غياب الاستقرار يضع بلداناً عربية في مراكز متأخرة

صدور التقرير العاشر في سلسلة {مؤشر التنافسية المستدامة العالمي}

غياب الاستقرار يضع بلداناً عربية في مراكز متأخرة
TT

غياب الاستقرار يضع بلداناً عربية في مراكز متأخرة

غياب الاستقرار يضع بلداناً عربية في مراكز متأخرة

أصدرت مؤسسة «سولابيليتي» قبل أيام «مؤشر التنافسية المستدامة العالمي» لسنة 2021، وهو التقرير العاشر في السلسلة التي تختص بتقييم التنمية الاجتماعية والبيئية والاقتصادية للدول. ويعتمد التقرير على معطيات توفرها المنظمات الدولية، ويجري تصنيفها ضمن مؤشرات فرعية، هي رأس المال الطبيعي وكفاءة إدارة الموارد ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الفكري وإدارة التنمية الوطنية، من أجل قياس القدرات الحالية والمستقبلية للبلدان على توليد وإدامة الدخل والثروة لسكانها.
ولا تزال الدول الإسكندنافية تتصدر الترتيب العالمي، حيث تأتي السويد أولاً، ثم فنلندا ثانياً، وتمثل سويسراً خرقاً لهذه الدول في المرتبة الثالثة، ثم تليها الدنمارك والنرويج. وباستثناء اليابان ونيوزيلندا، تشغل المراكز العشرين الأولى دول أوروبية، وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الـ30، والصين في المرتبة الـ33، وروسيا في المرتبة الـ50.
وفي حين تتصدر الإمارات والسعودية والمغرب وعمان الدول العربية في الترتيب العام، بتسجيل مراتب متوسطة بين 96 و117، تتراجع باقي الدول العربية إلى مراكز متأخرة نسبياً، فنجد مصر في المرتبة الـ131، تليها الأردن (139) والكويت (139) والجزائر (144) وقطر (146). وتأتي باقي البلدان العربية ضمن المراكز العشرين الأخيرة. وتلعب عوامل الطقس، وتوافر المياه العذبة، ونوعية الأراضي الصالحة للزراعة، وتنوُّع الموارد الطبيعية، دوراً كبيراً في تحقيق الاكتفاء الذاتي على نحو مستدام يضمن تجدد الموارد.
مصاعب بيئية تعرقل الدول العربية
ويلحظ مؤشر رأس المال الطبيعي الموارد التي تسمح لبلد ما بالاكتفاء ذاتياً، ويأخذ في الاعتبار مستوى نضوب أو تدهور تلك الموارد، مما يعرض الاكتفاء الذاتي للخطر في المستقبل. وتتصدر لاوس مؤشر رأس المال الطبيعي، تليها كولومبيا وباراغواي وبوليفيا، بفضل التنوع البيولوجي الكبير الذي تتمتع به أميركا الجنوبية. وتأتي الدول الإسكندنافية ونيوزيلندا ضمن الدول العشرين الأفضل عالمياً بسبب الكثافة السكانية المنخفضة، والتغطية الحرجية، ووفرة المياه، فيما تحتل كندا المرتبة الـ31 والولايات المتحدة المرتبة الـ39. وتتأثر الصين (134) والهند (152) بمزيج مقلق من المناخ الجاف، والكثافة السكانية، واستنزاف الموارد، مما يثير المخاوف بشأن قدرة البلدين على ضمان الاكتفاء الذاتي لمواطنيهما على المدى الطويل.
وتواجه الدول العربية تحديات حقيقية، وفق مؤشر رأس المال الطبيعي، فهي بمعظمها تعاني من ندرة الموارد المائية العذبة، وانتشار التصحر، واتساع حالة الجفاف، وتلوث الهواء والماء والتربة، إلى جانب فقدان الأمن الغذائي الذاتي في أكثر من بلد.
وتحتل عمان المرتبة الـ92 عالمياً، تليها السودان وليبيا والمغرب في مراكز متوسطة، ثم تأتي مصر والجزائر والسعودية، وتتبعها باقي الدول العربية في مراتب متأخرة جداً، حيث نجد 14 بلداً عربياً في المراكز من الـ155 إلى الـ180. وتعوِّض البلدان التي تمتلك ثروة نفطية عن ضعف مواردها في المياه العذبة والأراضي الزراعية الخصبة باستثمارات ضخمة في التكنولوجيا، مثل تحلية المياه والزراعة الذكية، إلى جانب تنمية القدرات البشرية بتوفير فرص التعليم والتدريب.
ومن الملاحظ أن بلدان العالم ذات التصنيف العالي تتميز بتوافر المياه، إلى جانب المناخ الاستوائي، والتنوع البيولوجي الغني، ووفرة الموارد الطبيعية الأخرى. وفي حين أن معظم هذه البلدان يفتقر إلى رأس المال الاجتماعي والفكري والحوكمة، فإن رأس مالها الطبيعي سيسمح لها بتطوير قدرة تنافسية مستدامة بمرور الوقت. ويشير التقرير إلى أن 49 في المائة من مؤشرات رأس المال الطبيعي تتخذ اتجاهات سلبية عالمياً، في مقابل 34 في المائة من المؤشرات التي تشهد تطوراً إيجابياً. ويعلَّل ذلك بغياب السياسات الهادفة التي تحمي المحيط الحيوي المتبقي، وتحفز البدائل الخضراء، وتلحظ كلفة التدمير البيئي الجانبي. ويحذر التقرير من انخفاض إضافي في المعايير البيئية العالمية مستقبلاً، مما سيؤثر على الركائز الأخرى لاستدامة القدرة التنافسية.
ويتقاطع مؤشر رأس المال الطبيعي مع مؤشر كفاءة إدارة الموارد الذي يتحرى القدرة على إدارة الموارد المتاحة، الطبيعية والبشرية والمالية، على نحو ذي كفاءة، بغض النظر عما إذا كانت هذه الموارد نادرة أم وفيرة، وسواء أكانت محلية أم مستوردة. ويؤثر الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية على رأس المال الطبيعي للبلد؛ أي قدرته على دعم السكان والاقتصاد بالموارد المطلوبة مستقبلاً.
وتأتي ملاوي في صدارة الدول، وفق مؤشر كفاءة الموارد، تليها كينيا والسلفادور. كما حققت الاقتصادات المتقدمة تصنيفات عالية، مثل سويسرا (4) وبريطانيا (8)، وجاءت السويد وفرنسا وآيرلندا ضمن أفضل 20 دولة، فيما احتلت ألمانيا المرتبة الـ52، والولايات المتحدة المرتبة الـ92.
ويضع التقرير الصين في المرتبة الـ150 بسبب وجود الصناعات الثقيلة وأنشطة البناء، إلى جانب انخفاض كفاءة الموارد. ويبدو أن هذا المؤشر يهدف إلى دعم مبادئ الاقتصاد الدائري، لكنه على نحو جدلي يعطي تقييماً إيجابياً للدول الأقل قدرة على استثمار مواردها أو تلك التي لا تملك موارد معتبرة.
وفي العالم العربي، على سبيل المثال، نجد اليمن في المرتبة السادسة عالمياً، وفق مؤشر كفاءة إدارة الموارد. وتأتي الصومال في المرتبة الـ21، وجيبوتي في المرتبة الـ27 عالمياً، تليها جزر القمر (46) وموريتانيا (54)، ثم تأتي باقي الدول العربية في مراكز متأخرة. وهذا بالتأكيد ليس مؤشراً إيجابياً، إذ يعكس ضعفاً شديداً في التنمية واستثمار الموارد الطبيعية، مما يعيق التنمية البشرية والاقتصادية.
- الاستقرار والابتكار يعززان التنافس
ويمثل مؤشر رأس المال الاجتماعي تقييماً للاستقرار والرفاهية، المتصورة أو الحقيقية، لجميع السكان. ويكفل رأس المال الاجتماعي التماسك بين المواطنين، ومستوى معقولاً من التوافق، مما يوفر بيئة مستقرة للاقتصاد، ويمنع الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية.
وإلى جانب التأثيرات التاريخية والثقافية المحلية، يرتبط التوافق المجتمعي بعوامل مختلفة، منها أنظمة الرعاية الصحية وإتاحتها للجميع، والمساواة في الدخل والأصول، والهيكلية السكانية التي تضمن توزع الأجيال بشكل متوازن، وحرية التعبير والتحرر من الخوف، وغياب الصراعات العنيفة. وفي ظل هذه الظروف فقط يمكن للاقتصاد أن يزدهر ويثمر، ويخلق فرص عمل ودخلاً للسكان.
وتتصدر الدول الإسكندنافية مؤشر رأس المال الاجتماعي. وإلى جانب دول أوروبا الغربية ودول البلطيق التي تهيمن على المراكز العشرين الأولى عالمياً لرأس المال الاجتماعي، تبرز كوريا الجنوبية (13) واليابان (15) وسنغافورة (16). وبسبب معدلات الجريمة المرتفعة، وانخفاض خدمات الرعاية الصحية، وضعف المساواة، تحتل الولايات المتحدة المرتبة الـ95 عالمياً.
وتأتي بريطانيا في المرتبة الـ46، مما يعكس تدهور النسيج الاجتماعي في البلاد، فيما تحتل الصين المرتبة الـ32، وروسيا الـ88، والهند الـ123، والبرازيل الـ128. وتقع معظم الدول الأفريقية، لا سيما في منطقة الساحل وجنوبها، في أسفل هذه القائمة بسبب قلة خدمات الرعاية الصحية، وارتفاع وفيات الأطفال، ومحدودية حرية التعبير، وحالة حقوق الإنسان.
وفي العالم العربي، تحتل الدول الخليجية مراكز متقدمة نسبياً، وفق مؤشر رأس المال الاجتماعي، فنجد الإمارات في المرتبة الـ23 عالمياً، والكويت الـ42، والسعودية الـ52، وعُمان الـ62. وتتراجع باقي الدول العربية إلى مراكز متوسطة، فيما تأتي الدول الأقل استقراراً في مراكز متأخرة.
ومن ناحية أخرى، يعتمد مؤشر رأس المال الفكري على الابتكار الذي هو بدوره أحد مخرجات التعليم، وهو يسمح للبلدان بالمنافسة في الأسواق العالمية. وتهيمن دول شمال وشرق آسيا، مثل كوريا الجنوبية والصين واليابان وسنغافورة، والدول الإسكندنافية كالسويد والدنمارك، على مؤشر رأس المال الفكري. وتُظهر دول شمال وشرق آسيا تطوراً أسرع على هذا المؤشر، في مقابل نظرائهم في الغرب. ولا تزال أفريقيا ضعيفة الأداء على هذا المؤشر، مما يعزز الخوف من الوقوع في شرك الفقر لفترة طويلة. وتحظى تونس بتقييم جيد، وفق مؤشر رأس المال الفكري، بالمرتبة الـ42 عالمياً، والأولى عربياً، تتبعها عُمان في المرتبة الـ51، والسعودية (62) والإمارات (64)، ثم الجزائر (80)، بينما تحتل باقي الدول العربية مراكز متوسطة، باستثناء موريتانيا والسودان والصومال التي تأتي في مراكز متأخرة نسبياً.
ويشير التقرير إلى وجود فجوة كبيرة تفوق فجوة الدخل القومي الإجمالي بين دول الشمال ودول الجنوب في مؤشر رأس المال الفكري الذي يعدُّ أساس الابتكار في المستقبل، وبالتالي النجاح الاقتصادي. وعلى الرغم من أن هذا المؤشر يشهد تطوراً إيجابياً على مستوى العالم، فإن معظم التحسينات تحدث في أوروبا وأقصى وجنوب شرقي آسيا والأميركيتين، باستثناء أميركا الوسطى.
- إدارة التنمية مدخل لتحقيق التنافسية
وتتشكل المجتمعات والاقتصادات ضمن إطار من البنى القانونية والتنظيمية والمادية التي تضعها وتطورها السلطات والمؤسسات الحكومية غالباً. ويعتمد التقرير في تقييم مؤشر إدارة التنمية الوطنية (الحوكمة) على مجموعة من المعايير، كالتوافق الحكومي والبنى التحتية وبيئة الأعمال وانتشار الفساد والاستقرار المالي. وهو يفترض أن الإطار التنظيمي والبنية التحتية يوفران البيئة المناسبة لازدهار رأس المال الطبيعي والاجتماعي والفكري من أجل توليد ثروة جديدة، والحفاظ على الثروة الحالية.
وتتصدر إستونيا ترتيب الحوكمة عالمياً، تليها آيرلندا والتشيك وفنلندا، ثم ألمانيا واليابان. وتهيمن دول وسط وشرق أوروبا على المراكز المتقدمة، فيما تأتي الصين في المرتبة الـ45، ثم روسيا (53) وبريطانيا (62) والولايات المتحدة (86)، وتتراجع الهند إلى المرتبة الـ120، والبرازيل إلى المرتبة الـ165. وتظهر هنا أيضاً فجوة واضحة بين الشمال والجنوب، حيث تسجل معظم الدول الأفريقية درجات متدنية. وعلى المستوى العربي، تحتل الإمارات المركز الـ37 عالمياً في مؤشر الحوكمة، تليها مصر (50) ثم الكويت (60) والسعودية (68) والمغرب (91) والأردن (95). وتحتل باقي البلدان العربية مراكز متأخرة نسبياً، خاصة البلدان التي تعاني شكلاً من أشكال غياب الاستقرار، كما هو الحال في سوريا والسودان وليبيا والصومال واليمن.
ويرى واضعو «مؤشر التنافسية المستدامة العالمي» أن تقريرهم أكثر شمولاً من تقارير مماثلة تصدرها مؤسسات أخرى، ولعلهم يلمحون بذلك إلى تقارير التنافسية السنوية التي يصدرها المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، والمعهد الدولي للتنمية الإدارية في لوزان السويسرية. ويعدون أن لحظ الاستدامة في التنافسية ليس ثورة، بل هو تطوُّر طبيعي يساعد على اتخاذ القرارات، وفق نظرة أكثر عمقاً وأوسع نطاقاً لتفادي النتائج السيئة مستقبلاً.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».