واشنطن تلوّح بـ«خيارات عدة» لإعادة الحكم المدني في السودان

بلينكن يتصل بحمدوك... والبنك الدولي يوقف دفعاته والاتحاد الأفريقي يعلّق العضوية

جانب من احتجاجات مدينة عطبرة في السودان أمس (رويترز)
جانب من احتجاجات مدينة عطبرة في السودان أمس (رويترز)
TT

واشنطن تلوّح بـ«خيارات عدة» لإعادة الحكم المدني في السودان

جانب من احتجاجات مدينة عطبرة في السودان أمس (رويترز)
جانب من احتجاجات مدينة عطبرة في السودان أمس (رويترز)

لم توفر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أي جهد للتعبير عن غضبها من إطاحة الحكومة المدنية في السودان، برئاسة عبد الله حمدوك، إذ اتخذ المسؤولون الأميركيون على كل المستويات، خطوات استثنائية دبلوماسية ومالياً واقتصادياً للضغط على القوات المسلحة بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، من أجل إعادة الحكم إلى المدنيين والتزام التعهدات الواردة في الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا للسلام.
وذهبت إلى التلويح بـ«خيارات متعددة»، من أجل دعم الشعب السوداني ومسيرته نحو الديمقراطية. وتجلى هذا الجهد الأميركي أولاً في تعبير المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان، الذي كان في الخرطوم حتى عشية الانقلاب العسكري، عن غضبه الشديد من استيلاء العسكريين على السلطة. وكان قد حصل على وعود من البرهان بالاستمرار في نقل السلطة للمدنيين، خلال محادثات أجراها في الخرطوم في اجتماع مشترك مع حمدوك والبرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، المعروف أيضاً باسم «حميدتي»، في سياق وساطة أميركية للتغلب على الصعاب التي تواجه عملية الانتقال السياسي، وعلى الخلافات المتزايدة بين القيادات المدنية والعسكرية في البلاد.
غير أن غضب واشنطن لم يقتصر فقط على فيلتمان، الذي لم يستشفِ ما يشير إلى تغيير كبير تعده قيادة الجيش لإطاحة حمدوك؛ فقام وزير الخارجية أنطوني بلينكن باتصالات واسعة النطاق دولياً وعربياً من أجل اتخاذ موقف موحد يعارض استيلاء العسكريين على الحكم في الخرطوم، ويطالب بإطلاق جميع المعتقلين، وأولهم حمدوك وبإعادة العملية الانتقالية إلى الخط المرسوم لها بين القيادات السودانية، ولكن بدعم دولي.

- البنك الدولي
من جهته، علق البنك الدولي دفعات الأموال المقدمة للسودان في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة الانتقالية في البلاد. وقال رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس: «أشعر بقلق بالغ إزاء الأحداث الأخيرة في السودان، وأخشى من التأثير الكبير الذي يمكن أن يحدثه ذلك على التنمية والانتعاش الاجتماعي والاقتصادي للبلاد».
وكان إعلان إدارة بايدن تعليق المساعدات الأميركية البالغة قيمتها 700 مليون دولار، مجرد إشارة لبقية الدول والمؤسسات المالية الدولية من أجل المشاركة في الضغوط على المؤسسة العسكرية السودانية وعلى البرهان نفسه. وأدى ذلك إلى إعلان العديد من الدول والمؤسسات الأوروبية استعدادها لاتخاذ خطوات مماثلة للخطوة الأميركية، قبل أن يصل الأمر إلى تسريبات من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تفيد بأن هناك «اتجاهاً لتعليق المعونات المالية والاقتصادية للسودان إذ لم يتم الاتزام بالعملية الانتقالية للمدنيين».
وظلت الإدارة الأميركية الحالية تتابع باهتمام الجهود التي بدأت خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، مما أدى إلى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، عقب الاتفاق على تعويض عائلات ضحايا استهداف المدمرة «يو إس إس كول» وتفجيري السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا.
غير أن الجهد الآخر توجه نحو الاتصالات على المستوى الدولي والعربي للمشاركة في الضغوط الأميركية التي أدت إلى إعادة حمدوك إلى منزله. وبادر بلينكن على الأثر إلى إجراء مكالمة هاتفية معه للترحيب بإطلاقه، مؤكداً في بيان أن واشنطن «قلقة» على المحتجزين وتسعى إلى «التأكد من سلامتهم، وإطلاقهم جميعاً». وعبر عن «قلقه العميق من استمرار استيلاء الجيش على السلطة»، مكرراً مطالبته القوات العسكرية بـ«ضبط النفس وتجنب العنف في الرد على المتظاهرين». وشدد على «دعم الولايات المتحدة للانتقال بقيادة مدنية إلى الديمقراطية في السودان، وللعودة إلى مبادئ إطار العمل الانتقالي، على النحو المنصوص عليه في الإعلان الدستوري لعام 2019. واتفاقية جوبا للسلام لعام 2020»، مشيراً إلى «تزايد الأصوات الدولية المنددة بـ(استيلاء) العسكريين على الحكم».
وعكس بلينكن هذا التوجه الأميركي في اتصال أجراه مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد العزيز. وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس في بيان بأن الاتصال ركز على هذا الوضع و«تأثيره على استقرار السودان والمنطقة»، مجدداً دعم تطلعات الشعب السوداني إلى الديمقراطية، ومشدداً على الحاجة إلى العودة الفورية للحكومة الانتقالية، التي يقودها المدنيون في السودان. وأضاف: «ندد الطرفان بالاستيلاء العسكري على الحكم، وناقشا أهمية التزام جميع الأطراف بالإطار المنصوص عليه في الإعلان الدستوري، واتفاقية جوبا للسلام، وأن الفشل في ذلك يعرض الدعم الدولي للسودان للخطر».

- «ترويكا» والاتحاد الأفريقي
وشمل التحرك الأميركي بياناً مشتركاً أصدرته دول «الترويكا» المعنية بملف السودان، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، يندد بما حصل، ويطالب بإطلاق المعتقلين فوراً وبعودة الحكم المدني، غير أن التحرك الأميركي الأبرز جاء عبر مجلس الأمن الذي عقد جلسة مشاورات طارئة، أول من أمس (الثلاثاء)، بطلب من ست دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وآيرلندا والنرويج وإستونيا، بدعم من الدول الأفريقية الثلاث في المجلس، وهي كينيا والنيجر وتونس، واستمع خلالها إلى إحاطة من المبعوث الخاص للأمم المتحدة فولكر بيرثيس. ولم يتمكن أعضاء المجلس من التوافق فوراً على مشروع بيان يندد باستيلاء العسكريين على السلطة، ويطالب بإطلاق حمدوك، وغيره من المعتقلين لدى الجيش، وصولاً إلى إعادة الحكم إلى الحكومة الانتقالية، تمهيداً لإجراء انتخابات تتشكل على أثرها حكومة متوافق عليها وذات سلطة شرعية.
وعزا دبلوماسيون هذا الفشل إلى اعتراضات من روسيا التي «ترفض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للسودان»، وترفض أيضاً تسمية ما حدث في السودان بانقلاب عسكري. ولكنهم أشاروا إلى غياب غالبية المندوبين الدائمين الذين كانوا في رحلة لمجلس الأمن إلى أفريقيا، وبينهم المندوبة الأميركية ليندا توماس غرينفيلد والفرنسي نيكولا دو ريفيير وغيرهما.
وعاد هؤلاء جميعاً إلى نيويورك، أمس (الأربعاء)، وكان مقرراً أن يعودوا مناقشة الوضع السوداني على أرفع المستويات في جلسة مغلقة من خارج جدول أعمالهم اليومي.
من جانبه، أعلن الاتحاد الأفريقي، أمس (الأربعاء) أنه علق عضوية السودان في الاتحاد المؤلف من 55 دولة بعد الإجراءات التي اتخذها القائد العام للقوات المسلحة السودانية عبد الفتاح برهان، وشملت حل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ.
وجاء في بيان مجلس السلام والأمن بالاتحاد الأفريقي أن قرار التعليق «(تم تفعيله فوراً)، ويحظر السودان من جميع أنشطة الاتحاد، لحين الاستعادة الفعلية للسلطة الانتقالية بقيادة المدنيين».
وطالب المجلس من رئيس الاتحاد الأفريقي أن «يرسل فوراً إلى السودان مبعوثه للحوار مع الأطراف السودانية بشأن الخطوات الضرورية اللازمة، للتعجيل باستعادة النظام الدستوري في السودان».

- الجهات الدولية
واعتبر الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس أن الإجراءات «المناهضة للديمقراطية» التي اتخذها الجيش السوداني «تقوضت الإعلان الدستوري لعام 2019»، كما تقوّض «التطلعات الديمقراطية للشعب السوداني»، مؤكداً توافق بلاده مع الدول والمنظمات من كل أنحاء العالم في التعبير عن القلق، معدداً تلك الجهات مثل الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، و«منظمة التعاون الإسلامي»، ودول أخرى مثل فرنسا، وألمانيا، وكندا، والمملكة المتحدة، والدول المجاورة للسودان أيضاً.
وقال خلال مؤتمره الصحافي إن مصر وإثيوبيا وجنوب السودان دعت أيضاً إلى وقف التصعيد والحوار في السودان، والإفراج «الفوري» عن جميع السياسيين المحتجزين.
وفي رد على سؤال من «الشرق الأوسط»، أوضح برايس أن المساعدات التي علقت «مؤقتاً» تبلغ 700 مليون دولار ومرتبطة بدعم الصناديق الاقتصادية الطارئة، فيما المساعدات الإنسانية الأخرى لم تتوقف. وقال: «قدمت الولايات المتحدة 60 مليون دولار خلال السنة المالية التي انتهت في نهاية الشهر الماضي، وذلك في صورة مساعدات ثنائية للصحة والتنمية، وركزت على دعم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأمن والمشاركة المدنية وتخفيف حدة النزاعات والمساعدة الصحية العالمية».
واستطرد قائلاً: «بالإضافة إلى ذلك، قدّمنا 438 مليون دولار مساعدات إنسانية منقذة للسودان في السنة المالية الماضية، وجميع المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة لا تخضع للتوقف الحالي للمساعدة. وكل هذه المساعدات تتماشى مع القيود المطبّقة، بما في ذلك تلك القيود التي كانت مفروضة على السودان، منذ الانقلاب العسكري في عام 1989، عندما صعد نظام البشير السابق إلى السلطة». واتهم الجيش السوداني بأنه «خطف التحول الديمقراطي»، مضيفاً أن الاستيلاء على السلطة «غير مقبول».
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر أميركي أن واشنطن لا تزال تدرس خياراتها فيما يخص الوضع بالسودان، مؤكداً أن «خيار العقوبات ربما يكون مطروحاً على الطاولة خلال الأيام المقبلة، إذا لم تُحَل الأزمة». وأوضح أن العقوبات المقصودة ربما تطال أشخاصاً لهم ارتباط وثيق بـ«السيطرة» في المؤسسة العسكرية السودانية أو خارجها.



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.