مصر تكرس عودتها القوية لأفريقيا بلقاء قمة مع «آخر معارضي ثورة 30 يونيو»

الوضع في ليبيا ونهر النيل والإرهاب.. أزمات دفعت القاهرة للتوجه جنوبًا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
TT

مصر تكرس عودتها القوية لأفريقيا بلقاء قمة مع «آخر معارضي ثورة 30 يونيو»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)

أدارت مصر مؤخرا بوصلتها الدبلوماسية جنوبا إلى القارة الأفريقية، التي تنتمي إليها جغرافيا، وتسبب تجاهلها لها في السنوات الماضية في أزمات كبيرة أثرت عليها بشكل مباشر في قضايا تتعلق بالوضع الأمني والاقتصادي، إضافة لتهديد مباشر لحصتها من مياه نهر النيل، الذي تتشارك فيه مع 10 دولة أفريقية أخرى. وأمس التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة، تكريسا للنشاط الأفريقي البارز للرئيس السيسي، الذي بات أمرا لافتا منذ توليه الحكم في يونيو (حزيران) العام الماضي.
وتعد زيارة زوما تغيرا نوعيا هاما بالنسبة للعلاقات الخارجية لمصر في مرحلة ما بعد ثورة «30 يونيو»، التي أطاحت بحكم جماعة الإخوان المسلمين، حيث كانت جنوب أفريقيا آخر دول القارة التي أقرت بشرعية النظام الحالي، وتسببت معارضتها السابقة في تجميد عضوية مصر بالاتحاد الأفريقي لنحو عام. وجمد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي عضوية مصر وعلق مشاركتها في جميع أنشطة الاتحاد في يوليو (تموز) 2013 لحين استعادة النظام الدستوري، عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، قبل أن تستأنف العضوية في يونيو 2014 بعد إجراء مصر لانتخابات رئاسية شارك الاتحاد في الإشراف عليها.
وقالت السفيرة منى عمر مساعدة وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية لـ«الشرق الأوسط» إن السياسية الخارجية المصرية التي يتبناها السيسي، انتقلت حاليا من مرحلة البحث عن شرعية ثورة 30 يونيو ونظامها الحالي، إلى مرحلة توطيد العلاقات، خاصة مع الدول الأفريقية، مشيرة إلى أن السيسي لديه نظرة شمولية لمفهوم لأمن القومي المصري الذي يمتد لجنوب القارة.
وخلال لقائه زوما أمس عرض السيسي مجمل الأوضاع التي شهدتها مصر وتطوراتها على مدار العامين الماضيين وثورة 30 يونيو، مؤكدا أنها «جاءت انعكاسا لإرادة المصريين الحرة ورغبتهم في الحفاظ على هويتهم وتحقيق آمالهم وطموحاتهم». وقال السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية إن «اللقاء تناول أيضا تطورات المنطقة وانتشار الفكر المتطرف والإرهاب، وما لهما من تداعيات مدمرة على الدول ومستقبل الشعوب». من جانبه، أعرب زوما عن تقديره للحوار مع السيسي وما أتاحه من إيضاحٍ إضافي مهم لحقيقة تطورات الأوضاع في مصر، فضلا عما تمر به المنطقة والقارة الأفريقية من تحديات يفرضها التطرف والإرهاب، ووصف اللقاء بـ«الصفحة الجديدة» في العلاقات بين البلدين، كما وجه دعوة للسيسي لزيارة جنوب أفريقيا وحضور القمة الأفريقية المقبلة، وهو الأمر الذي رحب به الرئيس، ووجه بدوره دعوة للرئيس الجنوب أفريقي لحضور حفل افتتاح قناة السويس الجديدة.
وتعد جنوب أفريقيا قوة مؤثرة في المنطقة، وواحدة من أكثر الديمقراطيات استقرارا في القارة، حيث تحتل المركز السادس والعشرين في قائمة الدول ذات الاقتصاد المتقدم في العالم، وبحسب صندوق النقد الدولي فإن اقتصادها هو ثاني أقوى اقتصاد في القارة الأفريقية، ويتميز بالتنوع وبالاستثمارات الهائلة.
وقالت السفيرة عمر إن أفريقيا هي الباب الجنوبي للأمن القومي المصري، خاصة إذا علمنا أن الكثير من الحركات الإرهابية التي تنشط في مصر حاليا لها أصول أفريقية، وأن كثير من الحركات الإرهابية في أفريقيا على اتصال بالحركات الموجودة في مصر، إضافة إلى تجارة تهريب البشر والسلاح والمخدرات، التي تعد كلها وافدة من أفريقيا وتؤثر بشكل مباشر على أمن مصر.
وأضافت مساعدة وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، أن الوضع في ليبيا أيضا يشكل خطرا كبيرا على الأمن المصري، وحل ذلك لن يتم إلا عبر التنسيق مع الدول الأفريقية المجاورة، وأبرزها مالي وتشاد والسودان، وبالطبع دول المغرب العربي، مع ضرورة عدم تجاهل ما يحدث في جنوب السودان من نزاعات.
وتابعت: «هناك أيضا أمن غذائي واقتصادي، حيث تشكل أفريقيا سوقا كبيرة للاستثمارات المصرية، مع وجود أهمية سياسية، فالقارة تحتوي على 53 دولة يشكلون قوة كبيرة يعتد بها ودعما لمصر في المحافل الدولية، إذا ما قررت القاهرة أن تعمل وتنسق مواقفها معهم».
وسعت مصر إلى تأكيد عودتها القوية لقارة أفريقيا، عبر مشاركتها عالية المستوى في جميع الفعاليات والقمم التي جرت مؤخرا، بعد تجاهل دام عدة سنوات عاشت فيها البلاد حالة من الاضطرابات السياسية والأمنية. وقالت مساعدة وزير الخارجية الأسبق إن «تمثيل مصر العالي في كل الفاعليات، وآخرها قمة الكوميسا في أديس أبابا عبر رئيس الوزراء وغيرها، أزال انطباعا سيئا لدى الأفارقة عن مصر.. حيث كان يفسر غيابها بأنه تعال وتجاهل».
وقام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارات إلى عدة دول أفريقية منذ توليه لحكم، منها الجزائر والسودان وغينيا، وآخرها زيارته التي وصفت بـ«التاريخية» إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا التي ألقى خلالها خطابا في البرلمان الإثيوبي تناول سبل الحل الودي للأزمة بين البلدين والمتعلقة بسد النهضة، الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل وتقول مصر إنه يهدد حصتها من مصدرها الوحيد في المياه بنحو 10 في المائة.
وجاءت زيارة أديس أبابا عقب توقيع زعماء مصر والسودان وإثيوبيا قبل أسابيع وثيقة اتفاق مبادئ بشأن سد النهضة، تشمل مبادئ تحكم التعاون بين الدول الثلاث للاستفادة من مياه النيل الشرقي وسد النهضة الإثيوبي، وعدم الإضرار بأي دولة.
كما رأس رئيس الوزراء إبراهيم محلب الأسبوع الماضي وفد بلاده في قمة الكوميسا (السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا)، في أديس أبابا، بمشاركة 19 دولة أفريقية، وقال محلب على هامش القمة إن «ما نشهده حاليا من حرص جميع الدول الأفريقية على الالتقاء بالمسؤولين المصريين يؤكد أن مصر استعادت دورها في المقدمة بالقارة السمراء»، واصفا استعادة بلاده لنشاطها في أفريقيا بأنها «انتقلت من مرحلة الخمول إلى الفاعلية في المؤسسات الأفريقية المختلفة». وأوضح محلب أن الحكومة تدعم القطاع الخاص للاستثمار في أفريقيا، خاصة مع وجود فرص استثمارية كبيرة في القارة، منوها بأن هناك مناخا سياسيا واقتصاديا يساعد على المضي قدما نحو الاستثمار في أفريقيا ووجود اتفاقيات ثنائية لتسهيل مناخ الاستثمار المشترك. وفسرت السفيرة عمر التوجه المصري الجديد بأن «مصر أدركت أن الأسلوب الودي والدبلوماسي الذي تتبعه مصر في سياستها حاليا، خاصة مع إثيوبيا في نزاعها على نهر النيل، لا بديل عنه وهو السبيل الوحيدة للحصول على المكاسب وتجنب نزاعات هي في غنى عنها حاليا».
وأشارت إلى أن «مصر حاليا تعمل على بناء الثقة المفقودة في أفريقيا، حيث تراجعت مصداقيتها سابقا مع تراكم الوعود التي لم يتم تنفيذها، لكن هذه المرة مصر تعمل وفق توجه جديد لكسب هذه المصداقية». وتابعت: «الوجود في المؤتمرات على مستوى تمثيل عال أعطى إشارة على اهتمام مصر بدول أفريقيا وهو ما كنا نحتاج إليه، علما بأن العامل النفسي مهم في علاقتنا الأفريقية، فكثير من الدول كانت تفسر غياب مصر في الماضي على أنه إشارة على التجاهل وعدم اهتمام وتعال». وتأمل مصر أن يحقق تعاونها مع دول القارة مزيدا من التنمية الاقتصادية لديها، إذ تسعى لجلب الاستثمارات. وتعتزم مصر استضافة قمة التكتلات الاقتصادية الثلاثة في أفريقيا (الكوميسا - تجمع شرق أفريقيا - السادك) في مدينة شرم الشيخ في 10 يونيو 2015، لإعلان اندماج التكتلات الاقتصادية الثلاثة لتكون خطوة مهمة نحو إنشاء منطقة التجارة الأفريقية الحرة.



أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.