وزير الخارجية اللبناني يقر بـ{عجز} الحكومة عن مواجهة {حزب الله}

وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب (غيتي)
وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب (غيتي)
TT

وزير الخارجية اللبناني يقر بـ{عجز} الحكومة عن مواجهة {حزب الله}

وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب (غيتي)
وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب (غيتي)

أقر وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب أن الحكومة عاجزة عن مواجهة {حزب الله}، واصفاً التنظيم المدعوم من إيران بأنه «مشكلة إقليمية»، في وقت تستمر فيه الإجراءات الخليجية تجاه لبنان وكان آخرها طلب البحرين من مواطنيها مغادرة لبنان فوراً، فيما استدعت الحكومة اليمنية سفيرها من بيروت للتشاور احتجاجاً على تصريحات لوزير الإعلام اللبناني اعتبرتها دول الخليج مسيئة.
وقال بو حبيب لوكالة «رويترز» في معرض تبريره لعدم قيام الحكومة بخطوات تساهم في حل الأزمة: «المملكة العربية السعودية تطالب الحكومة بالحد من دور حزب الله. نحن أمام مشكلة كبيرة، إذا كانوا يريدون فقط رأس حزب الله، فنحن لا نستطيع أن نعطيهم إياه». وأضاف: «مكون لبناني يلعب سياسة، نعم عنده امتداد عسكري إقليمي، نعم، لكن لا يستخدمه في لبنان. هذه أكثر مما نحن نقدر أن نحلها، ونحن لا نستطيع حلها». وأردف: «كلنا نريد جيشاً واحداً وبلداً واحداً ولكن عندنا واقع»، وجدد بو حبيب التأكيد على أن «اعتذار الحكومة غير وارد لأنها لم تخطئ»، في إشارة إلى أن الأقوال المسيئة لوزير الإعلام لا تمثل الحكومة كما أنها صدرت عنه قبل أن يصبح وزيراً. واشار إلى أنه لا توجد مبادرة لإيجاد حل غير المبادرة القطرية.
وأتى كلام بوحبيب في وقت تتصاعد فيه التحذيرات في لبنان من تداعيات الأزمة مع المملكة العربية السعودية والخليج وترتفع الأصوات المطالبة بتصحيح السياسات الخاطئة ومواجهة حزب الله وسيطرته على السلطة بكل مكوناتها، بعدما بات الجميع مقتنعاً بأن المشكلة هذه المرة هي نتيجة تراكمات وحلّها لن يكون بمعالجات تقليدية بل بات المطلوب إجراءات عملية تمنع تمادي الحزب في الداخل اللبناني وخارجه.
وفي هذا الإطار، يرى الوزير السابق أشرف ريفي أن الأزمة مع الخليج سببها «الواقع الاحتلالي المرتبط بإيران، عدو العرب»، معتبراً أن «تصريح وزير الإعلام جورج قرداحي ليس إلا القطرة التي أفاضت الكوب بعد الدور الإرهابي الذي يقوم به (حزب الله) تجاه دول الخليج وإمعانه في الإساءة لها وكان آخرها تهريب الكبتاغون»، مؤكداً: «أي دولة تمتلك الحد الأدنى من السيادة من الطبيعي أن تأخذ مواقف لحماية نفسها وشعبها».
وفي ظل ما يقول إنها سيطرة «حزب الله» على مفاصل الدولة، يرى ريفي «أن المطلوب من لبنان لتصحيح الوضع هو إدانة إرهاب (حزب الله) وهو ما لا تستطيع هذه الحكومة القيام به»، مذكراً بما حصل في حكومة تمام سلام عام 2016 حين كان هو وزيراً وقال: «حاولنا جاهدين آنذاك إصدار بيان نرفض فيه ممارسات (حزب الله) والتأكيد أنها لا تمثل الحكومة لكن أُجهضت كل محاولاتنا، وهذا ما سيحصل اليوم».
وأمام تفاقم الأزمة يرى ريفي أن استقالة وزير الإعلام قد تفتح فجوة صغيرة إنما لا تحل المشكلة، مؤكداً: «الحل يكون بسقوط الطبقة السياسية بأكملها بعدما باتت المراكز الرسمية والسلطة كلها بدءاً من رئاسة الجمهورية، دمى في يد (حزب الله)، لنستعيد العلاقة مع دول الخليج»، مضيفاً: «لذا أنشأنا الجبهة السيادية لمواجهة المشروع الإيراني الذي لم يعد ممكناً استمراره في لبنان وخرّب علاقاته مع محيطه العربي».
من جهته، يؤكد الوزير السابق أحمد فتفت أن «التصعيد الأخير من دول الخليج ليس مفاجئاً بحيث إن تصريحات قرداحي شكّلت القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد التراكمات المستمرة من (حزب الله) تحديداً منذ عام 2011 حين انقلب على الحكومة وسيطر على مقومات البلد وقراراته وجره إلى مواقع لا يريدها الشعب اللبناني وضد مصالح الدول العربية والخليج التي تمثل العمق العربي الاقتصادي – الاستراتيجي».
ويقول فتفت لـ«الشرق الأوسط»: «ما قاله قرداحي ليس حماقة كما يعتقد البعض إنما هو ضمن مشروع متكامل يقوده (حزب الله) الذي يهدف إلى سلخ لبنان عن محيطه العربي ووضعه تحت الاحتلال الإيراني كما أعلن مسؤولون في الحزب وآخرون في إيران».
وعن دور الحكومة أمام هذه الأزمة، يقول فتفت: «الحكومة دخلت عملياً مرحلة تصريف الأعمال بعدما عطّلها (حزب الله) الذي يسيطر عليها إثر خلاف قضائي ورفضه التحقيقات في انفجار المرفأ، وبالتالي إذا استمرت باتّباع السياسة نفسها من دون أن تتخذ أي إجراءات حاسمة وعملية فإن ذلك يعني أنها ترضى بأن تكون حكومة الاحتلال الإيراني». من هنا يقول فتفت: «السؤال الآن: هل تريد الحكومة الشراكة مع الحزب المسلح أم عليها المواجهة؟»، ويضيف: «برأيي أن استقالة قرداحي لا تكفي والمطلوب استقالة الحكومة بأكملها كما استقالة رئيس الجمهورية ورفض الشراكة مع الحزب المسلح ورفع الغطاء عنه وتركه يحكم ليتحمل مسؤولية أفعاله وتداعياتها بعدما أدت كل التسويات إلى تكريس سيطرة (حزب الله) وجعلت الأفرقاء شركاء».
بدوره يرى الوزير السابق، ورئيس جهاز العلاقات الخارجية في «حزب القوات» ريشار قيومجيان، أن القرار الخليجي بشكل عام هو نتيجة تراكمات، ولم يأتِ بين ليلة وضحاها إنما جاء بعدما طفح الكيل من ممارسات «حزب الله»». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الممارسات بدأت من الاعتداءات الكلامية على السنة، مسؤولين ووزراء في الدولة، وصولاً إلى الممارسات العملية المتمثلة بتحويل لبنان إلى قاعدة لتدريب الحوثيين وتدخل الحزب في اليمن ومن ثم تهريب الكبتاغون الذي يهدف إلى أكثر من مجرد تهريب بل إلى استهداف المجتمع السعودي بحيث بات يشكل مساساً بالأمن القومي للسعودية، وكل ذلك لم تقابله أي خطوات من الدولة اللبنانية المتمثلة برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة»، مضيفاً: «الخطاب الإيجابي لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي لا يكفي بل يُفترض القيام بإجراءات عملية، كما أن صمت رئيس الجمهورية غير مقبول أيضاً، وبالتالي المطلوب مواجهة (حزب الله) سياسياً، وإلا إذا كانوا عاجزين فعليهم أن يخرجوا أمام الرأي العام والشعب اللبناني ويصارحوه بالحقيقة ويعلنوا رفضهم لهذه الممارسات».
ويتحدث قيومجيان عن محاصرة «حزب الله» للحكومة والسلطة في لبنان قائلاً: «هذه الحكومة غير قادرة حتى على اتخاذ قرار باستقالة وزير وهي الخطوة التي كان يُفترض أن تحصل تلقائياً، بل على العكس خرج وزير الإعلام بتصريح أسوأ من الخطأ نفسه ليؤكد عليه مجدداً ويرفض الاعتراف بخطئه ويطالب بضمانات مقابل استقالته}، في وقت كان يفترض به أن يقارب القضية انطلاقاً من المصلحة الوطنية ومصلحة كل اللبنانيين وليس مصلحة الفريق السياسي الذي يمثله».
ومع تأزم العلاقة بين لبنان والخليج يقول قيومجيان: «أعتقد أن المملكة ستذهب باتجاه التصعيد أكثر وهي لا تناور فيما تقوم به»، مضيفاً: «يكفي متابعة التصريحات والمواقف العلنية لبعض المسؤولين في السعودية للتأكد من أن هذه المرة تختلف عن المرات السابقة، وهنا خطورة الموضوع الذي يتطلب إجراءات عاجلة من الدولة اللبنانية ومغايرة للإجراءات والمعالجات التقليدية التي لم تعد تنفع، ولتكن البداية أولاً من استقالة وزير الإعلام».
ولا يختلف موقف النائب المستقيل في «حزب الكتائب»، الياس حنكش، مع تأكيده أن ميقاتي شكّل الحكومة بالشراكة مع «حزب الله»، وبداية الحل يكون ليس فقط باستقالة قرداحي إنما باستقالة الحكومة المعطّلة بقرار من «حزب الله» وتشكيل حكومة من المستقلين. ويقول حنكش لـ«الشرق الأوسط»: «الأزمة مع الخليج هي نتيجة تراكم الأخطاء في أداء وإدارة السياسة الخارجية بحيث أقحمنا أنفسنا في صلب الصراع الإقليمي ومواجهتنا الدول الصديقة التي تشكّل الرئة الاقتصادية للبنان».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».