الأرمن... صراع الماضي والحاضر روائياً

أحمد مجدي همام يتناول تاريخهم المأساوي في «موت منظَّم»

الأرمن... صراع الماضي والحاضر روائياً
TT

الأرمن... صراع الماضي والحاضر روائياً

الأرمن... صراع الماضي والحاضر روائياً

يشكل النبش في التاريخ معول السرد الأساس في رواية «موت منظَّم»، للكاتب أحمد مجدي همام، الصادرة حديثاً عن دار «هاشيت أنطوان» ببيروت، في إطار منحة من المورد الثقافي. لكن التاريخ هنا ليس على إطلاقه، إنما يتعلق بمذابح الأرمن الشهيرة على يد الأتراك، تستدعيها الرواية في تقاطعات ومفاصل زمنية، ومن نقطة فاصلة تحددها بعام 1915، مشكلة إطاراً لرؤية ذات طبيعة خاصة بالأرمن المصريين: نشأتهم وجذورهم، ومن أين جاءوا، وكيف تأقلموا وحافظوا على عادتهم ولغتهم، وعاشوا حياتهم في وطن أصبح حاضناً لهوية مزدوجة اكتسبوها تحت مظلته.
تمثل عائلة «آرام سيمونيان»، بمن نجوا منها، شاهداً على هذه المأساة، وكوابيسها الدامية المحفورة في الوجدان الأرميني. فبعد صراع مضنٍ، وصل الأب «آرام» إلى مصر، واستطاع أن يلم شمل ما تبقى من عائلته، عدا زوجته التي راحت ضحية تلك المجازر. يقول الكاتب في مستهل الرواية بعنوان توثيق (أ)، على لسان آرام: «كنت ابن تسع سنوات عندما أصدر الباشاوات الثلاثة مرسومهم بترحيل الأرمن من سيس في ربيع 1915. شيخ المسجد القديم في القرية قال للجندرمة التركية التي جاءت لترحيلنا إن والدي هو عامل البناء الذي يتولى تشييد المسجد الجديد في مدخل القرية، وطلب منهم أن يتركوه، وأبي اشترط عليهم أن ينتقي العمال الذين سيعملون معه في بناء المسجد. قال أحد الجنود: المسجد سينقذك أيها الكافر؛ ألن تصبح مسلماً؟ وهكذا، أُنقذ أبي وأخوتي وبعض أقاربنا من الترحيل في مسيرات الموت، كنا نعرف ممن سبقونا، ومن أقاربنا في باقي الأرض الأرمينية في الأناضول، أن من يمضي في مسيرة لا يظهر ثانية».
تتسع هذه الرؤية على مدار أربعة فصول (شتاء طويل - ربيع في القوقاز - مواعيد صيفية - خريف أسود)، تضمها 190 صفحة، كأنها أنشودة للطبيعية بتحولاتها الدراماتيكية، تصعد وتتبلور في سياق علاقة من التضايف بينها وبين أجواء أحداث ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر، وما أعقبها من اضطراب سياسي وانفلات أمنى شهد بعض الأعمال الإرهابية التي أعادت إلى الأذهان صدى حوادث بشعة، من أبرزها مذبحة الأقصر في معبد حتشبسوت عام 1997.
تتناثر تلك الأحداث والوقائع كشظايا في طوايا النص، لكنها لا تصنع ذاكرة خاصة له، يعزز ذلك أن الكاتب لا يتعامل مع التاريخ بصفته خطاباً موازياً، فهو حالة مبثوثة في السرد، لها ملمسها وروائحها، تومض وتتفتح في مساراته الراهنة التي تعيشها الذات الساردة من واقع الشخوص الرواة. ومن خلال تأملها وسبر أغوارها، تتشكل هذه الذاكرة الخاصة، وتتحول إلى جغرافيا بديلة. ربما من هنا يمكن أن نفهم دلالة مقولة نابليون بونابرت «الجغرافيا قدر» التي صدر بها الكاتب الرواية.
ومن ثم، تتكشف أجواء الرواية، وتشف بسلاستها وتنقلاتها الرشيقة بين الأزمنة والأمكنة، عن حركتين أساسيتين تتناغمان صعوداً وهبوطاً تحكمان مدارات الرؤية، وما تطرحه من دلالات وأسئلة. تتسم الأولى بنزعة توثيقية تحاول أن تُخرج صورة مجازر الأرمن من جراب التاريخ، وتتأملها بعين تختصر مسافة شاسعة من الجغرافيا والحنين الحارق تجاوزت قرناً من الزمان، وينحو السرد منحى التقصي والنبش في منحنيات وكواليس تلك المجازر، وتنحصر طاقة التخييل في محاولة الربط والفهم والاستيعاب وردم الفجوات والمفارقات التي حفرتها تلك المأساة في البشر والأزمنة والذكريات. أما الحركة الثانية فتكمن في العاطفة المستترة بين الصحافي الشاب عبد الرحمن أسعد وبطلة الرواية ماجدة سيمونيان، الأرمينية المصرية المولد (57 عاماً) التي هجرها منذ 19 عاماً زوجها «أرمن»، الصيدلي الشاطر ابن عمها، وارتبط بامرأة ألمانية من أصل تركي تعرف عليها في أثناء دراسته للماجستير بألمانيا، ثم تزوجها وعاش معها في كندا، بصحبة ولديه آرثر وفيكتور، بينما ظلت ماجدة وحيدة تعيش من ريع صيدلية تركها لها من بين ثلاث كان يمتلكها.
يلتقي عبد الرحمن وماجدة في قسم الشرطة بالصدفة؛ كانت تحرر محضراً لبواب العمارة وزوجته وأولاده لأنهم يصدرون لها طاقة سلبية، وقد حولوا العمارة إلى وكر للبلطجة وتجارة المخدرات، مما اضطر كثيراً من السكان إلى مغادرتها، بينما عبد الرحمن كان بصدد تحرير محضر عن سرقة هاتفه المحمول. لكن تهمة الطاقة السلبية، مثلما أثارت ضابط الشرطة أثارته أيضاً. وبعد تعارف سريع بينهما، يقرر أن يكتب مادة صحافية عن الأرمن المصريين تكون ماجدة طرف الخيط فيها، وتتسع دائرة التعارف بينهما وتتوثق من خلال لقاءاتهما في نادي الأرمن «آرارات» الاجتماعي بضاحية مصر الجديدة، أو في بيتها، وتزوده بصور ووثائق وشهادات نادرة لبعض ضحايا المجزرة، فيكتشف عالم الأرمن المهمش، وبشاعة ما تعرضوا له من قتل وتطهير عرقي. كما رشحته لحضور الاحتفال الوطني معها بـمدينة «بريفان»، عاصمة أرمينيا، لإحياء ذكرى الضحايا الأرمن، ضمن وفد مصري ضخم على رأسه البابا تواضروس، ومشاركة وفود أخرى من شتى دول العالم.
نحو أسبوع عاشه عبد الرحمن في ظلال وطن حديث النشأة أقتطع من جسد جغرافيا عريقة حولها الطغاة إلى مسرح هزلي لعبث الأقدار. في هذا الوطن، بطبيعته الساحرة وبشره المتمسكين بلغتهم وعاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم، اتسعت عين الحياة، وتحركت مياه العاطفة الراكدة في الداخل بين ماجدة وعبد الرحمن، وأصبحت لها علامات لافتة. ساعد على ذلك أجواء المكان والاحتفال، وشعور ماجدة بأنها في الفضاء الأصلي للأحلام والرؤى والمشاعر، حتى أنها قررت ألا تعود مع الوفد المصري، وتمكث بعض الوقت لترى البلاد على طريقتها الخاصة، وتزور قرية جارني ومعبدها الأثري العريق: «لم أذكر عبد الرحمن في صلاتي، ولم أتمنى أن يتزوجني. هذا مستحيل بكل الأعراف؛ أنا مسيحية وهو مسلم؛ عمري 57 سنة وهو في الثلاثينيات؛ أنا منفصلة عن أرمن منذ 16 عاماً وهو لا يضع دبلة في يديه. أنا صليت لكي يكون عبد الرحمن في الجوار ليس إلا، هل خلطت بين الحماية والحب؟» (ص 110).
تضع ماجدة العلاقة عاطفياً على المحك، رابطة الحب بالحماية والاستقرار، لكنها مع ذلك لا تستطيع أن تفلت؛ ثمة شيء حميم في داخلها تجاه الشخص الذي وفر لها هذه الحماية جسدياً وروحياً، وكان السبب وراء الحملة الأمنية التي طهرت المنطقة من إمبراطورية أبو سيد، وأودعته هو وأولاده وزوجته السجن.
يبرر فعل الحماية قبولها عرض «أرمن» للصلح معها، ولم شمل العائلة بعد غياب طويل قاسٍ، وتعويضها بنصف مليون دولار، مقابل نظرة وداع أخيرة يحتاجها بعد وفاة زوجته الألمانية، وإصابته بسرطان الكبد. ينجح ابنها أرثر في إتمام الصفقة، وتصر على أن يحضر عبد الرحمن جلسة الصلح: «سأضع خمس المبلغ وديعة باسمي في البنك، وسأتبرع بالأخماس الباقية كالتالي: خمس لمطرانية الأرمن الأرثوذكس، وخمس لدار عش العصافير للأيتام الأرمن في جبيل بلبنان لأنها الدار التي احتضنت أكبر عدد من أيتام آل سمونيان منذ 1915، وخمس للجمعية الأرمينية الخيرية، وخمس لبيت الزكاة والصداقات التي يشرف عليها الأزهر» (ص 141). ثم ينطلقان معاً إلى وداع أخير، صبيحة 11 ديسمبر (كانون الأول) 2016، حيث اختارت ماجدة أن تؤدي صلاتها في كنيسة قبطية، بدلاً من كنيستها الأرمينية.
يتضافر مع كل هذا مجموعة من السمات الجمالية اللافتة ساهمت في أن تضفي على أنساق السرد جواً من المتعة، من بينها المهارة الفائقة في رسم الشخصيات، فالكاتب يسكنها من الداخل والخارج معاً، ومعني أساساً بطريقة تفاعلها مع الحياة، ورصد مساحة الحب والأمل في خطواتها، يصاحب ذلك حيوية سردية في الوصف، بصفته مقوم حياة ورؤية وطقساً يتجاوز حيز التوثيق الضيق للمكان والعناصر والأشياء. كما أن الزمن في الرواية ليس استرجاعياً محضاً للماضي ينعكس «فلاش باك» على ما تفرزه الرواية من وقائع وأحداث، إنما يتوزع رأسياً وأفقياً في شكل شرائح من الكولاج، يضفرها الكاتب بذكاء شديد في نسيج السرد، صانعاً نوعاً من التواشج بين عناصر السرد وأزمنته. تفترش هذه الشرائح فضاء الشخوص، وتلون ذكرياتهم ومشاعرهم وهواجسهم، ما يجعل الرواية مفتوحة بانسيابية أسلوبية على تخوم الماضي والحاضر معاً. الكولاج رؤية بصرية، وهو فن صناعة الصورة من خلال المِزق والقصاقيص والشظايا، وبرأيي هو المنطق الفني الذي يشكل محور إيقاع السرد في الرواية... تطالعنا هذه الصورة بقوة على غلاف الرواية، حيث ثمرات الرمان المشقوقة نصفين تشي برمزية العقد المنفرط التي تكاد تشكل تلخيصاً جذرياً لمأساة الأرمن المشقوقة إلى زمنين وهويتين، في نوستالجيا مزدوجة أصبحت تلازمهم أينما حلوا أو رحلوا، ناهيك من أن الرمان، وكما تشير الرواية، يمثل أيقونة وطنية في أرمينيا وطن الأرمن.
بحيوية التضفير الكولاجي، يتجاوز التوثيق مهمته التراتبية، بصفته مقوماً سردياً، ويصبح فعل معايشة للمشهد، يقرّبه ويبعدّه بعين الراوي والشخصيات، كاسراً حيادية التلقي. لتفاجئنا هذه الرواية الممتعة بنهاية مفتوحة بقوة على البداية: «بسرعة، شبكت يدي في يد عبد الرحمن.
كان جسده يشع دفئاً ويغمرني ببهجة لا أعرف ماذا أسميها؟». لكن لم تكد تجف أحبار اللوحة التي رسمها لهما طالب بكلية الفنون وهما في مسجد الحاكم بأمر الله الأثري، حتى تحول المشهد كله إلى صرخة في قوس حياة ستبقى رغم أنف الإرهاب، سواء في مجازر الأرمن، أو إرهاب الجماعات الإسلامية الذي أودي بأرواح 25 شخصاً، معظمهم من النساء، بينهم ماجدة وصديقتها إنجي، وأصاب العشرات، في حادث تفجير بالكنيسة البطرسية بالقاهرة... كانوا يؤدون الصلاة، ويدعون أن يعم الأمن والسلام العالم.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».