عبد العزيز مخيون: المخرج الجيّد يضبط انفعالات الممثل ويوجّه أحاسيسه

قال لـ «الشرق الأوسط» إنه يؤمن بأن هناك لحظة مقدسة في رحاب الفن

من دوره في «الجوع» لعلي بدرخان
من دوره في «الجوع» لعلي بدرخان
TT

عبد العزيز مخيون: المخرج الجيّد يضبط انفعالات الممثل ويوجّه أحاسيسه

من دوره في «الجوع» لعلي بدرخان
من دوره في «الجوع» لعلي بدرخان

فيلمان مصريان جديدان يجمع بينهما الممثل عبد العزيز مخيون هما «سري للغاية» من إخراج محمد سامي و«أسوار عالية» لهشام عيسوي.
هذا الثاني دراما جديدة حول شخصيات متعددة مع دور لافت لرانيا يوسف وأحمد العوضي. أما «سري للغاية» فيتمحور حول أحداث التاريخ القريب، تلك التي تقع ما بين 2011 و2013 البطولة هنا لأحمد السقا ومحمد رمضان وأحمد رزق.
وهناك فيلم ثالث انتهى من تصويره بعنوان «هوست» (Host) للمخرج صفاء عيدي. هل يمكن لنا أن نحلم بأن حضور مخيون في فيلم غير مصري هو نوع آخر من الاحتفاء الذي يستحقه؟ نوع من الأعمال التي تختلف في طبيعتها عن تلك المتاحة اليوم على صعيد الإنتاجات المصرية الحديثة؟
مفهوم طبعاً لماذا لا نجد عبد العزيز مخيون في صدارة معظم الأفلام المُنتجة في هذه المرحلة. كما العادة في أفلام السينمات الموجهة للجمهور السائد، تنضب من احتمالات إسناد أدوار رئيسية للممثلين ذوي مواهب فنية أصيلة وتاريخ مبهر من الأداءات. هذا ليس حكراً على هذا الممثل وحده بالطبع بل هناك عدد كبير من الممثلين والممثلات الذين ما زالوا فاعلين ولو في أدوار محدودة.
في مقابلة له مع «الشرق الأوسط» أجرتها الزميلة انتصار دردير ونشرت بتاريخ 28 يونيو (حزيران) سنة 2020 أعرب الممثل عن قناعته أنه لا يؤمن بأن هناك أدواراً كبيرة وأخرى صغيرة بل: «هناك فنان كبير، وفنان صغير، وكممثل لا بد أن أكون موجوداً ومشاركاً، هذه هي المساحة المتاحة لي حالياً... أنا لا أحب تجسيد دور الأب، أو الرجل العجوز، لكن علي التكيف مع كل عمل يُعرض علي، وأن أمثل الشخصية كما هي مكتوبة في السيناريو ما دام قبلتها، فالمجال الاحترافي ليست به فرصة لطرح الآراء، وأنا كممثل لدي القدرة على تجسيد كافة الشخصيات».
بالنسبة لممثل لديه أكثر من 170 عملاً تلفزيونياً وسينمائياً، يدفع هذا الرأي لمحاورة صاحبه مجدداً لمعرفة خفايا نظرته إلى التمثيل عموماً وإلى أدواره على نحو خاص. عبد العزيز مخيون لديه ميزة أهم من عدد أعماله، وهي أنه منذ بدايته وهو يثابر على خلق صورة فنية خاصة به تدعو للإعجاب والتقدير معاً. أفلامه من «الكرنك» و«الجوع» (كلاهما للمخرج علي بدرخان) و«حدوتة مصرية» إلى «سيدة القاهرة» و«يا مهلبية يا» مروراً بـ«ميكانيكا» و«فارس المدينة» والعديد غيرها شهادات لا تحتاج إلى تعليق.
محراب الفن
حديثنا يبدأ بتعريفه لماهية الممثل:
«الممثل هو من يذوب في الشخصية ويتقمصها ويعطيها من روحه ومن إحساسه. كنت سابقا قلقا من ناحية أن مجال إبداع الممثل قد يكون محدوداً لأنه مقيد بالنص والحوار الذي لم يكتبه، وبالتالي هو صوت المؤلف أو أداة في يد المخرج. لكن هذا كان اعتقادا خاطئا تماماً، فروح الممثل المثبتة في كيانه تبعث أحاسيس وانفعالات ورؤى لم تكن تخطر على بال المؤلف ولا المخرج، وهو في النهاية عندما ينجح في تجسيد الشخصية فإنه يخلق كيانا إنسانيا جديدا لم يكن موجودا على الورق ولم يكن متجسدا في خيال المخرج تماماً، ولكي يصل الممثل إلى هذه الحالة فهو أحيانا بوعي وأحيانا من دون وعي يجتر ذكريات ومواقف وأحداث من ماضيه ويوظفها في خدمة الشخصية التي يؤديها».
يتوقف عبد العزيز مخيون عند حقيقة أن التكوينات البدنية والنفسية للشخصيات يجب أن تُحال إلى دراسته وتحليله لكي يتمكن من تقمص الشخصية وتجسيدها شكلاً وموضوعا:
«هناك قول آخر هو أن الممثل عندما يدخل في رحاب الشخصية ويندمج فيها ويعرف كيف يتخلص من المنغصات التي حوله (مثل) ضوضاء الاستوديو… مشاكل الإنتاج… صراعات العاملين الخ… عندما تدور الكاميرا ويخيم الصمت ويمتلك التركيز... هذه اللحظة المقدسة في محراب الفن تفجر من داخله الأحاسيس والانفعالات وتتجسد فيه معان ورسائل هي وليدة هذه اللحظة إذ لم تكن موجودة قبل دقائق وإنما خلقت الآن فقط... هذا الكائن كثيرا ما يساء فهمه ولا يعرفه جيداً سوى أقرب الناس إليه».
يؤكد مخيون أن حديثه هنا يدور حول الممثل الفنان الموهوب وليس عن أي آخر «ينتحل بريق المهنة ليحقق أرباحا تضاف إلى أرصدته أو يحقق شهرة اجتماعية لايستحقها».
صفات المخرج الجيد
يوافق مخيون حين سؤاله حول نوعين من الممثلين في نحو عام: النوع الذي يدخل الشخصية التي سيقوم بتمثيلها والنوع الذي يجلب الشخصية إليه. الأول قادر على الانتقال بين الشخصيات المختلفة والثاني يمثل الشخصية ذاتها في كل مرة:
«كما ذكرت سابقاً الممثل هو من يذوب في الشخصية التي يقوم بأدائها. هذا فعل مهم وضروري ولا غنى عنه. ربما الممثل الذي يلعب الدور نفسه في كل فيلم يجد أنه من الأسهل تكرار صورته، لكن ذلك الذي يحلل الدور والشخصية ويستمد من نفسه وتاريخه أسلوب الأداء هو الممثل الصحيح».
ويضيف «لا تتساوى كل الشخصيات في قدر الاهتمام والبحث ولكنها ربما تتساوى في قدر التأمل والاستغراق هناك شخصيات تاريخية تحتاج قراءة وبحثا وتحقيقا وقراءة أكثر من مصدر. تتطلب محاولة العثور على صور للشخصية وتكوين تصور تخيلي عن العصر وطرق الحياة والسلوك والتقاليد... الخ.
> لكن ماذا لو كانت الشخصية معاصرة؟
- «لو كانت الشخصية معاصرة فربما لا تتطلب قراءة في التاريخ والعصر لكنها تتطلب قدراً من التفكير والتأمل في تكوينها النفسي والجسدي وانتمائها الطبقي والثقافي. قد يتطلب الأمر البحث والقراءة إذا كانت هذه الشخصية مشتبكة في قضية رأي عام أو في أحداث سياسية... لا غنى عن التفكير الطويل والتأمل والتخيل لمعالجة أي شخصية سواء كانت تاريخية أو معاصرة».
في خلال مسيرته الطويلة التي بدأت في أواخر الستينات وعلى خشبة المسرح ووراء المايكروفون الإذاعي ثم التلفزيون والسينما، تعامل عبد العزيز مخيون مع عدد كبير من المخرجين: لجانب فيلميه المذكورين تحت إدارة علي بدرخان، نجده في فيلم علي عبد الخالق «بئر الخيانة» (لعب دور ضابط مخابرات إسرائيلي) وفي «سيدة الورق» للمغربي مؤمن السميحي وفي فيلم شريف عرفة «يا مهلبية يا» كما في الفيلم الجيد المنسي «شحاذون ونبلاء» للمخرجة (المنسية كذلك) أسماء البكري كما في «فارس المدينة» لمحمد خان. لكل مخرج من هؤلاء، وسواهم، أسلوب عمله وتفكيره ما يجعل من المثير معرفة ما هي صفات المخرج الأفضل بالنسبة لمخيون. يجيب: «المخرج هو المتفرج الأول، إذا استطاع المخرج التعامل مع الممثل على أنه عين المتفرج. وعلى أنه هو أول من يرى الفيلم. على هذا الأساس يستطيع المخرج أن يكسب ثقة الممثل ويكون الممثل كالعجينة بين يديه.
يضيف إلى تعريفه هذا «المخرج الجيد هو الذي يضبط انفعالات الممثل ويحفز أحاسيسه ويتعامل مع الممثل برقة ويساعده على التخلص من التوتر، لا أن يزيد من توتره، وعليه أن يزيد من ثقته في نفسه. في المخرج فيه الكثير من مواصفات قائد الأوركسترا… أمامه النوتة والعازف وهو يقرأ النوتة ويسمع العازف ويحس به ويضبط أداءه في التو واللحظة».
> هل من تحبيذ خاص؟
- «تعاملت مع الكثير من المخرجين والذين لمست فيهم هذه الصفات البناءة مثلا: علي بدرخان، يوسف شاهين، عباس أرناؤوط، حاتم علي، عصام الشماع، كريم ضياء الدين».


مقالات ذات صلة

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
TT

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)

تقع أحداث «العميل السري» (The Secret Agent) في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً. اختفى كثيرون، كما حدث في دول أميركا اللاتينية الأخرى قبل ذلك الحين وبعده، إلى جانب أولئك الذين جرت تصفيتهم جسدياً. يتناول المخرج كليبر ميندوسا فيليو هذه الفترة من زاويتين: ما يحدث لبطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا)، الذي يتنقّل بين 3 أسماء في سياق الأحداث، وما شهدته البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

«السر في عيونهم» (تورناسول فيلمز)

دول وأزمات

هناك ما لا يقل عن 20 فيلماً برازيلياً تناولت تلك الفترة، أو فترات سياسية أخرى، من بينها «اليوم الذي امتد 21 سنة» (The Day That Lasted 21 Years) لكاميلو تاڤاريز (2012)، و«أنا ما زلت هنا» (I’m Still Here) لوولتر ساليس (2024).

في الواقع، لا تقتصر الأفلام التي تناولت الاضطرابات السياسية في أميركا اللاتينية على بلد واحد. فهناك نحو 20 فيلماً تشيلياً عبّرت عن السنوات القاتمة التي مرت بها البلاد، نتيجة الصراع بين اليمين واليسار، من بينها «معركة تشيلي» (The Battle of Chile) لباتريسيو غوزمان (1975)، وأحدثها «الحظيرة الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج خوان بابلو سالاتو.

أما الأرجنتين، فهي بدورها من الدول التي قدّمت عدداً لافتاً من الأفلام في هذا السياق (نحو 17 فيلماً)، من بينها الفيلم الحائز على الأوسكار «السر في عيونهم» (The Secret in Their Eyes) لخوان خوسيه كامبانيلا (2009).

كما أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية، مثل غواتيمالا، والسلڤادور، ونيكاراغوا، وباراغواي، وأوروغواي، تناولت قضاياها السياسية في أفلام، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

من أبرز مزايا الأفلام المذكورة، إلى جانب غيرها، تنوّع مناهجها تبعاً لاختلاف رؤى مخرجيها، والموضوعات التي يتناولونها. ويقترب «العميل السري» من «السر في عيونهم» في اعتمادهما على مواجهة بين البطل والواقع السياسي ضمن حبكة تمزج بين التشويق السياسي والتحقيقي. كما يتشابهان في أسلوب بناء الأحداث، وصولاً إلى دلالات تعبّر عن طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في مقابل الابتعاد عن السرد الخطي المبسّط، والقائم على التسلسل الزمني وحده. كل من الفيلمين يربط بين الماضي والحاضر، ويترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

المخرج كليبر ميندوسا فيليو (سينما سكوبيو برودكشنز)

فصول

أحد أبرز اهتمامات المخرج في «العميل السري» هو الكشف عن معنى أن يعيش بلد تحت قبضة ديكتاتورية. في مطلع الفيلم، يقود مارسيلو سيارته الفولكسڤاغن القديمة إلى محطة بنزين على طريق ريفي. هناك تظهر جثة وُجدت قبل ساعات، وقد بدأت تتحلل تحت أشعة الشمس، فيما تحاول الكلاب نهشها. رائحتها تزكم الأنوف، لكن ليس جميعها؛ إذ يتأثر مارسيلو وصاحب المحطة، في حين لا يبدي الشرطيان اللذان يصلان إلى المكان أي انزعاج. لا يسدّان أنفيهما، بل يكتفيان بالنظر ببرود، في إشارة إلى اعتيادهما على مثل هذه المشاهد. يبرز هذا التباين بوضوح بين ردود الفعل.

يوسِّع المخرج دائرة اهتمامه لتشمل شخصيات متعددة، تنتمي إلى جانبي الخير والشر: شخصيات تعاني، وتخاف، وأخرى تُسبب المعاناة، وتنشر الخوف. ويمنح كل شخصية مساحة للتعبير عن نفسها، ودلالاتها، وموقعها ضمن تلك المرحلة العصيبة.

يقسم فيليو فيلمه إلى ثلاثة فصول. يقدّم الفصل الأول الشخصيات المحيطة بمارسيلو في بلدته التي وُلد فيها، وعاد إليها بعد انتقاله إلى العاصمة. وفيه مشهد لسمكة قرش تم اصطيادها، وكانت قد ابتلعت ساق رجل؛ في إشارة إلى رغبة ضمنية في إبقاء هوية الضحية مجهولة، كما كان الحال في المشهد الأول.

في الفصل الثاني، المعنون بـ«معهد إثبات الهوية»، تتخذ الأحداث منحى جديداً. يعمل مارسيلو في أرشيف المعهد، وتُطرح فرضية أن الساق المقطوعة تعود لشاب مفقود. تتوالى حوادث الاختفاء الغامض، في حين يظل رئيس الشرطة جاهلاً بخلفية مارسيلو الذي يحاول إخفاء ماضيه. ويتضح أن هناك خلافاً سابقاً بينه وبين رجل سلطة نافذ اتهمه بالشيوعية، وسعى للتخلص منه.

أما في الفصل الثالث، فتتصاعد الأحداث مع احتمال وصول قتلة مأجورين لتنفيذ عملية اغتيال، في إشارة إلى ممارسات شاعت في تلك الفترة، حيث كان بعض المسؤولين يلجأون إلى تصفية خصومهم عبر وسطاء.

دلالات

لا يبدو أن الفيلم يتمحور حول بحث مارسيلو عن هويته، كما لا يقدّم «عميلاً سرياً» بالمعنى التقليدي. ثمة إشارة عابرة إلى فيلم «La Magnifique» لفيليب دو بروكا، يظهر من خلال إعلان بعنوان «العميل السري»، وربما تحمل هذه الإشارة دلالة رمزية حول مفهوم «العمالة» نفسه؛ تُوجَّه الاتهامات جزافاً إلى الأبرياء، بدوافع شخصية، أو إدانات فردية. رئيس الشرطة في البلدة (ريسيف، مسقط رأس المخرج) شخصية فاسدة بدورها، ويظهر ذلك في انحيازه لإحدى امرأتين في نزاع، رغم وضوح الحق لغيرها. الفساد هنا ليس حالة فردية، بل هو جزء من منظومة أوسع، والمعاناة لا تقتصر على مارسيلو وحده.

هذا كلّه جزء من عالمٍ مُحكم البناء، تتوزّع فيه الأحداث من دون ترتيب مبسّط، أو إيقاع متعجّل، وفق رغبة المخرج في تحريك العوامل والعناصر الروائية المحيطة بالخيط المحوري. وليس دقيقاً ما كُتب عن أن الفيلم مجرّد رحلة لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر؛ إذ ينشغل المخرج فيليو بتصوير حالةٍ تنتمي إلى الأمس، ساعياً إلى إعادة فتح ملفّها بطريقته الخاصة، مع مراعاة بناءٍ منهجي يحدّد العلاقات بين الشخصيات، ويكشف أسباب تموضعها على هذا النحو أو ذاك.


شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
TT

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)

JAWS

★★★

• إخراج:‫ ستيفن سبيلبرغ‬

• الولايات المتحدة | رعب (1975)

50 سنة على ثالث فيلم لسبيلبرغ وأول نجاحاته المطلقة

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا. عمد، بعد تمهيد موجز، إلى تصوير ثورة الطيور وانقضاضها على قاطني البلدة. لم يتأثر الفيلم بغياب الدافع مطلقاً (ولو أن هناك إيحاءً به في نهاية ذلك الفيلم الرائع). هذا لأن الحالة الماثلة وبراعة المخرج تجاوزتا هذه الحاجة.

عند سبيلبرغ يختلف الأمر. سمكة القرش الكبيرة تلتهم السائحين، والمبرر الوحيد الواضح هو أن أسماك القرش قد تفعل ذلك بطبيعتها (على عكس طيور هيتشكوك التي تعتمد على الأسماك أساساً).

مكان الأحداث في «جوز» هو أيضاً بلدة صغيرة ساحلية. حاكم البلدة (موراي هاملتون) يرفض طلب رئيس الشرطة (روي شايدر) إغلاق الشاطئ بعد أن تكرر هجوم تلك السمكة الضخمة على السابحين؛ حتى لا يتضرر الموسم السياحي. نتيجة ذلك مزيدٌ من الضحايا، وقيام الشريف برادي باستقدام عالم بحري اسمه هوبر (ريتشارد دريفوس) وصياد متخصص اسمه كوينت (روبرت شو). والثلاثة ينطلقون بعيداً عن الشاطئ منتظرين هجوم القرش على مركبهم، وانتظارهم يأخذ الوقت الكافي لكي يبلور المخرج شخصية كل منهم.

الإعجاب بفيلم ما ليس مقياس جودة، وفي هذا الفيلم ما يثير الإعجاب من مشاهد التشويق وتصوير السمكة القاتلة وهي تهدد حياة البشر. لكن، حال غيابها، ليس هناك سوى حكاية بلا دوافع كافية. عناصر العمل بذلك تنقسم ما بين بنية درامية ضعيفة وتشويق إثاري فعّال.

LEE CRONIN’S MUMMY

• إخراج:‫ لي كرونين‬

• الولايات المتحدة / آيرلندا | رعب (2026)

مومياء تعيش على أكل العقارب

العناوين التي تحمل أسماء مخرجيها، كما الحال في هذا الفيلم، كانت في زمن القيم تنتمي للمبدعين وحدهم: «فيلليني روما»، و«كوبولا العراب»، و«ألفرد هيتشكوك سايكو»... وفي مجال سينما الرعب «جورج آ. روميرو ليلة الموتى الأحياء». هذه الأيام المجال مفتوح. كل مخرج جديد، أو بعد حفنة من الأفلام ذات المستويات العادية أو أقل، يمكن أن يشترط وضع اسمه قبل العنوان. لي كرونين (في فيلمه الثالث) فعل ذلك على أمل أن يسهم ذلك في نجاح الفيلم. هل سمعتم به؟

من «لي كرونن مومي» (نيو لاين سينما)

الحال أن الفيلم الذي اختاره كرونين لهذه الغاية لا يستحق أن يُصنع أساساً، ليس لأنه دموي وعنيف، بل لأنه ممارسة رديئة في العموم، مليئة بالاستعارات من أفلام رعب أخرى، وباستثناء بعض المشاهد المصممة بنجاح، خالٍ من إضافة لما سبق من أعمال مشابهة.

تبدأ الأحداث في القاهرة. عائلة أميركية تعيش هناك وتفاجأ باختفاء ابنتها ذات السنوات التسع. البحث عنها لا يُجدي، والعائلة تعود إلى الولايات المتحدة مكسورة القلب. لكن بعد 8 سنوات يُكتشف أن الفتاة ما زالت حيّة. يهب الزوجان إلى القاهرة ويعودان بها إلى ولاية نيومكسيكو، غير مدركين بالطبع أن ابنتهما مومياء مسكونة وتحب أكل العقارب!

THE SUPER MARIO GALAXY MOVIE

• إخراج:‫ آرون هورڤاث ومايكل جلنيتش‬

• الولايات المتحدة | أنيميشن (2026)

كما قال شكسبير: «كثير من اللغط حول لا شيء»

في «سوبر ماريو غالاكسي موفي»، المستمد من لعبة فيديو حُوّلت إلى أجزاء عدة، هذا آخرها، عناية بالألوان والتصاميم وعناصر الصوت والصورة المتحركة، وألوف اللقطات السريعة.

من «سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

لكنها جميعاً لا تعني أكثر من ذلك ولا تشكّل قيمة (لن أقول فنية، بل على الأقل ذات ضرورة). الحكاية تتولى الانتقال عبر المدارات المختلفة؛ لأن الأخوين ماريو (كريس برات) ولويجي (تشارلي داي) يبحثان عن الأميرة المختفية روزالينا (بري لارسن، كان لها مستقبل مختلف بعد فيلمها «Room» قبل 11 سنة) في واحد من ثقوب المجرّة التي يجوب الأخوان مساحاتها وتضاريسها الشاسعة في تواصل لا ينقطع من المواقف التي تدّعي التشويق. في كل ركن وسباحة فضائية هناك إعلان عن منتج تجاري. هي فرصة لبيع تذاكر وبيع منتجات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)
فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)
TT

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)
فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة، وهو ما يتضمنه الجزء الثالث من فيلم «شباب البومب»، محافظاً على مكانته المتقدمة في شباك التذاكر السعودي، ضمن قائمة الأفلام الأعلى إيراداً للأسبوع الخامس على التوالي، في وقت تشهد فيه صالات السينما ازدحاماً بنحو 46 فيلماً، يتصدر بعضها الإيرادات عالمياً.

وينطلق الفيلم من فكرة بسيطة تتمثل في رحلة صيفية إلى جورجيا، يقوم بها عامر (فيصل العيسى) مع عائلته، قبل أن تتقاطع الأحداث بشكل غير متوقع بسبب وجود أصدقائه في الوجهة نفسها، لتفتح هذه المصادفة المجال أمام سلسلة من المواقف التي تتحرك بين الكوميديا والارتباك، وتعيد تشكيل الرحلة من تجربة ممتعة إلى مساحة مليئة بالاختلالات اليومية الصغيرة.

ويرتبط هذا البناء مباشرة بتقاليد كوميديا الرحلة، التي تعتمد على إخراج الشخصيات من محيطها المألوف ووضعها في بيئة جديدة تُعيد ترتيب علاقاتها.

وانعكس هذا الإيقاع على أداء الفيلم في شباك التذاكر، حيث يحتفظ «شباب البومب 3» بالمركز الثاني، وفق التقرير الأسبوعي لهيئة الأفلام، بتسجيله 30 مليون ريال (8 ملايين دولار)، جراء بيع نحو 700 ألف تذكرة، بما يجعله الفيلم المحلي الأنجح جماهيرياً حتى الآن خلال العام الحالي.

الشخصيات... بين الألفة والتكرار

يستفيد الفيلم من رصيد طويل لسلسلة «شباب البومب»، التي بدأت كمسلسل كوميدي عام 2012 واستمرت لعدة مواسم، ثم انتقلت إلى السينما بنفس الشخصيات، حيث تعرّف الجمهور على «عامر» وأصدقائه: «كفتة» و«شكش» و«تركي» و«صالح» و«ياسر» و«عزوز»... ويمنح هذا الامتداد الفيلم نقطة قوة واضحة، إذ يدخل المشاهد وهو على معرفة مسبقة بطبائع الشخصيات، مما يختصر مراحل التقديم ويتيح تركيزاً أكبر على المواقف.

في المقابل، يطرح هذا الاعتماد على الألفة تحدياً يتعلق بحدود التجديد، حيث تتحرك الشخصيات ضمن أنماط ثابتة ومتكررة، تحد من سقف التغيير، وتجعل الفيلم أقرب إلى إعادة إنتاج نمط معروف أكثر من كونه مساحة لاكتشاف جديد.

وفي الجزء الثالث، يبتعد «عامر» عن أصدقائه ويقترب من عائلته، بوصفه الأخ الأكبر الذي يحاول ضبط الرحلة وتحمّل المسؤولية، مقابل أخوه الأصغر سليمان (محمد الحربي) الذي يسعى إلى إثبات نضجه والخروج من صورة المراهقة، وتؤدي الأخت نوف (طرفة الشريف) دور الوسيط بينهما، بينما يرسخ الأب (علي المدفع) حضوره بوصفه سلطة حازمة تحدد الحدود العامة، وتقدم الأم (شفيقة يوسف) نبرة هادئة تخفف من حدة التوتر.

في مقابل حضور الأصدقاء الذين يدفعون الأحداث نحو الفوضى، مما يخلق تصادماً واضحاً بين نظامين مختلفين داخل الخطة العائلية والعفوية الشبابية.

وفي خط موازٍ، تدخل 3 عمّات إلى المشهد بطبقات متباينة، حيث تختار العمّة الميسورة (أميرة محمد) الرفاهية وتُظهرها بوضوح، مقابل عمّتين من دخل محدود، مما يخلق مفارقة طبقية تُترجم إلى مواقف مضحكة خلال رحلة السفر، تتراوح بين التباين في الخيارات وطريقة التعامل مع التفاصيل، وبما يضيف بعداً مألوفاً للكوميديا التي يقدمها الفيلم، حيث تتحول الفروقات الاقتصادية إلى مادة مباشرة للضحك، دون أن تتجاوز ذلك إلى قراءة أعمق لهذه التباينات، مع تقاطع الاختلافات العائلية مع وجود الأصدقاء، لتتسع مساحة التفاعل والصدامات.

الكوميديا... إيقاع مستمر

يعتمد «شباب البومب 3» على كوميديا الموقف بوصفها المحرك الأساسي، حيث تُبنى المشاهد على مفارقات تنشأ من التناقض بين التوقع والواقع، داخل التفاصيل اليومية من سوء الفهم، وردود الفعل السريعة، والتعليقات الساخرة، والتصادم بين أساليب مختلفة في التعامل مع المواقف.

وتنتقل الأحداث من موقف إلى آخر في بناء تقليدي يصل إلى ذروة واضحة، مع ظهور عصابة خطيرة في النصف الثاني من الفيلم، بما يشمله ذلك من أكشن ومعارك بالأيدي وانفجار ضخم لأوتوبيس الرحلة في أثناء تجوّل العائلة، وهو تحوّل يغيّر نبرة الفيلم من صخب الكوميديا إلى مواجهة مباشرة مع الخطر، دون تمهيد كافٍ لهذا الانتقال.

يأتي اختيار جورجيا كوجهة للرحلة ليضيف بعداً بصرياً للعمل، حيث تنتقل الشخصيات إلى بيئة تختلف في تفاصيلها اليومية، حيث الغابات الكثيفة والشوارع الهادئة، إلا أن معظم مشاهد الفيلم تم تصويرها داخلياً، ما بين المطار والطائرة والفندق الذي حاز نصيب الأسد من المشاهد، مما يجعل حضور المدينة محدوداً، أقرب إلى خلفية للأحداث منها إلى عنصر فاعل في تشكيلها، مع غياب واضح لملامحها الثقافية واليومية، وهو ما أعطى مشهد رحلة الغابة روحاً مختلفة، رغم برود المدينة التي لم تظهر تفاصيلها في الفيلم، كأنها مجرد مكان لم تندمج فيه العائلة، في مقابل شعور بالانتماء يتجلى في النهاية السعيدة مع العودة إلى الوطن والنجاة من العصابة الخطيرة، حيث تصور العودة كأنها لحظة استقرار بعد سلسلة من الاختلالات.

الصمود أمام خريطة المنافسة

يأتي أداء الفيلم في شباك التذاكر امتداداً مباشراً لهذه المعادلة، حيث يواصل حضوره ضمن قائمة الأفلام الأعلى إيراداً في صالات السينما السعودية، حتى مع دخول أفلام جديدة وتنوع العروض، بالنظر إلى قوة الأفلام المعروضة خلال شهر أبريل (نيسان) الحالي، من الأعمال العائلية والأنيميشن إلى الرعب والخيال العلمي.

ويأتي من بين أبرز العناوين التي ظهرت في القائمة فيلم «Project Hail Mary»، إلى جانب أفلام جماهيرية أخرى مثل «The Super Mario Bros. Movie».

وتشير الأرقام إلى استقرار نسبي في الإقبال، مع توزيع واضح للجمهور بين الأفلام، دون سيطرة مطلقة لعمل واحد، ويبرز استمرار «شباب البومب 3» في المراكز الأولى دليلاً على ثبات الطلب.

كما لعب توقيت عرضه دوراً مهماً، إذ جاء ضمن أفلام إجازة عيد الفطر، ليواصل حضوره مع مواسم ترتفع فيها الرغبة في مشاهدة أعمال خفيفة وقابلة للمشاهدة الجماعية، خصوصاً لدى فئة الشباب وصغار السن، الذين يشكلون الشريحة الكبرى من جمهور الفيلم.

وفي ظل تعدد الخيارات، يقدّم العمل تجربة مباشرة وسهلة، مما يعزز استمراره ضمن دائرة المنافسة، حتى في ظل وجود أفلام عالمية ذات إنتاج ضخم.