الوساطة الأممية في السودان تصطدم بشروط حمدوك والبرهان

بريطانيا تدعو لجلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان الدولي

جانب من مسيرات 30 أكتوبر المطالبة بعودة حمدوك لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)
جانب من مسيرات 30 أكتوبر المطالبة بعودة حمدوك لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)
TT

الوساطة الأممية في السودان تصطدم بشروط حمدوك والبرهان

جانب من مسيرات 30 أكتوبر المطالبة بعودة حمدوك لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)
جانب من مسيرات 30 أكتوبر المطالبة بعودة حمدوك لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)

تواجه الجهود التي يقوم بها مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى السودان، فولكر بيرتيس، للوساطة بين العسكريين والمدنيين لحل الأزمة السياسية، عقبة رئيسية تتمثل في تباين الشروط التي يضعها كل من قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء المقال عبد الله حمدوك.
وقالت مصادر في الخرطوم، إن حمدوك يتمسك بضرورة إعادة الحكومة المقالة بكامل طاقمها وإطلاق سراح جميع المعتقلين من الوزراء والقادة السياسيين، والعودة للالتزام الكامل بالوثيقة الدستورية، قبل الدخول في أي حوار مع الجيش، فيما يتمسك البرهان بعدم الرجوع إلى الوضع السابق لتسلمه السلطة وحل مؤسسات الدولة في 25 أكتوبر (تشرين الأول).
وأعلن البرهان أنه يعتزم تشكيل حكومة من التكنوقراط، لكن تحالف «الحرية والتغيير»، الذي يضم الأحزاب الرئيسية في البلاد وله شعبية كبيرة في الشارع، يؤيد مطالب حمدوك، ويتمسك بعودته إلى منصبه رئيساً للحكومة المدنية. كما يجد حمدوك دعماً دولياً كبيراً.
في غضون ذلك، أعلنت بريطانيا، أمس، أنها طلبت عقد جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن السودان، وأوضحت أنها أرسلت طلبها إلى رئيس المجلس، الذي يضم 47 دولة، نيابة عن 18 دولة عضواً، وهو أكثر من الثلث اللازم لعقد جلسة خاصة للمجلس. وأيدت القرار 30 دولة لها وضع مراقب، بينها الولايات المتحدة. وقال سايمون مانلي، سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة في جنيف، على «تويتر»، إن «أعمال الجيش السوداني بمثابة خيانة للثورة والعملية الانتقالية وآمال الشعب السوداني». وأكد مانلي وجود حاجة ملحة لأعلى مجلس حقوقي في الأمم المتحدة للبحث في الوضع بالسودان، في أعقاب حملة قمع ضد التجمعات الحاشدة بعد انقلاب الجيش.
- اجتماع «المجلس المركزي»
كما اتخذت «قوى الحرية والتغيير»، وهي المرجعية السياسية للحكومة الانتقالية في السودان برئاسة عبد الله حمدوك، قراراً بالإجماع بالعمل على إسقاط ما سمته «الانقلاب العسكري»، مؤكدة على محاسبة الذين قاموا به، وطالبت بتحقيق العدالة للشهداء والمصابين. وعقد المجلس المركزي، وهو أعلى هيئة سياسية في «الحرية والتغيير»، أمس، اجتماعاً في دار حزب «الأمة القومي» بمدينة أم درمان، ناقش الأوضاع الراهنة في البلاد عقب استيلاء قائد الجيش على السلطة، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وتعليق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد.
وطالبت «الحرية والتغيير»، في بيان، بعودة رئيس الوزراء وحكومته للقيام بمهامهم وفقاً للوثيقة الدستورية، وإطلاق سراح جميع المعتقلين فوراً، والعودة للنظام الدستوري ما قبل 25 أكتوبر الماضي. وأكدت موقفها القاطع بأنه لا حوار ولا تفاوض مع قيادة الجيش، وأن تحالف «الحرية والتغيير» يهتم الآن بتوحيد قوى الثورة الحية والقوى المدنية والديمقراطية. وكانت بعض أطراف التحالف قد أعلنت في وقت سابق رفضها التام لأي تفاوض مع العسكريين، وإبعادهم من أي ترتيبات دستورية مقبلة «وتقديمهم للمحاكمة على الجرائم التي ارتكبوها». ويتواصل العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل في كل أحياء الخرطوم وعواصم الولايات الأخرى، وتوقف العمل في غالبية المؤسسات الحكومية والبنوك والمصارف.
- وساطة جنوب السودان
في أثناء ذلك، أجرى مستشار رئيس حكومة جنوب السودان، توت قلواك، الذي يوجد في الخرطوم منذ أول من أمس، لقاءات مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ومع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وتحالف «الحرية والتغيير»، في إطار مساعي دولته لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة. وتلقى البرهان، أمس الاثنين، رسالة من رئيس جمهورية جنوب السودان سلفاكير ميارديت، أكد خلالها حرصه على الأمن والاستقرار والسلام في السودان.
وذكرت الوكالة السودانية للأنباء (سونا)، أن القائد العام للقوات المسلحة، خلال لقائه بمكتبه مستشار رئيس جمهورية جنوب السودان للشؤون الأمنية والوفد المرافق له، ثمن «الدور الكبير الذي تضطلع به حكومة جنوب السودان لدعم وإنجاح الفترة الانتقالية، وحرصها على حماية مكتسبات (ثورة ديسمبر)، وتحقيق تطلعات الشعب السوداني». وأوضح قلواك، أن الرئيس سلفاكير ميارديت يتابع باهتمام وقلق بالغ مجريات الأحداث في السودان، وتأكيده على ضرورة الحوار الجاد للخروج من الأزمة السياسية الراهنة، مما يستوجب التطلع إلى آفاق أرحب للتعاون بين كافة مكونات القوى السياسية التي صنعت التغيير، داعياً كافة الأطراف لتحكيم صوت العقل.
وأضاف، في تصريح صحافي عقب اللقاء، أن «الوفد بصدد إجراء عدد من اللقاءات تضم رئيس الوزراء السابق دكتور عبد الله حمدوك و(قوى الحرية والتغيير)، للوقوف على جذور المشكلة، والعمل على تقريب وجهات النظر بين كافة الأطراف السياسية».
كما كان وزير خارجية جنوب السودان، مييك أيي دينق، قد أكد على ضرورة استقرار الأوضاع في السودان، لانعكاس ذلك على دول الإقليم. وشدد الوزير دينق، في تصريح صحافي، على وقوف بلاده بجانب الشعب السوداني، ومناشدتها لكل الأطراف بذل أقصى الجهود لضمان الاستقرار والسلام، ومراعاة المصالح العليا للبلاد، وتغليبها على المصالح الحزبية والشخصية.
- إعادة اعتقال رموز نظام البشير
وصف مكتب المتحدث الرسمي باسم الحكومة المدنية، برئاسة عبد الله حمدوك، إطلاق سراح عدد من قادة النظام المعزول، بأنه يسفر بوضوح عن الغطاء السياسي للانقلاب وتوجهاته الفكرية الحقيقية، وأن الشعب السوداني يقظ لتماهي الانقلابين مع فلول النظام البائد. وكانت السلطات قد أطلقت سراح رئيس حزب «المؤتمر الوطني» (المنحل) إبراهيم غندور، ومدير الإعلام الأسبق بجهاز أمن النظام المعزول، محمد حامد تبيدي، والناطق باسم جهاز الأمن والمخابرات الشاذلي المادح، والإسلامي المتشدد محمد علي الجزولي الذي يرتبط بتنظيم «داعش»، لكنها أعادت اعتقالهم في اليوم التالي، بعد أن وجد النبأ ردود فعل مستنكرة من الشارع الذي خرج في مظاهرات ليلية. وأقال البرهان النائب العام و7 من وكلاء النيابة، فيما قالت مصادر إن قرار إطلاق سراح هؤلاء جاء من النيابة العامة، دون أن تؤكد أي جهة رسمية هذه المعلومة. واعتبر مكتب المتحدث باسم حكومة حمدوك، في بيان، هذه الإجراءات، تمثل انتكاسة ضد دولة المؤسسات وسيادة القانون، و«فرية لم تنطل على الشعب السوداني وفطنة المجتمع الدولي».
وقال المحامي والقيادي في «الحرية والتغيير» معز حضرة، إن مكتب المحامي الراحل علي محمود حسنين، تقدم بطلب لمقابلة المعتقلين من قادة الحكومة المدنية، بتفويض من أسرهم، إلا أنهم لم يتلقوا رداً على الطلب. وأضاف: «تقدمنا بطلب ثان للنائب العام السوداني»، قبل قرار إقالته «طلبنا فيه الكشف عن مكان اعتقال المدنيين، لأن القانون لا يسمح بأي اعتقال إلا بواسطة النيابة العامة، بعد إلغاء قانون الأمن العام». وأشار إلى أن السلطات العسكرية لا تملك أي صفة للاعتقال خارج الإجراءات القانونية المعروفة عبر الأجهزة العدلية المختصة، موضحاً أنهم لم يتلقوا أي رد على الطلبات.
- حملة اعتقالات
قالت السفارة الأميركية في الخرطوم، إنها رصدت حملة اعتقالات لعدد من أعضاء «لجان المقاومة» التي تنشط في تنظيم المسيرات الاحتجاجية ومواكب «المليونيات» جنوب الخرطوم منذ 31 من أكتوبر، وأن أعداد المعتقلين والإصابات غير معروفة. وذكرت أنها تلقت تقارير لم يتم التحقق منها تشير إلى تحسن الحركة في الخرطوم وفتح عدد من الجسور، بينما لا تزال نقاط التفتيش العسكرية في مكانها، ويواصل المتظاهرون تشكيل حواجز على الطرق في أحياء الخرطوم المختلفة وما حولها. وأشار بيان السفارة إلى أنها تلقت تقارير تفيد بإغلاق الطريق الذي يربط بين السودان ومصر من قبل المتظاهرين، وفتح الطريق المؤدي إلى بورتسودان، لكن لم يتم التأكد بعد من إمكانية الوصول إلى الطريق.
من جهتها، أعلنت لجنة الأطباء الشرعية ارتفاع عدد القتلى منذ استيلاء الجيش على السلطة في 25 من أكتوبر إلى 15، فيما تجاوزت الإصابات 200. وقال أمس المحامي كمال الجيزولي، الذي يمثل أسر المعتقلين من القادة السياسيين، إنه لا يُعرف مكان اعتقالهم، وأن أسرهم تخشى على صحتهم. وأضاف: «لقد توجهنا إلى النيابة ظناً منا أنهم محتجزون هناك ولكننا لم نجدهم»، موضحاً أنهم «في أسوأ وضع قانوني ممكن حالياً لأنهم في مكان غير معلوم ولم توجه إليهم أي اتهامات بعد، ولم يتم تسمية محققين علناً للتحقيق معهم». ودعا الجيزولي «كل من يقومون بمحاولات وساطة لحل الأزمة لأن يطالبوا السلطات الحاكمة بالإعلان عن مكان وجود الوزراء والسياسيين المعتقلين».



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.