بثينة العيسى: الكتابة هي الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم

الروائية الكويتية ترى أن كل رواية تكتبها هي رواية أولى

الروائية الكويتية بثنية العيسى
الروائية الكويتية بثنية العيسى
TT

بثينة العيسى: الكتابة هي الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم

الروائية الكويتية بثنية العيسى
الروائية الكويتية بثنية العيسى

ترى الروائية الكويتية بثينة العيسى أن الكتابة هي الطريقة التي توجد من خلالها في العالم، وأن دوافعها دائماً مركَّبة وفيها شيء من الأنانية. وهي ترى «أن الفكرة المهيمنة تتحكّم حتى بطبيعة الاستعارات التي تتولّد في النّص». من هذا المنطلق تطرح في روايتها الأحدث «السندباد الأعمى» وجهاً سردياً للحرب وآخر للوباء، في محاولة لتجسيد أفق مغاير لثنائية العشق والخذلان.
صدرت لها عشرة أعمال روائية منها «خرائط التيه» و«حارس سطح العالم». وتُسهم في مشهد صناعة النشر، عبر تأسيسها وإدارتها لمكتبة ودار نشر «تكوين» في الكويت منذ عام 2016... هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الأدبية:

> ارتبطت رحلتكِ مع الكتابة منذ الطفولة بالغزو العراقي للكويت، هنا في الرواية يظهر تأمل هذا الحدث المفصلي من مستويات عُمرية مُتعددة، أبرزها مستوى الطفولة واستدعاءاتها عليك. حدثينا عن ذلك.
- منذ مرأى والديّ وهما يلصقان النوافذ بالشريط اللاصق، ويرصَّان المعلبات وأكياس الطحين والأرز فوق بعضها في سرداب البيت، مروراً بصناعة ثياب عجيبة من أكياس القمامة، تبدو لائقة بكائنات فضائية، وخرافة التصدي للأسلحة الكيماوية بفحم الشواء، وانتهاءً بدفن الحليّ تحت سدرةِ البيت، وما تلاها من أفكار مثيرة عن حقيقة أنني أنتسب إلى عائلة من «القراصِنة» لديها كنز مدفون. هذه ذاكرتي، وهي ذاكرة طفلة متورّطة بمخيّلة حيّة، عاجزة في الوقت نفسه عن فهم أبسط الأشياء الواقعية. نقاط السيطرة، لعلعة الرصاص، أخبار تفتيش البيوت، وحقيقة أننا لن نذهب للمدرسة مرة أخرى. كنتُ أشعرُ دائماً، عند الكتابة عن هذه الحقبة، بأننا نكتب السردية التي تبنتها وسائل الإعلام الرسمية، عن أبطال وضحايا، عن أخيار وأشرار، وأعرفُ أنني منذ سنوات وأنا أرغب في كتابة الاحتلال كما عشتُه، أن أكتب ذاكرتي البصرية بالدرجة الأولى، عن التجربة مفتتة في تفاصيل صغيرة منذ سعر كرتونة البصل وحتى الثانية التي سبقت خبر التحرير.
> يظهر «السندباد» في الرواية بمختلف تصوراته، الكارتونية، الفلكلورية، البطولية. كيف وقع اختياركِ على السندباد بتراثه الفانتازي، وتمكينه من مجازات ومفاتيح عالمكِ الروائي الجديد؟
- الحقيقة أنني لا أمانع أن أعنوِن عملي بكلمةٍ من خارج النص، بل إن جانباً مني يحبُّ هذا المنحى، شيء على غرار ما فعله أمبرتو إيكو في «اسم الوردة»، عندما كتب رواية عن جرائم قتل في دير، ولم يكن ثمة ورد.
لكنني في العادة لا أضطر لعنوانٍ يبدو «شبه دخيل» على العالم الروائي، وهو دخيل إذا لم نلعب معه لعبة تأويل المعنى، لكن بالنسبة للسندباد، أسبابي على الأرجح واضحة لكل كويتي وعراقي على الأقل. أولاً؛ أن السندباد «البغدادي» له تمظهرات ثقافية حميمة في الذاكرة الكويتية، منذ أن كتب ألن فلييرز «أبناء السندباد» عن البحارة الكويتيين الذين أبحروا في آخر سلالة موشكة على الانقراض من السفن الشراعية، ثمَّ من خلال ديوان «مذكرات بحار» لمحمد الفايز الذي صدر في 1962 وتحوّل في 1979 إلى أوبريت «السندباد» بشطرهِ الشهير؛ سأعيد للدنيا حديث السندباد، وحتى عبر مسرحية «السندباد البحري» في 1978.
يمكن القول إن وجه الشبه بين السندباد والعدنيّات هو هذا، لقد صنعنا من الاثنين نسخة كويتية. وهكذا كنتُ، مثل إيكو أمام الوردة، أقف أمام كلمة، أو بالأحرى اسم علَم، محمّل بذخيرة تاريخية وثقافية ودلالية خصبة، عوضاً عن كونها المشترك الثقافي بين شعبين وجدا نفسيهما في خضمّ مسرحية عبثية أليمة ما زلنا ندفع فواتيرها حتى هذه اللحظة.
النقطة الأخرى أنني كنتُ أكتب عن جيلٍ ممسوخ، عن أحفاد أحفادِ السندباد لا عن أبنائه الذين كتب عنهم فلييرز، عن الذين ما عادوا امتداداً لمكانهم، وعن أبنائهم الذين «لا يجيدون اللغة العربية ولا يحبون البحر ولا يعرفون من هم»، عن الساقطين في هوّة عدم اليقين إلى الأبد، إن الجانب التراجيدي هو أنَّ سلالة السندباد في الكويت قد تشوهت لأسباب كثيرة، ليس أولها النفط ولا آخرها الغزو.
> يبرُز «العمى» كثيمة رئيسية في الرواية، بداية من ربطه بالسندباد، مروراً بطرحه كعريضة مظلومية في وجه «عالم فقد نقاءه للأبد»، ما مبرر ذلك فنياً برأيك؟
- أعتقدُ بأنَّ الأمر واضح، فلا أحد من الشخصيات تقريباً رأى الآخر؛ أعني رآه بالمعنى الذي يجعله قادراً، ولو ذهنياً، على احتساب التبعات وتخيّل المآلات. وقد أذهب أبعد للقول إن الأمر طبيعي، وبشري جداً، ألا يرى بعضنا بعضاً.
> عالم البحر يتأرجح في الرواية ما بين الحلم، والكابوس، تُطل مفردات كائناته وتظهر مرسومة على الورق، كيف سخرت البحر كمكان قادر على الاحتفاظ طيلة الرواية بروح السرد في أعماقه، حتى لو كانت الأحداث تدور على اليابسة؟
- أعتقدُ بأنني كنتُ مضطرة لاستجلابِ البحر إلى الحدث حتى بعد العودة إلى اليابسة، توحي اليابسة، لفظياً على الأقل، بالرسوخ، ربّما لأن للنكبات طبيعة موجية، إحساسٌ حلميٌ كان ينتابُ الجميع منذ ليلة الحادثة وحتى كلمة «تمت». ناهيك بأن البحر هو البيئة الحاضنة لمغامرات السندباد في «الليالي»، وهكذا فإن رواية عن أحفاد السندباد المعطوبين لا يمكن أن تحدث بمعزل عن البحر.
> في الرواية يبدو الجيل الكويتي المُواكب لحرب الخليج الثانية مهزوماً في قراراته، ويبدو أن الجيل الجديد مُتورط هو الآخر في جذور تلك التعقيدات. هل سؤال الهُوية مؤرق إلى هذا الحد؟
- الرواية هي ابنة المدينة، لقد كتبت منذ البداية في الحواضِر، أي أنها في صلبِها تساؤل مفتوح عن الهوية. إننا في المجمل نكتب عن شخصياتٍ في المكان، ولكلّ مكانٍ تبعاته وآثامه، إن «المكان خطيئتي وذريعتي» كما صاغها درويش، وسؤال الهوية هو دائماً جرح مفتوح في عالم من «الفوبيات المتقابلة» كما جاء في الرواية.
> أبطال الرواية عالقون، في حالة انتظار، يعيشون على سطح حكايات لا تخصهم، غير مرئيين. وعندما أردتِ إنقاذ البطلة كان سبيلها الوحيد في ذلك هو أن تكتب رواية مؤجلة. هل الكتابة لديكِ فعل خلاص؟
- الكتابة هي هذا وأشياء أخرى. لا يمكن اختزالها في دور واحد. إنَّ دوافعنا للكتابة دائماً مركَّبة، وفيها شيء من الأنانية، يتعلّق الأمر أحياناً بحاجتنا البسيطة لأن نُرى، ولأن نَرى. إنه نطاق فسيح يبدأ من العامريّ الذي ما أنشد الأشعار «إلا تداوياً»، وربما ينتهي (أو لا ينتهي) مع درويش الذي تقول له الحروف الغامضات «اكتب تكُن».
> الشِعر، الأغاني الكويتية والعدنية، دوزنات العود في الرواية ظهرت كرديف للحب، العشق، الحرب، الوطن، حتى أنها بدت كمرويات سردية في حد ذاتها. حدثينا عن هذا المخزون الشعري والطربي الذي يبدو كأنكِ أطلقت سراحه وجدانياً في الرواية.
- قمت بتوظيف العدنيّات لسببين؛ الأوَّل أنها تختصر عليَّ كثيراً من الفقرات، فلا أُضطر إلى شرح الحالة العاطفية للشخصية. إنها آلة تكثيفية هائلة، والأجمل أنها مكتوبة بجزالة شعرية فاتنة. إذ يكفي أن أقول: «مضنى وليس به حراك» لكي يفهم القارئ الحد الذي بلغه الرجلُ من الحبّ والعطب.
السّبب الثاني له علاقة بما أسمّيه «التأثيث»، أي بناء مكانٍ حي وقابل للتصديق داخل الرواية؛ مكان له صوت وصورة ورائحة. ما إن بدأت العدنيات تسللها الشفيف إلى الوجدان الكويتي في 1962 مع محمد جمعة خان حتى تم اشتقاقها وتكويتها وتحولت إلى ظاهرة كواليسية ما زالت مستمرّة حتى هذه اللحظة. إنها شكل من أشكال الخصوصية كان من دواعي سروري استثماره روائياً.
> الطفل الضائع في «خرائط التيه» والطفلة «الشفافة» في «السندباد الأعمى». هذا الذوبان المادي والمعنوي يجد طريقه في كتابتكِ كفعل كاشف عن اختلال المجتمع وقسوته... هل هذا صحيح؟
- الطفولة هي الحلقة الأكثر هشاشة في النسيج الاجتماعي، والأكثر حساسية أيضاً. راي برادبيري يُشبّه الفنّانين بطيور الكناري المحبوسة في أقفاص، التي يأخذها عمّال المناجم إلى الكهوف، والتي تكفُّ عن التغريد إذا ارتفع معدّل الكربون. إنها جهاز إنذار لكي يعرف الجميع أن الوقت قد حان للخروج من الكهف. أعتقد بأن الأطفال هم نسختي الخاصة من طيور الكناري.
> وظفتِ في بناء «حارس سطح العالم» بشكل كبير اللعبة السردية والتجريب، وفي «السندباد الأعمى» كان استرسال الحكاية عبر راوٍ عليم وتعقُب خبايا حوارات الأبطال هما الأساس. هل تعتقدين أن فكرة الرواية هي التي تختار ملامحها السردية، أم أن الكاتب هو من يُطوّع السرد لصالح فكرته؟
- في كل رواية نواة، تسمّى الفرضية الروائية. إنها الرواية مُكثفة ومقطّرة في سطرٍ واحد. عندما تكون الفرضية الروائية عن رقيب كتب يقع في غرام رواية ممنوعة في جمهورية الأخ الكبير، فهذه الفرضية تستجلب، بشكل مغناطيسي تقريباً، جملة الأدوات الفنية التي تحتاجها رواية من هذا النوع. منذ التفاصيل الحسية للمكان، مروراً بالهيكل الروائي والشخصية وانتهاءً بنبرة السرد واللغة. إن الفكرة المهيمنة على رأسي تتحكّم حتى بطبيعة الاستعارات التي تتولّد في النّص. أنا أنتمي للمدرسة التي تقول إن الرواية تختار ملامحها، تفاصيلها، لغتها، ضروراتها الفنية جميعها، وبهذا المنطق فإن كل رواية أكتبها هي رواية أولى.
> في يومياتك، كيف تجدين وتُكرسين لبثينة العيسى الأديبة مساحتها الخاصة للإبداع وسط صخب عالم النشر وإدارة مكتبة «تكوين» وبيع الكتب والكتابة عنها، بكل ما تعج به تلك الأمور من تفاصيل مُنهكة للوقت والذهن؟
- ما أعرفه أنني أحتاج إلى روتين؛ ليست الصعوبة في امتلاء عالمي بالمهام والعوالم، الصعوبة تكون في تنظيمها بشكلٍ يتيح لي الجلوس لثلاث ساعات يومياً لكتابة 500 كلمة. أزعم بأنني لم أفشل قط في العثور على ساعاتي الثلاث، لذا لا أفهم الذين يقولون إنَّهم «ليس لديهم الوقت الكافي لأي شيء».
في فترة ما كنتُ أماً لطفل عمره سنة، وحُبلى بطفلي الثاني، وطالبة ماجستير إدارة أعمال، وباحثة مالية في وزارة المالية وكنتُ مع ذلك أكتب. الكتابة ليست حالة عابرة عندي، إنها الطريقة التي أوجد من خلالها في العالم.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.