بثينة العيسى: الكتابة هي الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم

الروائية الكويتية ترى أن كل رواية تكتبها هي رواية أولى

الروائية الكويتية بثنية العيسى
الروائية الكويتية بثنية العيسى
TT

بثينة العيسى: الكتابة هي الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم

الروائية الكويتية بثنية العيسى
الروائية الكويتية بثنية العيسى

ترى الروائية الكويتية بثينة العيسى أن الكتابة هي الطريقة التي توجد من خلالها في العالم، وأن دوافعها دائماً مركَّبة وفيها شيء من الأنانية. وهي ترى «أن الفكرة المهيمنة تتحكّم حتى بطبيعة الاستعارات التي تتولّد في النّص». من هذا المنطلق تطرح في روايتها الأحدث «السندباد الأعمى» وجهاً سردياً للحرب وآخر للوباء، في محاولة لتجسيد أفق مغاير لثنائية العشق والخذلان.
صدرت لها عشرة أعمال روائية منها «خرائط التيه» و«حارس سطح العالم». وتُسهم في مشهد صناعة النشر، عبر تأسيسها وإدارتها لمكتبة ودار نشر «تكوين» في الكويت منذ عام 2016... هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الأدبية:

> ارتبطت رحلتكِ مع الكتابة منذ الطفولة بالغزو العراقي للكويت، هنا في الرواية يظهر تأمل هذا الحدث المفصلي من مستويات عُمرية مُتعددة، أبرزها مستوى الطفولة واستدعاءاتها عليك. حدثينا عن ذلك.
- منذ مرأى والديّ وهما يلصقان النوافذ بالشريط اللاصق، ويرصَّان المعلبات وأكياس الطحين والأرز فوق بعضها في سرداب البيت، مروراً بصناعة ثياب عجيبة من أكياس القمامة، تبدو لائقة بكائنات فضائية، وخرافة التصدي للأسلحة الكيماوية بفحم الشواء، وانتهاءً بدفن الحليّ تحت سدرةِ البيت، وما تلاها من أفكار مثيرة عن حقيقة أنني أنتسب إلى عائلة من «القراصِنة» لديها كنز مدفون. هذه ذاكرتي، وهي ذاكرة طفلة متورّطة بمخيّلة حيّة، عاجزة في الوقت نفسه عن فهم أبسط الأشياء الواقعية. نقاط السيطرة، لعلعة الرصاص، أخبار تفتيش البيوت، وحقيقة أننا لن نذهب للمدرسة مرة أخرى. كنتُ أشعرُ دائماً، عند الكتابة عن هذه الحقبة، بأننا نكتب السردية التي تبنتها وسائل الإعلام الرسمية، عن أبطال وضحايا، عن أخيار وأشرار، وأعرفُ أنني منذ سنوات وأنا أرغب في كتابة الاحتلال كما عشتُه، أن أكتب ذاكرتي البصرية بالدرجة الأولى، عن التجربة مفتتة في تفاصيل صغيرة منذ سعر كرتونة البصل وحتى الثانية التي سبقت خبر التحرير.
> يظهر «السندباد» في الرواية بمختلف تصوراته، الكارتونية، الفلكلورية، البطولية. كيف وقع اختياركِ على السندباد بتراثه الفانتازي، وتمكينه من مجازات ومفاتيح عالمكِ الروائي الجديد؟
- الحقيقة أنني لا أمانع أن أعنوِن عملي بكلمةٍ من خارج النص، بل إن جانباً مني يحبُّ هذا المنحى، شيء على غرار ما فعله أمبرتو إيكو في «اسم الوردة»، عندما كتب رواية عن جرائم قتل في دير، ولم يكن ثمة ورد.
لكنني في العادة لا أضطر لعنوانٍ يبدو «شبه دخيل» على العالم الروائي، وهو دخيل إذا لم نلعب معه لعبة تأويل المعنى، لكن بالنسبة للسندباد، أسبابي على الأرجح واضحة لكل كويتي وعراقي على الأقل. أولاً؛ أن السندباد «البغدادي» له تمظهرات ثقافية حميمة في الذاكرة الكويتية، منذ أن كتب ألن فلييرز «أبناء السندباد» عن البحارة الكويتيين الذين أبحروا في آخر سلالة موشكة على الانقراض من السفن الشراعية، ثمَّ من خلال ديوان «مذكرات بحار» لمحمد الفايز الذي صدر في 1962 وتحوّل في 1979 إلى أوبريت «السندباد» بشطرهِ الشهير؛ سأعيد للدنيا حديث السندباد، وحتى عبر مسرحية «السندباد البحري» في 1978.
يمكن القول إن وجه الشبه بين السندباد والعدنيّات هو هذا، لقد صنعنا من الاثنين نسخة كويتية. وهكذا كنتُ، مثل إيكو أمام الوردة، أقف أمام كلمة، أو بالأحرى اسم علَم، محمّل بذخيرة تاريخية وثقافية ودلالية خصبة، عوضاً عن كونها المشترك الثقافي بين شعبين وجدا نفسيهما في خضمّ مسرحية عبثية أليمة ما زلنا ندفع فواتيرها حتى هذه اللحظة.
النقطة الأخرى أنني كنتُ أكتب عن جيلٍ ممسوخ، عن أحفاد أحفادِ السندباد لا عن أبنائه الذين كتب عنهم فلييرز، عن الذين ما عادوا امتداداً لمكانهم، وعن أبنائهم الذين «لا يجيدون اللغة العربية ولا يحبون البحر ولا يعرفون من هم»، عن الساقطين في هوّة عدم اليقين إلى الأبد، إن الجانب التراجيدي هو أنَّ سلالة السندباد في الكويت قد تشوهت لأسباب كثيرة، ليس أولها النفط ولا آخرها الغزو.
> يبرُز «العمى» كثيمة رئيسية في الرواية، بداية من ربطه بالسندباد، مروراً بطرحه كعريضة مظلومية في وجه «عالم فقد نقاءه للأبد»، ما مبرر ذلك فنياً برأيك؟
- أعتقدُ بأنَّ الأمر واضح، فلا أحد من الشخصيات تقريباً رأى الآخر؛ أعني رآه بالمعنى الذي يجعله قادراً، ولو ذهنياً، على احتساب التبعات وتخيّل المآلات. وقد أذهب أبعد للقول إن الأمر طبيعي، وبشري جداً، ألا يرى بعضنا بعضاً.
> عالم البحر يتأرجح في الرواية ما بين الحلم، والكابوس، تُطل مفردات كائناته وتظهر مرسومة على الورق، كيف سخرت البحر كمكان قادر على الاحتفاظ طيلة الرواية بروح السرد في أعماقه، حتى لو كانت الأحداث تدور على اليابسة؟
- أعتقدُ بأنني كنتُ مضطرة لاستجلابِ البحر إلى الحدث حتى بعد العودة إلى اليابسة، توحي اليابسة، لفظياً على الأقل، بالرسوخ، ربّما لأن للنكبات طبيعة موجية، إحساسٌ حلميٌ كان ينتابُ الجميع منذ ليلة الحادثة وحتى كلمة «تمت». ناهيك بأن البحر هو البيئة الحاضنة لمغامرات السندباد في «الليالي»، وهكذا فإن رواية عن أحفاد السندباد المعطوبين لا يمكن أن تحدث بمعزل عن البحر.
> في الرواية يبدو الجيل الكويتي المُواكب لحرب الخليج الثانية مهزوماً في قراراته، ويبدو أن الجيل الجديد مُتورط هو الآخر في جذور تلك التعقيدات. هل سؤال الهُوية مؤرق إلى هذا الحد؟
- الرواية هي ابنة المدينة، لقد كتبت منذ البداية في الحواضِر، أي أنها في صلبِها تساؤل مفتوح عن الهوية. إننا في المجمل نكتب عن شخصياتٍ في المكان، ولكلّ مكانٍ تبعاته وآثامه، إن «المكان خطيئتي وذريعتي» كما صاغها درويش، وسؤال الهوية هو دائماً جرح مفتوح في عالم من «الفوبيات المتقابلة» كما جاء في الرواية.
> أبطال الرواية عالقون، في حالة انتظار، يعيشون على سطح حكايات لا تخصهم، غير مرئيين. وعندما أردتِ إنقاذ البطلة كان سبيلها الوحيد في ذلك هو أن تكتب رواية مؤجلة. هل الكتابة لديكِ فعل خلاص؟
- الكتابة هي هذا وأشياء أخرى. لا يمكن اختزالها في دور واحد. إنَّ دوافعنا للكتابة دائماً مركَّبة، وفيها شيء من الأنانية، يتعلّق الأمر أحياناً بحاجتنا البسيطة لأن نُرى، ولأن نَرى. إنه نطاق فسيح يبدأ من العامريّ الذي ما أنشد الأشعار «إلا تداوياً»، وربما ينتهي (أو لا ينتهي) مع درويش الذي تقول له الحروف الغامضات «اكتب تكُن».
> الشِعر، الأغاني الكويتية والعدنية، دوزنات العود في الرواية ظهرت كرديف للحب، العشق، الحرب، الوطن، حتى أنها بدت كمرويات سردية في حد ذاتها. حدثينا عن هذا المخزون الشعري والطربي الذي يبدو كأنكِ أطلقت سراحه وجدانياً في الرواية.
- قمت بتوظيف العدنيّات لسببين؛ الأوَّل أنها تختصر عليَّ كثيراً من الفقرات، فلا أُضطر إلى شرح الحالة العاطفية للشخصية. إنها آلة تكثيفية هائلة، والأجمل أنها مكتوبة بجزالة شعرية فاتنة. إذ يكفي أن أقول: «مضنى وليس به حراك» لكي يفهم القارئ الحد الذي بلغه الرجلُ من الحبّ والعطب.
السّبب الثاني له علاقة بما أسمّيه «التأثيث»، أي بناء مكانٍ حي وقابل للتصديق داخل الرواية؛ مكان له صوت وصورة ورائحة. ما إن بدأت العدنيات تسللها الشفيف إلى الوجدان الكويتي في 1962 مع محمد جمعة خان حتى تم اشتقاقها وتكويتها وتحولت إلى ظاهرة كواليسية ما زالت مستمرّة حتى هذه اللحظة. إنها شكل من أشكال الخصوصية كان من دواعي سروري استثماره روائياً.
> الطفل الضائع في «خرائط التيه» والطفلة «الشفافة» في «السندباد الأعمى». هذا الذوبان المادي والمعنوي يجد طريقه في كتابتكِ كفعل كاشف عن اختلال المجتمع وقسوته... هل هذا صحيح؟
- الطفولة هي الحلقة الأكثر هشاشة في النسيج الاجتماعي، والأكثر حساسية أيضاً. راي برادبيري يُشبّه الفنّانين بطيور الكناري المحبوسة في أقفاص، التي يأخذها عمّال المناجم إلى الكهوف، والتي تكفُّ عن التغريد إذا ارتفع معدّل الكربون. إنها جهاز إنذار لكي يعرف الجميع أن الوقت قد حان للخروج من الكهف. أعتقد بأن الأطفال هم نسختي الخاصة من طيور الكناري.
> وظفتِ في بناء «حارس سطح العالم» بشكل كبير اللعبة السردية والتجريب، وفي «السندباد الأعمى» كان استرسال الحكاية عبر راوٍ عليم وتعقُب خبايا حوارات الأبطال هما الأساس. هل تعتقدين أن فكرة الرواية هي التي تختار ملامحها السردية، أم أن الكاتب هو من يُطوّع السرد لصالح فكرته؟
- في كل رواية نواة، تسمّى الفرضية الروائية. إنها الرواية مُكثفة ومقطّرة في سطرٍ واحد. عندما تكون الفرضية الروائية عن رقيب كتب يقع في غرام رواية ممنوعة في جمهورية الأخ الكبير، فهذه الفرضية تستجلب، بشكل مغناطيسي تقريباً، جملة الأدوات الفنية التي تحتاجها رواية من هذا النوع. منذ التفاصيل الحسية للمكان، مروراً بالهيكل الروائي والشخصية وانتهاءً بنبرة السرد واللغة. إن الفكرة المهيمنة على رأسي تتحكّم حتى بطبيعة الاستعارات التي تتولّد في النّص. أنا أنتمي للمدرسة التي تقول إن الرواية تختار ملامحها، تفاصيلها، لغتها، ضروراتها الفنية جميعها، وبهذا المنطق فإن كل رواية أكتبها هي رواية أولى.
> في يومياتك، كيف تجدين وتُكرسين لبثينة العيسى الأديبة مساحتها الخاصة للإبداع وسط صخب عالم النشر وإدارة مكتبة «تكوين» وبيع الكتب والكتابة عنها، بكل ما تعج به تلك الأمور من تفاصيل مُنهكة للوقت والذهن؟
- ما أعرفه أنني أحتاج إلى روتين؛ ليست الصعوبة في امتلاء عالمي بالمهام والعوالم، الصعوبة تكون في تنظيمها بشكلٍ يتيح لي الجلوس لثلاث ساعات يومياً لكتابة 500 كلمة. أزعم بأنني لم أفشل قط في العثور على ساعاتي الثلاث، لذا لا أفهم الذين يقولون إنَّهم «ليس لديهم الوقت الكافي لأي شيء».
في فترة ما كنتُ أماً لطفل عمره سنة، وحُبلى بطفلي الثاني، وطالبة ماجستير إدارة أعمال، وباحثة مالية في وزارة المالية وكنتُ مع ذلك أكتب. الكتابة ليست حالة عابرة عندي، إنها الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».