فيلليني يحوّله إلى ملصق كبير. ملصق يجسّد فعل الهيمنة والتخويف ويرمز إلى حقبة ذات وجهين: عذوبة النوستالجيا وخشونة الواقع. بين الشخصيات الأخرى ذلك المعلّـق على الأحداث. رجل متوسّـط العمر يقف محل فيلليني في التعليق عند تلك الفواصل الضيقة بين الخيال والواقع؛ إذ نتابع كلامه الموجه مباشرة إلى الكاميرا، ندرك أنه لُـحمة الفيلم التي تجمع بين الاثنين.
قبل عشر سنوات من هذا الفيلم أنجز فيلليني فيلماً بيوغرافياً آخر عنوانه «81 - 2» تحدث فيه عن مخرج سينمائي اسمه غويدو (مارشيللو ماستروياني) ينجز فيلماً ناجحاً ثم يطلب الراحة لنفسه. لكن هذا لا يحدث، فإلى جانب كثرة من يطارده بحثاً عن العمل معه هناك حقيقة أن عقله لا يستطيع التوقف عن التفكير في ماضيه ولا في حاضره. ها هو يبدأ تذكر أحداث وقعت معه وقد تكون موضوع فيلمه المقبل.


مقالات ذات صلة

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

يوميات الشرق الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق ميسا جلّاد تُحيي حفل ختام المهرجان (نادي لكلّ الناس)

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

منذ تأسيسه عام 1998، يعمل «نادي لكلّ الناس» على أرشفة الأعمال السينمائية والموسيقية، وترميمها وتحويلها إلى نسخ رقمية.

فيفيان حداد (بيروت)
سينما «مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.