أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

«مشروع أومّا» للطفية الدليمي

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»
TT

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

السخرية اللاذعة التي يواجه بها «فلاح» أصدقاءه المثقفين المتحمسين لإنقاذ أنفسهم وبلادهم من يأسها في شقة العزاب ببغداد، بتشبيههم بقادة «الفيالق السومرية» في مدينة «أوما» في عهد ملكها القوي «لوكال زاكيسي» الذي كان يتحضر لغزو «لكش» والاستيلاء على كنوزها ثم توحيد بلاد سومر، هي حجر الأساس المهمل الذي يتنكر السرد له في رواية الكاتبة العراقية لطفية الدليمي «مشروع أوما» - منشورات «المدى»، 2021. هذه السخرية نقرأها، ابتداءً، في استرجاع خارج زمن السرد الذي يبدأ بعودة إبراهيم الصافي لبلدته/ قريته الصافية. لم تستقر الرواية على توصيف نهائي للصافية؛ فهي بلدة، وهي قرية أيضا، برغم أن توصيف البلدة أكثر تواترا واستخداما في الرواية.
قصة العائد وما يتصل بها من عوالم سردية مغرية، إذن، هي الأصل الذي تدافع عنه الرواية وتتعمد تبريزه عبر العنوان، أولا، بما يقدمه من تأويل سردي مخصوص. وهناك، ثانيا، ثيمات العمل المتعلقة ببناء عالم متخيل يوازي عالمنا الحقيقي؛ غير أن المفارقة أن مقاصد الرواية وعالمها السردي لا تنجح في إخفاء و«طرح» القيمة الفائقة لـ«سخرية» فلاح السوداء وقد تكفلت، بمفردها، بصناعة المشهد بطرفيه اللذين سيحيلاننا إلى زمنين ومكانين وقصتين مختلفين تماما «وقد نتحدث عن ثلاث قصص!»، وهي ذاتها ما سيحسم توزيع المادة الحكائية في الرواية على قسمين: الأول بعنوان «وقائع بلدة الصافية»، والثاني بعنوان «مشروع أوما»، وينشغل القسمان بتوزيع مادتهما الحكائية على فقرات تحمل عناوين مختلفة.
القصة المضمرة: حي بن يقظان... أربعة مؤلفين لقصة واحدة، أربعة ينفذون «مشروع أوما».
ولكن لماذا كل هذه الأهمية لسخرية «فلاح»، الشاب شبه الفوضوي الذي لم يستقر، في حياته، على «عمل» أو «دراسة»؛ فمن دراسة الفلسفة في الجامعة التي هجرها ليعمل «بائع كتب» ومصمم ديكورات ومصور أفلام قصيرة وعازفا في فرقة موسيقية، إلى «صيغة المبالغة» الملازمة لاسمه كما يصحح لأصدقائه: «فَلّاح» وليس بـ«فلاح» «يا ناس اسمي على وزن (فعّال)». هذا القدر اللافت من «الفوضوية» المصاغة بسخرية فاقعة أعطت كلامه وسلوكه النافرين قيمة كبرى نجدها بصياغة أخرى ومختلفة لقصة ضمنية لا يصرح بها السرد سوى مرة واحدة ثم يهملها. إنها قصة «حي بن يقظان» التي تعاقب على «تأليفها» أربعة فلاسفة مسلمين، هم: الفيلسوف «ابن سينا» وقد كتبها أثناء سجنه، وأعاد كتابتها الشيخ شهاب الدين السهروردي، وتولى إعادة كتابتها، مجددا، الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل، والكتابة الأخيرة كانت على يد ابن النفيس. عندنا هنا أربع صياغات لقصة واحدة، تتحدث عن شخص واحد يسمى «حي بن يقظان» الذي ينشأ على جزيرة منعزلة برعاية «ظبية» تجده هناك، وقد ضاع منها ابنها، فترضع الطفل وترعاه. يستعيد إبراهيم الصافي «لأمر لم يعلنه» قصة حي بن يقظان أمام أصدقائه ويجري بينهم حديث عن القصة الفلسفية التي تنسجم وقائعها مع رغبة المتحاورين بالخروج من مأزقهم الشخصي في بلادهم المحطمة؛ فتصطدم القصة المستعادة بسخرية «فلّاح» الذي يستعيد، ساخرا، مشهد المدينة السومرية المتأهبة للانقضاض على «لكش» وتوحيد سومر. وشتان بين المشهدين، مشهد الفيالق السومرية ومشهد الأصدقاء المتحمسين لإنقاذ أنفسهم من الطوفان. في المشهد الأول كان هناك «ملك» قوي يحكم «مدينة» صاعدة ستنجح بتوحيد بلاد سومر، فيما المشهد الثاني يختصره أربعة شباب يائسين لا يملكون غير «الثرثرة» سبيلا لإنقاذ أنفسهم من الطوفان القادم.
يهمل السرد قصة «حي بن يقظان» ومقاصدها، مثلما لا يحتفي كثيرا بسخرية فلّاح، ويدشن عالمه بمنطق العائد «إبراهيم الصافي» إلى قريته بعد تسع سنوات؛ غير أن إبراهيم لا يعود لبلدته المخربة وبساتينها المحترقة ليروي ما حصل، كما تعودنا في سردية المنفي العائد في روايات عراقية وعربية كثيرة. إنه يعود ليفتح بيت أهله المهمل بعد وفاة أمه، يعود لحب عمره «زهيرة الصافي»، ويعود ليحول سخرية «فلاح» إلى واقع وفي باله أن «الصافية»، بلدته، هي أوما السومرية التي يجب «الشروع» ببنائها. يترك إبراهيم أصدقاءه في بغداد ويعود ليبدأ العمل بـ«مشروع أوما». وقبل أن يغادر يدعوهم للالتحاق به، وسنجد، بعد حين، أن فلّاح وفيصل هما الملتحقان الوحيدان به. هكذا تكتمل الأركان الأربعة للقصة المضمرة، قصة أربعة مؤلفين تركوا لنا قصة واحدة بأربع صياغات سردية فلسفية، فيما نحن، الآن، أمام أربعة أشخاص سينفذون «مشروع أوما».
أي قصة: زمن أوما المستعاد... زمن الصافية المتخيل؟
لا يزيد الزمن في الرواية عن ثلاث سنوات. يبدأ في اليوم العاشر من أغسطس (آب) سنة 2026 وينتهي في صيف 2028؛ ولكن يوجد زمن آخر يقابله حينا، ويمثل غالبا ذاكرة يستعيدها زمن السرد ويتبناها. إنه زمن «أوما» المدينة السومرية في أقصى الجنوب العراقي في عهد ملكها «لوكال زاكيسي». الزمن الأول هو زمن متخيل، تجري أحداثه في المستقبل لكنه، كذلك، زمن مشبع بالإحالات إلى أحداث كبيرة وخطيرة حصلت في عقد زمني يسبق زمن السرد المتخيل. عندنا إشارات واضحة عن وقائع تخص وتؤرخ لسقوط مدن كبرى بيد عصابات القتلة المسلحة وميليشيات لا رادع لها تعيث فسادا في البلاد، إشارات عن مظاهرات كبيرة تسبقها أخرى عن مدن وبيوت تُسقط على رؤوس أهلها. ثمة حكومة ضعيفة تعجز عن توفير أبسط الخدمات من ماء وكهرباء، ناهيك عن حماية الناس، مواطنيها المفترضين. وثمة «الصافية» التي نعرف، من إشارات ضمنية، أنها تقع في مدينة عراقية شرق بغداد «ديالى». فيما يظل الزمن الثاني، زمن أوما المستعاد «في حدود 2327 قبل الميلاد، المقابل لبعض زمن السرد 2027 بعد الميلاد»، خلفية حكائية يتكئ إليها السرد، فهي أقرب إلى مرآة كبرى ترى فيها شخصيات الرواية ذواتها المضطربة والمتحولة في آن واحد. ومثلما يختلف الزمنان، يختلف المكانان كذلك؛ «الصافية» في شرق البلاد، وأوما في الجنوب. والرابط بين المكانين والزمنين هو مقاومة اليأس والنجاة من الطوفان القادم لا محالة بعد توحيد البلاد مجددا.
وبعودة إبراهيم الصافي إلى «الصافية» يتقرر كل شيء في الرواية: الوقائع السردية لقسميها الأول والثاني، وصور الراوي ومنطق السرد ومشهدية المكان، بل حتى عتبة العنوان ذي الحمولة الإخبارية التي تظهر للقارئ بصيغة السؤال، فيما يكون النص جوابا مفترضا لسؤال ابتدائي: ما مشروع أوما؟ ولا بأس؛ لكن هل، حقا، أن ثيمة «العودة» تحظى بكل هذه القيمة؟ تقرر هذه الأهمية، ابتداء، تراجعا سرديا لقيمة «السخرية» التي أهملها السرد والمتمثلة بشخصية «فلّاح» عبر كلامه وأفعاله. وهذا التراجع مفهوم ومسوغ لصالح تنامي قيم العمل والبناء الثاوية في العنوان «مشروع أوما». لكن السرد ينشغل، في الخفاء، بقصة ثانية، هي الأصل كما نعتقد، تمثلها قصة الفلاسفة الأربعة الذين تركوا لنا أربع قصص عن حي بن يقظان، وهم في الرواية إبراهيم الصافي وزهيرة الصافي فيصل «ولاحقا زوجته معلِّمة التلاميذ» ثم فلّاح «ولاحقا مها الفتاة المغتصبة».
كم قصة عندنا هنا؟ هل نحن إزاء قصة مدينة «أوما» السومرية بوصفها «الأمثولة» الكلية للذاكرة؛ أم أننا إزاء قصة بلدة «الصافية» كما يقدمها القسم الأول، أم أننا إزاء قصة الجدة المتسلطة، أم قصة العمة «روضة» التي حبستها الجدة في قبو البيت الكبير وماتت مع جنينها، أم أن «مشروع أوما» هو التمثيل الموازي الأحدث لقصة حي بن يقظان بصياغاتها الأربع؟ يمكننا أن نقول إننا أمام كل هذه الحكايات؛ نحن أمام قبو الحكايات، القبو الذي تنزل إلى قاعه زهيرة فتصدمها رائحة العفونة وأسرار الجدة الراحلة ومصائبها، وهي ذاتها أسرار بيت الصافي الكبير، أسرار الصافية. نحن إزاء هذه الحكايات كلها؛ ولكن كيف؟
لنترك عتبة العنوان ونتأمل الصور التي يظهر عبرها راوي السرد. هو الراوي المراقب الذي يحكي وينقل لنا رؤى وخطابات الشخصيات السردية، وفي مواضع ليست كثيرة يترك مكانه ويتولى السرد الراوي كلي العلم، ثم نجد الراويين، في الخاتمة، يتركان الشخصيات تتكلم، بعد أن حقق المشروع قدرا ملحوظا من النجاح، وصار بقاؤه ودوامه رهن قدرة الجميع، لا سيما إبراهيم وزهيرة، على المقاومة والصمود. زهيرة، مثلا، تنتظر مولودها من إبراهيم، وهي تعرف أن القتلة وعصابات الإرهاب لن يتركوهم بسلام. فيصل يعود بزوجته «المعلِّمة» إلى «الصافية» ويستكمل معها مشروع التعليم الحر للأولاد. فلّاح يتوج حبه لـ«مها/ علياء»، الفتاة المغتصبة التي تعهدت الجدة برعايتها وتبنيها. تنتهي الرواية كما لا تبدأ، بالأمل ومشهد البساتين المزدهرة بعد أن كانت محض رماد في مفتتح الرواية، لكن مشهد الخاتمة لا يخدع القارئ بأوهام الانتصار إنما يضعه في قلب مشهد «القتلة» المتربصين بالحالمين.
تنسجم مشهدية المكان مع تحولات الراوي وأصواته السردية، فالـ«صافية»، مثلا، كما يقدمها القسم الأول من الرواية، هي مكان بلا ملامح حقيقية؛ مجرد قرية شهدت الخراب والموت، نكتشف تفاصيلها الأولى بعيني زهيرة في مطلع الرواية. قرية لا يميزها سوى بستان الورد ومشهد بيت الصافي الكبير على مرتفع مكاني ليس بعيدا عن النهر. لكنها ستأخذ سمات المكان الحقيقي ذي الملامح الذاتية بتحول السرد إلى منطق الراوي المتكلم، إذ سنشهد تفتح المكان وازدهاره عندما يتولى الرواة الأربعة سرد قصة كل منهم. لنقل عندما يتولى الرواة «كتابة» قصة «مشروع أوما»، وهو الأصل الذي جهد السرد لإخفائه بلا جدوى.

- ناقد وأكاديمي عراقي



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.