بثينة العيسى: الكتابة هي الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم

الروائية الكويتية ترى أن كل رواية تكتبها هي رواية أولى

الروائية الكويتية بثنية العيسى
الروائية الكويتية بثنية العيسى
TT

بثينة العيسى: الكتابة هي الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم

الروائية الكويتية بثنية العيسى
الروائية الكويتية بثنية العيسى

ترى الروائية الكويتية بثينة العيسى أن الكتابة هي الطريقة التي توجد من خلالها في العالم، وأن دوافعها دائماً مركَّبة وفيها شيء من الأنانية. وهي ترى «أن الفكرة المهيمنة تتحكّم حتى بطبيعة الاستعارات التي تتولّد في النّص». من هذا المنطلق تطرح في روايتها الأحدث «السندباد الأعمى» وجهاً سردياً للحرب وآخر للوباء، في محاولة لتجسيد أفق مغاير لثنائية العشق والخذلان.
صدرت لها عشرة أعمال روائية منها «خرائط التيه» و«حارس سطح العالم». وتُسهم في مشهد صناعة النشر، عبر تأسيسها وإدارتها لمكتبة ودار نشر «تكوين» في الكويت منذ عام 2016... هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الأدبية:

> ارتبطت رحلتكِ مع الكتابة منذ الطفولة بالغزو العراقي للكويت، هنا في الرواية يظهر تأمل هذا الحدث المفصلي من مستويات عُمرية مُتعددة، أبرزها مستوى الطفولة واستدعاءاتها عليك. حدثينا عن ذلك.
- منذ مرأى والديّ وهما يلصقان النوافذ بالشريط اللاصق، ويرصَّان المعلبات وأكياس الطحين والأرز فوق بعضها في سرداب البيت، مروراً بصناعة ثياب عجيبة من أكياس القمامة، تبدو لائقة بكائنات فضائية، وخرافة التصدي للأسلحة الكيماوية بفحم الشواء، وانتهاءً بدفن الحليّ تحت سدرةِ البيت، وما تلاها من أفكار مثيرة عن حقيقة أنني أنتسب إلى عائلة من «القراصِنة» لديها كنز مدفون. هذه ذاكرتي، وهي ذاكرة طفلة متورّطة بمخيّلة حيّة، عاجزة في الوقت نفسه عن فهم أبسط الأشياء الواقعية. نقاط السيطرة، لعلعة الرصاص، أخبار تفتيش البيوت، وحقيقة أننا لن نذهب للمدرسة مرة أخرى. كنتُ أشعرُ دائماً، عند الكتابة عن هذه الحقبة، بأننا نكتب السردية التي تبنتها وسائل الإعلام الرسمية، عن أبطال وضحايا، عن أخيار وأشرار، وأعرفُ أنني منذ سنوات وأنا أرغب في كتابة الاحتلال كما عشتُه، أن أكتب ذاكرتي البصرية بالدرجة الأولى، عن التجربة مفتتة في تفاصيل صغيرة منذ سعر كرتونة البصل وحتى الثانية التي سبقت خبر التحرير.
> يظهر «السندباد» في الرواية بمختلف تصوراته، الكارتونية، الفلكلورية، البطولية. كيف وقع اختياركِ على السندباد بتراثه الفانتازي، وتمكينه من مجازات ومفاتيح عالمكِ الروائي الجديد؟
- الحقيقة أنني لا أمانع أن أعنوِن عملي بكلمةٍ من خارج النص، بل إن جانباً مني يحبُّ هذا المنحى، شيء على غرار ما فعله أمبرتو إيكو في «اسم الوردة»، عندما كتب رواية عن جرائم قتل في دير، ولم يكن ثمة ورد.
لكنني في العادة لا أضطر لعنوانٍ يبدو «شبه دخيل» على العالم الروائي، وهو دخيل إذا لم نلعب معه لعبة تأويل المعنى، لكن بالنسبة للسندباد، أسبابي على الأرجح واضحة لكل كويتي وعراقي على الأقل. أولاً؛ أن السندباد «البغدادي» له تمظهرات ثقافية حميمة في الذاكرة الكويتية، منذ أن كتب ألن فلييرز «أبناء السندباد» عن البحارة الكويتيين الذين أبحروا في آخر سلالة موشكة على الانقراض من السفن الشراعية، ثمَّ من خلال ديوان «مذكرات بحار» لمحمد الفايز الذي صدر في 1962 وتحوّل في 1979 إلى أوبريت «السندباد» بشطرهِ الشهير؛ سأعيد للدنيا حديث السندباد، وحتى عبر مسرحية «السندباد البحري» في 1978.
يمكن القول إن وجه الشبه بين السندباد والعدنيّات هو هذا، لقد صنعنا من الاثنين نسخة كويتية. وهكذا كنتُ، مثل إيكو أمام الوردة، أقف أمام كلمة، أو بالأحرى اسم علَم، محمّل بذخيرة تاريخية وثقافية ودلالية خصبة، عوضاً عن كونها المشترك الثقافي بين شعبين وجدا نفسيهما في خضمّ مسرحية عبثية أليمة ما زلنا ندفع فواتيرها حتى هذه اللحظة.
النقطة الأخرى أنني كنتُ أكتب عن جيلٍ ممسوخ، عن أحفاد أحفادِ السندباد لا عن أبنائه الذين كتب عنهم فلييرز، عن الذين ما عادوا امتداداً لمكانهم، وعن أبنائهم الذين «لا يجيدون اللغة العربية ولا يحبون البحر ولا يعرفون من هم»، عن الساقطين في هوّة عدم اليقين إلى الأبد، إن الجانب التراجيدي هو أنَّ سلالة السندباد في الكويت قد تشوهت لأسباب كثيرة، ليس أولها النفط ولا آخرها الغزو.
> يبرُز «العمى» كثيمة رئيسية في الرواية، بداية من ربطه بالسندباد، مروراً بطرحه كعريضة مظلومية في وجه «عالم فقد نقاءه للأبد»، ما مبرر ذلك فنياً برأيك؟
- أعتقدُ بأنَّ الأمر واضح، فلا أحد من الشخصيات تقريباً رأى الآخر؛ أعني رآه بالمعنى الذي يجعله قادراً، ولو ذهنياً، على احتساب التبعات وتخيّل المآلات. وقد أذهب أبعد للقول إن الأمر طبيعي، وبشري جداً، ألا يرى بعضنا بعضاً.
> عالم البحر يتأرجح في الرواية ما بين الحلم، والكابوس، تُطل مفردات كائناته وتظهر مرسومة على الورق، كيف سخرت البحر كمكان قادر على الاحتفاظ طيلة الرواية بروح السرد في أعماقه، حتى لو كانت الأحداث تدور على اليابسة؟
- أعتقدُ بأنني كنتُ مضطرة لاستجلابِ البحر إلى الحدث حتى بعد العودة إلى اليابسة، توحي اليابسة، لفظياً على الأقل، بالرسوخ، ربّما لأن للنكبات طبيعة موجية، إحساسٌ حلميٌ كان ينتابُ الجميع منذ ليلة الحادثة وحتى كلمة «تمت». ناهيك بأن البحر هو البيئة الحاضنة لمغامرات السندباد في «الليالي»، وهكذا فإن رواية عن أحفاد السندباد المعطوبين لا يمكن أن تحدث بمعزل عن البحر.
> في الرواية يبدو الجيل الكويتي المُواكب لحرب الخليج الثانية مهزوماً في قراراته، ويبدو أن الجيل الجديد مُتورط هو الآخر في جذور تلك التعقيدات. هل سؤال الهُوية مؤرق إلى هذا الحد؟
- الرواية هي ابنة المدينة، لقد كتبت منذ البداية في الحواضِر، أي أنها في صلبِها تساؤل مفتوح عن الهوية. إننا في المجمل نكتب عن شخصياتٍ في المكان، ولكلّ مكانٍ تبعاته وآثامه، إن «المكان خطيئتي وذريعتي» كما صاغها درويش، وسؤال الهوية هو دائماً جرح مفتوح في عالم من «الفوبيات المتقابلة» كما جاء في الرواية.
> أبطال الرواية عالقون، في حالة انتظار، يعيشون على سطح حكايات لا تخصهم، غير مرئيين. وعندما أردتِ إنقاذ البطلة كان سبيلها الوحيد في ذلك هو أن تكتب رواية مؤجلة. هل الكتابة لديكِ فعل خلاص؟
- الكتابة هي هذا وأشياء أخرى. لا يمكن اختزالها في دور واحد. إنَّ دوافعنا للكتابة دائماً مركَّبة، وفيها شيء من الأنانية، يتعلّق الأمر أحياناً بحاجتنا البسيطة لأن نُرى، ولأن نَرى. إنه نطاق فسيح يبدأ من العامريّ الذي ما أنشد الأشعار «إلا تداوياً»، وربما ينتهي (أو لا ينتهي) مع درويش الذي تقول له الحروف الغامضات «اكتب تكُن».
> الشِعر، الأغاني الكويتية والعدنية، دوزنات العود في الرواية ظهرت كرديف للحب، العشق، الحرب، الوطن، حتى أنها بدت كمرويات سردية في حد ذاتها. حدثينا عن هذا المخزون الشعري والطربي الذي يبدو كأنكِ أطلقت سراحه وجدانياً في الرواية.
- قمت بتوظيف العدنيّات لسببين؛ الأوَّل أنها تختصر عليَّ كثيراً من الفقرات، فلا أُضطر إلى شرح الحالة العاطفية للشخصية. إنها آلة تكثيفية هائلة، والأجمل أنها مكتوبة بجزالة شعرية فاتنة. إذ يكفي أن أقول: «مضنى وليس به حراك» لكي يفهم القارئ الحد الذي بلغه الرجلُ من الحبّ والعطب.
السّبب الثاني له علاقة بما أسمّيه «التأثيث»، أي بناء مكانٍ حي وقابل للتصديق داخل الرواية؛ مكان له صوت وصورة ورائحة. ما إن بدأت العدنيات تسللها الشفيف إلى الوجدان الكويتي في 1962 مع محمد جمعة خان حتى تم اشتقاقها وتكويتها وتحولت إلى ظاهرة كواليسية ما زالت مستمرّة حتى هذه اللحظة. إنها شكل من أشكال الخصوصية كان من دواعي سروري استثماره روائياً.
> الطفل الضائع في «خرائط التيه» والطفلة «الشفافة» في «السندباد الأعمى». هذا الذوبان المادي والمعنوي يجد طريقه في كتابتكِ كفعل كاشف عن اختلال المجتمع وقسوته... هل هذا صحيح؟
- الطفولة هي الحلقة الأكثر هشاشة في النسيج الاجتماعي، والأكثر حساسية أيضاً. راي برادبيري يُشبّه الفنّانين بطيور الكناري المحبوسة في أقفاص، التي يأخذها عمّال المناجم إلى الكهوف، والتي تكفُّ عن التغريد إذا ارتفع معدّل الكربون. إنها جهاز إنذار لكي يعرف الجميع أن الوقت قد حان للخروج من الكهف. أعتقد بأن الأطفال هم نسختي الخاصة من طيور الكناري.
> وظفتِ في بناء «حارس سطح العالم» بشكل كبير اللعبة السردية والتجريب، وفي «السندباد الأعمى» كان استرسال الحكاية عبر راوٍ عليم وتعقُب خبايا حوارات الأبطال هما الأساس. هل تعتقدين أن فكرة الرواية هي التي تختار ملامحها السردية، أم أن الكاتب هو من يُطوّع السرد لصالح فكرته؟
- في كل رواية نواة، تسمّى الفرضية الروائية. إنها الرواية مُكثفة ومقطّرة في سطرٍ واحد. عندما تكون الفرضية الروائية عن رقيب كتب يقع في غرام رواية ممنوعة في جمهورية الأخ الكبير، فهذه الفرضية تستجلب، بشكل مغناطيسي تقريباً، جملة الأدوات الفنية التي تحتاجها رواية من هذا النوع. منذ التفاصيل الحسية للمكان، مروراً بالهيكل الروائي والشخصية وانتهاءً بنبرة السرد واللغة. إن الفكرة المهيمنة على رأسي تتحكّم حتى بطبيعة الاستعارات التي تتولّد في النّص. أنا أنتمي للمدرسة التي تقول إن الرواية تختار ملامحها، تفاصيلها، لغتها، ضروراتها الفنية جميعها، وبهذا المنطق فإن كل رواية أكتبها هي رواية أولى.
> في يومياتك، كيف تجدين وتُكرسين لبثينة العيسى الأديبة مساحتها الخاصة للإبداع وسط صخب عالم النشر وإدارة مكتبة «تكوين» وبيع الكتب والكتابة عنها، بكل ما تعج به تلك الأمور من تفاصيل مُنهكة للوقت والذهن؟
- ما أعرفه أنني أحتاج إلى روتين؛ ليست الصعوبة في امتلاء عالمي بالمهام والعوالم، الصعوبة تكون في تنظيمها بشكلٍ يتيح لي الجلوس لثلاث ساعات يومياً لكتابة 500 كلمة. أزعم بأنني لم أفشل قط في العثور على ساعاتي الثلاث، لذا لا أفهم الذين يقولون إنَّهم «ليس لديهم الوقت الكافي لأي شيء».
في فترة ما كنتُ أماً لطفل عمره سنة، وحُبلى بطفلي الثاني، وطالبة ماجستير إدارة أعمال، وباحثة مالية في وزارة المالية وكنتُ مع ذلك أكتب. الكتابة ليست حالة عابرة عندي، إنها الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».