«المجاز السياسي»... التضليل عبر توظيف اللغة

عمار علي حسن يكتب عن أنماطه في الإعلام والسياسة

«المجاز السياسي»... التضليل عبر توظيف اللغة
TT

«المجاز السياسي»... التضليل عبر توظيف اللغة

«المجاز السياسي»... التضليل عبر توظيف اللغة

صدر حديثاً ضمن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية كتاب «المجاز السياسي» تأليف الباحث المصري الدكتور عمار علي حسن، الذي يحلل فيه طبيعة المجاز السياسي وأنماطه ومدى تغلغله في خطاب السياسيين بشكل خاص، وكذلك أجهزة الإعلام، وما تبثه من أخبار وتقارير مختلفة متعلقة بحياة الناس وأحاديثهم، حيث توجد الاستعارات والتشبيهات والكنايات في الحوارات اليومية التي تجري على الألسنة في الشوارع والأسواق والمكاتب والمصانع والورش والحقول والبيوت والملاعب، لافتاً إلى أن بعض الاستعارات المتداولة تعيبها المبالغة، ويمكن التعبير عنها بإشارة أو صمت، لكنها أياً كانت الهيئة التي تتخذها لا يمكن الاستغناء عنها.
يتضمن الكتاب ستة فصول وخاتمة ومقدمة ضافية، يقول المؤلف فيها أنه «لا يسعى لتوجيه دعوة إلى (ترصيع الخطاب السياسي بألوان من المجازات)، إنما يهدف إلى مشاكسة ومساءلة الذين يعتقدون أن السياسة تدور حول حقائق، ليروا من خلال دراسته وجهها الآخر، والذي تشير ملامحه إلى أنها تحل بقوة في رحاب المجاز». ويحاول الباحث من خلال ذلك استجلاء بعض الغموض، وهز المسلمات الزائفة، والتصورات الجامدة، وإماطة اللثام عن كثير من المكر والخداع الذي يحيط بالسياسة عبر توظيف اللغة، وحتى يكون الفرد الذي يذهب لساحاتها على وعي بمواضع خطواته، ويتجنب مصائد البلاغة وفخاخها.
ويأتي «المجاز السياسي» بفصوله ودراساته مكملاً لكتاب «الخيال السياسي» الذي صدر للمؤلف منذ 4 سنوات في السلسلة نفسها، وحاول فيه أن يقرب الخيال إلى الواقع، وإخضاع التفكير العميق والحر في المستقبل، لضبط علمي، كي لا ينزلق إلى أوهام أو أمنيات، أما في «المجاز السياسي» فكان عمار علي حسن معنياً بسبر «أغوار الرؤية التي تذهب إلى أن العالم غارق في أكاذيب سوداء وبيضاء، ومشاكسة الذين يعتقدون أن السياسة تدور حول (حقائق)، ليروا وجهها الآخر حيث تحل بقوة هائلة في المجاز».
ويلفت الباحث إلى أن هناك همزات وصل بين «الخيال السياسي» و«المجاز السياسي»، فالأخير بوسعه أن يفتح أمام التفكير أفقاً بعيداً وجديداً، ويمكن المشتغل بالسياسة، ومن يقوم بالتنظير في مجراها، «ويقف على الضفاف التي تتسع وتضيق، أن يرى ما في الواقع من تعقيد وتركيب ببصيرة نافذة، فبوسع مجاز واحد سائد ومتكرر عبر القرون، مثل (شعرة معاوية) مثلاً أن يساعد السياسي على أن يفتح ذهنه على احتمالات وخيارات متعددة، تترتب عليها تصرفات مرنة في دنيا الناس، كما أن تعبيراً مجازياً مثل: (بينهما ما صنع الحداد) يلهب الخيال حين يحاول في مبناه ومعناه أن يجيب عن سؤال حول الدرجة التي وصلتها العداوة بين طرفين».
بدأ الكتاب بتحليل ما بين الكلام والسياسة من دروب، ثم عرَّج على اللغة كسلطة وقوة ناعمة، ليعرض بعدها معنى المجاز السياسي، ماراً بتعريفه في العموم، وعلاقته بالحقيقة، ليصل إلى تحليل الاستعارات التي يعوم عليها الخطاب السياسي، ضارباً أمثلة، باستعارات الحرب، والنظر إلى الإنسان كآلة، وتأليه الدولة، وتجسيد المجتمع، والتعامل مع كرة القدم كراية قومية، وتصور العلاقات الدولية رقعة شطرنج، والمجتمع الرأسمالي «مول»، والاشتراكي ساحة للقطط السمان، والريبة في التمويل الدولي على أنه «غزو».
وتناول الكتاب مسألة المبالغة السياسية، مفرقاً بينها وبين الفصاحة والبلاغة ثم بين المقبول منها والمرفوض، وشرح جوانبها المتمثلة في الخطب الرنانة، واستدعاء الشعر السياسي، وتوظيف أفعل التفضيل، والتحريض على التطرف والتعصب، والنفاق والبذاءة والكذب السياسي. كما تناول بلاغة الصورة وتعامل معها كنص سياسي، لا سيما في مجالات الصور الجمالية، وصور الأفكار، والصور الذهنية بمساراتها المتشابهة والمتصارعة والمتعددة. ولم يغفل عمار علي حسن الحديث عن الصمت السياسي ورآه بليغاً، انطلاقاً من فضائه الأوسع المتمثل في الدين والحكمة، ثم تجلياته في التمنع والمقاومة والتفاوض والدعاية وبناء العقل الجمعي والعنصرية والسيطرة والثورة والصوم السياسي وتمدد الإمبراطوريات.
وأشار المؤلف إلى أن من يمعن النظر فيما يجري في الحياة يدرك أن للمجاز حظاً فيها أكبر بكثير مما للحقائق، وأنه مع الكذب تتعدد المجازات في إطار عمليات التدجين والمخاتلة والمراوغة والتحايل والمواربة والإيهام والدعاية والحشد والتعبئة.
ولم يلزم الباحث نفسه بالإسهاب في شرح ألوان المجاز وتجلياته المتعارف عليها عند اللغويين، منطلقاً مما انتهوا إليه ليبني تصوره عن «المجاز السياسي» بمسارات منهجية مختلفة، وإن كانت العناوين الرئيسية لفصوله تتكئ على بعض التقسيمات التي أنجزها اللغويون لأشكال المجاز، وتضيف إليها مجالات أخرى، نابتة من رحم المجتمع، ومشتقة من قلب السياسة التي تجنح إلى الصراع، وما يقتضيه من بناء الحجة والإقناع، بصرف النظر عن مدى تماسكها ومشروعيتها.
وفي الفصل الأول من الكتاب الذي جاء بعنوان «السياسة والكلام» ذكر عمار علي حسن أن الكلام هو الأكثر تفاعلاً مع السياق العام، ويجري في شكل حوار بين القوى والتكتلات والأحزاب والجماعات والدول ليعبر عن التنافس والصراع بينها، ولا يمكن فهمه إلا من خلال السياق الاجتماعي، وهو ما يبرهن على عدم صواب رأي من يتعاملون مع السياسة على أنها حقيقة مادية واضحة، ولا يبذلون أي جهد في سبيل معرفة ما فيها من كلمات محملة بالمجاز، حيث الأوهام والخيالات والصور غير الحقيقية والخدع والتلاعب بالألفاظ والمعاني والمشاعر والقلوب والعقول، فالسياسة ليست سوى خطاب، يشكل الكلام جزءاً رئيسياً منه، وإذا كان الناس في الدول الحديثة ينتظرون من السياسيين، بذل أقصى ما لديهم من جهد في سبيل توفير العيش الكريم للشعب كله عبر تقديم الخدمات كافة، فإن كل ما فيها يبدأ بالكلام، الذي يتم به كتابة وتسجيل وطرح معالم السياسات والخطط والاستراتيجيات.
وهذه البرامج أو الخطط، حسب قول المؤلف، تتسم بالتقريرية والعملية والإجرائية، التي تصبح بمنزلة العهود أو الوعود التي تقطعها الحكومات على نفسها، حيث ينقل هؤلاء كل ما يدور، أو يشاركون في صنعه من خلال الكلمات. ويشاركهم في هذا الإعلام الذي يعرض ما يتلقاه من المسؤولين والممثلين النيابيين، ويعمل على كشف ما يتعمدون إخفاءه، ويصيغونه في كلمات في الصحف وينطقون به في برامجهم، وقد يرسمونه في صور ملتقطة من الواقع، بعضها يغني عن آلاف الكلمات، أو في رسوم كاريكاتيرية تختزل الكثير مما يقال.
ويذكر المؤلف أن هناك حكومات تتهم معارضيها بأنهم لا يملكون إلا «الكلام»، مع أنه طريقة التعبير عن البرامج الحزبية، والخطط، والسياسات البديلة لدى المعارضين، والمحكومين، الذين بوسعهم هم أيضاً أن يعبروا بطرق أخرى غير الكلام تشمل الإشارة والإيماءة ولغة الجسد. لكن المشكلة الحقيقية، من وجهة نظر حسن، التي تكشف عنها الملاسنة بين السلطة والمعارضة، لا تقف عند حد اتهامات الأولى للثانية، بأنها لا تجيد سوى الثرثرة، وتوظيف الكلام في التلاعب بعواطف الجمهور، إنما هي أعمق من ذلك، وتمس الطرفين، ولا مزية لأحدهما على الآخر في هذا. وإمعان النظر في الجاري والسائد، يبين أن كلام السياسة لا يقتصر على المساجلات المباشرة بين السلطة والمعارضة، إنما يتجلى أيضاً في الخطب والشعارات والبيانات والمنشورات التي تنتجها أطراف عديدة منشغلة بالعمل السياسي. لكن الطرفين قد يتبادلان في بعض المواقف والحالات اللجوء إلى البيان أو البلاغة، من منطلق إدراكهما أن السياسة خطاب في الأساس، موجه بالدرجة الأولى إلى جماهير تنتظره وتستهلكه، وقد يروق لها فيقنعها، أو يزيد غضبها، ولا يقف التوظيف السياسي للكلام الشفاهي عند حد العلاقة بين السلطة والشعب فحسب، بل يحتاج الناس إلى الكلام ذي المجازات الظاهرة المتدفقة، من أجل ترتيب معاشهم، وإقامة العلاقات فيما بينهم. وفي مجال الحديث عن السياسة ككلام، رأى المؤلف أنه لا بد من تبيان علاقة اللغة بالسياسة، وكيف تصير اللغة سلطة معتبرة في حد ذاتها، حيث تشكل رافداً قوياً من روافد القوة الناعمة لأي دولة، ولفت إلى أن باب اللغة ينفتح على السياسة واسعاً، حيث ترتبط النصوص بسياقات إنتاجها وتلقيها، وتصنع الأشكال الكتابية والشفاهية في ميلها أحياناً إلى التكرار والتراكم مجازات تعمل في إدارة الصراع الثقافي السياسي، وتؤثر على أغلب النقاش السياسي الدائر حول العام والخاص، والحقيقي والمجازي. وهنا ينشط دور الاستعارات، لتتعدى ما تنبئ به قواعد البلاغة إلى ألوان من الأوهام والتهويمات والتصورات التي يصنعها الغياب الدائم للحقيقة، وما يقف خلف القرارات السياسية.
ويشير الكاتب إلى أن ما يجعلنا ننحرف عن الحقيقة السياسية، في تكوينها وهيئتها المجردة، ليس غموض المعلومات حولها، ولا ما تفعله بنا الآيديولوجيات والميول، إنما أيضاً أشكال الاستعارات والمجازات التي ننخرط فيها، حيث تلعب اللغة دوراً بارزاً، وتحتل موقعاً مركزياً، بالنسبة للتفكير في السياسة، وإنتاجها في خطابات تبدو ممارستها أمراً مستحيلاً من دون اللغة، سواء تم توظيفها في التواصل بين السلطة والشعب، أو في تأسيس الجماعات والتجمعات.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً