وزير العدل المغربي في منتدى أصيلة: الشكوك حول الديمقراطية أصبحت اليوم قوية

عبد اللطيف وهبي متحدثاً في ندوة منتدى أصيلة حول مستقبل الديمقراطية الانتخابية مساء أول من أمس (الشرق الأوسط)
عبد اللطيف وهبي متحدثاً في ندوة منتدى أصيلة حول مستقبل الديمقراطية الانتخابية مساء أول من أمس (الشرق الأوسط)
TT

وزير العدل المغربي في منتدى أصيلة: الشكوك حول الديمقراطية أصبحت اليوم قوية

عبد اللطيف وهبي متحدثاً في ندوة منتدى أصيلة حول مستقبل الديمقراطية الانتخابية مساء أول من أمس (الشرق الأوسط)
عبد اللطيف وهبي متحدثاً في ندوة منتدى أصيلة حول مستقبل الديمقراطية الانتخابية مساء أول من أمس (الشرق الأوسط)

قال عبد اللطيف وهبي، وزير العدل المغربي، إنه «بمجرد ما أن يتقدم المجتمع في التصنيع والتحديث، وينتشر التحضر ويتوسع التعليم، وتتراجع مراقبة الأطر الاجتماعية التقليدية، تتعاظم مخاطر الفردانية أمام السياسة والمؤسسات، وتتراجع فعالية النظام الديمقراطي، وتعلوه شكوك كثيرة حول أهميته ودوره».
ورأى وهبي، الذي كان يتحدث مساء أول من أمس، في الجلسة الافتتاحية لثانية ندوات منتدى أصيلة 42 حول موضوع «أي مستقبل للديمقراطية الانتخابية؟»، أن الشكوك أصبحت اليوم قوية حول الديمقراطية، سواء داخل الديمقراطيات العتيدة أو داخل المجتمعات النامية. وقال إن وسائل التواصل الاجتماعي تعد فاعلاً أساسياً في التأثير على مسار القرار السياسي بخلق ديمقراطية انسيابية. وأضاف متسائلاً: «كيف نحافظ على مؤسسات غير متقلبة، ونضمن تمثيلية كاملة للنواب تجاه الناخبين، علماً بأن الديمقراطية مهددة بالانطباع الذي يعيشه الفاعلون الاجتماعيون، وكيف يمكن للمؤسسات السياسية تحقيق الاستقرار والاندماج في المجتمع الحداثي الذي أصبح مهدداً؟».
كما أشار الوزير المغربي إلى ضرورة التوفر على قوى اجتماعية ورأي عام نقدي ومتسامح، تقبل وتسمح به الدولة، لفسح مجال أكبر من التعبير، معتبراً أن هذه القوى تعيش بصعوبة، ذلك أن النقابات تحوّلت إلى فاعل داخل المنظومة السياسية باسم شعارات، وأصبحت عاجزة عن تمثيل التقني والمهندس والموظف الإداري ورجل التعليم.
ودعا وهبي إلى ضرورة ضخ دماء جديدة في المؤسسات، وفتح آفاق أمامها، وتحريرها من هيمنة المال، مع الاحتفاظ بمسافة من الأمل لتشكيل ثقافة حقيقية وديمقراطية انتخابية منسجمة. ملاحظاً أن الديمقراطية الانتخابية أصبحت «تعيش أزمة داخل المجتمعات الحديثة، على خلفية أزمة اقتصادية واجتماعية مطبوعة بانتشار مظاهر الفقر والهشاشة، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتنامي تهديدات القوى الشعبوية الثقافية والدينية، والانخفاض الملحوظ للسيادة الوطنية للدول، ما دفع الأغلبية للتساؤل عن جدوى الانتخابات والتعددية السياسية، والتشكيك في أهمية المؤسسات الدستورية، وهجر الأحزاب السياسية، وصار كل عمل سياسي ينظر إليه بحيطة وحذر».
ورأى وهبي أن «تراجع السيادة الوطنية للدول أمام تأثيرات العولمة الاقتصادية قد أضر كثيراً بالديمقراطية الانتخابية؛ حيث أصبحت المؤسسات السياسية عاجزة عن معالجة كل المشكلات المطروحة داخل المجتمع. إذ إن مجموع العناصر التي تشكل السياسة الاقتصادية لم يعد تحت سيطرة الدولة (تقلبات الدولار، تغير أسعار الطاقة، تنقل رؤوس الأموال)، وأصبحنا أمام أحزاب إما أنها تقتصر على تدبير مقتضيات العولمة الاقتصادية، أو تنطوي على الخصوصيات الثقافية والدينية دون مجهود سياسي. وفي كلا الحالتين فإن التمثيلية الديمقراطية الانتخابية للمؤسسات هي التي تتراجع».
من جهته، قال محمد بن عيسى، أمين عام منتدى أصيلة، ووزير خارجية المغرب الأسبق، إن موضوع الندوة يشكل «الشاغل المركزيّ الراهن للفاعلين والمحللين السياسيين والأكاديميين المختصين، سواء في المجتمعات العريقة أو الحديثة العهد بالديمقراطية». كما يشكل «مصدر اهتمام وقلق حتى لدى أولئك الذين ينبذون الديمقراطية ولا يؤمنون بجدواها، إلى حدِّ بروز وتنامي ظاهرة ما يسمى الشعور بالضيق من الديمقراطية».
ورأى بن عيسى أن ظهور الشعور الرافض أو المشكك في الديمقراطية تزامن مع منتصف العقد الأول من القرن الحالي، متأثراً بالأزمات المالية والاقتصادية المتتالية، وكثرة فضائح الفساد وتوالي الأزمات السياسية؛ ما ساعد على انتشار عدم الرضا لدى العموم؛ بمعنى أننا نعيش في خضمّ تحولات استراتيجية استثنائية، تراجعت معها المسلمات القديمة التي طالما ربطت بين استقرار الديمقراطية وازدهار الاقتصاد الرأسمالي، بينما يلاحظ العكس، أي أن الازدهار ساهم في تقوية النظم الاستبدادية المستندة على الحزب الواحد.
وأثنى بن عيسى على موضوع الندوة، مشيراً إلى أنها تناقش قضايا الديمقراطية والقضايا المتصلة بها، من قبيل مستقبل العولمة وأزمات الرأسمالية، وإشكالات التعددية وظهور عالم متعدد الأقطاب. فضلاً عن مخاطر البيئة والثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والوباء الجماعي، التي تبقى، حسب قوله «عوامل مؤثرة في تطور المجتمعات، وفي أسلوب تفاعل الأنظمة الديمقراطية مع انتظارات مواطنيها، في وقت يتزايد فيه القلق والخوف الجماعي بخصوص مستقبل البشرية جمعاء».
وسعت مداخلات الندوة ونقاشاتها إلى تعزيز نظرة شاملة وفاحصة للإشكالية المتعلقة بمستقبل الديمقراطية، وتجديد القضايا المختلفة ذات الصلة، من قبيل مستقبل العولمة وأزمات الرأسمالية، والنظام العالمي المستقبلي، عشية إحياء سياسات القوى العظمى، وأزمات التعددية، وظهور عالم متعدد الأقطاب، وظهور أجندة وجودية جديدة تفرضها الآثار المدمرة للتغيرات المناخية والذكاء الاصطناعي و«كوفيد 19» وما ينطوي عليه من تهديدات غير مسبوقة، وهي قضايا تؤثر في تطور المجتمعات، وفي تفاعل الأنظمة الديمقراطية مع التوقعات المتغيرة لمواطنيها، في وقت يتزايد فيه القلق حول المستقبل الجماعي للبشرية برمتها.
واشتركت مداخلات المشاركين في تأكيد أهمية الموضوع وراهنيته، ولا سيما أمام توسع ما بات يعرف بالديمقراطية الانسيابية، أو ديمقراطيات التمثيليات الخارجة عن لعبة الانتخابات، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، التي أمست فاعلاً سياسياً لا يمكن القفز على مكانته وأدواره وتأثيراته على مصدر القرار السياسي.
كما جرى التطرق إلى مجموعة من التجارب العالمية، مع تكرر الحديث عن التجربة الصينية، على لسان أكثر من متدخل، وذهاب بعضٍ إلى القول إن ما حققه هذا البلد من تقدم اقتصادي واجتماعي، مع حفاظه على نظام سياسي يستند على آيديولوجية محافظة، جعل قطاعات واسعة من المحافظين التقليديين داخل المجتمعات النامية لا ترى في الديمقراطية الانتخابية مدخلاً أساسياً للتنمية والتقدم.
وقال لويس أمادو، وزير خارجية البرتغال الأسبق، ومنسق الندوة: «إن علينا أن نتناول أزمة الديمقراطية ضمن أزمة الرأسمالية وأزمة الغرب، وأزمة النظام العالمي وغيرها، بشكل يشير إلى أزمة وجودية، تثقل كاهل الإنسانية».
من جهته، قال ميغيل أنخل موراتينوس، الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات ووزير الخارجية الإسباني الأسبق، إن السياسيين لا ينتبهون أحياناً إلى أن العالم يتغير، مشيراً إلى أن تداعيات «كوفيد 19» على الجميع، وكيف أظهر فرقاً بين النموذج السلطوي والنموذج الديمقراطي، على مستوى فعاليات تدبير الأزمة. ولاحظ أن هناك نوعاً من القلق الذي يتسع بين الناس عبر العالم.
وتطرق موراتينوس إلى عدد من الأمثلة المتعلقة بطريقة تنزيل الديمقراطية، مشيراً إلى ما سمي بـ«الربيع العربي» العربي، وتداعياته اللاحقة، سواء على مستوى تنظيم الانتخابات، قبل أن نسمع عن عدم ترحيب الغرب بمن يفوز بالانتخابات، التي قال إنها تبقى مجرد عنصر وآلية لقياس المجتمع، وليست هي أساس الديمقراطية، بل يتطلب الأمر حكامة جيدة وغيرها.
من جهته، قال نبيل بن عبد الله، أمين عام حزب التقدم والاشتراكية المعارض (الشيوعي سابقاً)، إن العالم يتقاسم اليوم حديث الأزمة، لأن الكائن صار مختلفاً في علاقته بالسياسي والأحزاب. وربط بين الديمقراطية وطريقة تنزيلها، مختصراً الحالة في مفهوم «الصندوقراطية»، بشكل يؤكد أننا حصرناها في الصندوق الانتخابي، بشكل يمسرح الديمقراطية التمثيلية. فيما شدد إدريس الكراوي، رئيس الجامعة المفتوحة للداخلة بالمغرب، على أن الديمقراطية تعيش أزمة عميقة عبر العالم، مشدداً على أن الأهم هو تحديد عناصر الخطر الذي يداهمها.
وتوسع الكراوي في الحديث عن علاقة عالم السياسة بعالم المال، متحدثاً عن أوجه أزمة العلاقة بين المواطن والنخب، وصعود اليمين المتطرف عبر العالم. ورأى أن المواطن صار في حاجة إلى أفكار جديدة.
وفيما يتعلق بالمخاطر المرتبطة بالمسألة الديمقراطية، قال بن عبد الله إنها تتطلب ديمقراطية تتماشى معها ومع المستجدات المرتبطة بالمطالب، المعبر عنها من طرف المواطن.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».