«وثائق جنيف» تكشف فجوة دستورية بين دمشق والمعارضة

بيدرسن يعبّر عن «خيبة كبيرة» في ختام الجولة السادسة... و «الشرق الأوسط» تنشر مقترحات الوفود المشاركة

مقترح قدمه وفد الحكومة عن سيادة سوريا (الشرق الأوسط)  -  مقترح قدمه وفد المعارضة عن الجيش والأمن (الشرق الأوسط)
مقترح قدمه وفد الحكومة عن سيادة سوريا (الشرق الأوسط) - مقترح قدمه وفد المعارضة عن الجيش والأمن (الشرق الأوسط)
TT

«وثائق جنيف» تكشف فجوة دستورية بين دمشق والمعارضة

مقترح قدمه وفد الحكومة عن سيادة سوريا (الشرق الأوسط)  -  مقترح قدمه وفد المعارضة عن الجيش والأمن (الشرق الأوسط)
مقترح قدمه وفد الحكومة عن سيادة سوريا (الشرق الأوسط) - مقترح قدمه وفد المعارضة عن الجيش والأمن (الشرق الأوسط)

انتهت الجولة السادسة من اللجنة الدستورية السورية في جنيف أمس، بـ«خيبة كبيرة» للمبعوث الأممي غير بيدرسن، لدى وقفها عند «حافة المرونة» التي وضعتها دمشق، ما وضع مستقبل العملية السياسية في مرحلتها المقبلة في ملعب موسكو لاتخاذ «قرار سياسي»، كي تقوم بحملة دبلوماسية باتجاهين: الأول، مع الحكومة السورية كي توافق على المضي قدماً إلى الجولة السابعة وفق المرجعية العملياتية السابقة. الآخر، مع دول عربية وغربية للحصول على تنازلات منها في ملفي «التعافي المبكر» وإيصال المساعدات «عبر الخطوط» للالتفاف على شروطها لرفع العزلة والعقوبات، بعد ما أظهرته دمشق من «مرونة».
وقال بيدرسن، مساء أمس في ختام الجولة السادسة، إنه شعر بـ«خيبة كبيرة» لأنه لم يتم الانتقال إلى صوغ المبادئ الدستورية الأربعة المقترحة في الأيام الأربعة الماضية أو على موعد الجولة السابعة، مشيراً إلى ضرورة توفر «رغبة سياسية» للوصول إلى «عملية الصياغة» بعدما قرر وفد الحكومة في اليوم الأخير «عدم تقدير صياغات جديدة».
ويعد هذا صدمة للجهود التي بذلها بيدرسن في الأشهر الماضية، إذ إنه خاض حملة دبلوماسية لإيصال وفدي الحكومة والمعارضة إلى اتفاق حول آلية العمل للبدء بـ«صوغ الدستور» وعقد الجولة السادسة. بالفعل، انتزعت موسكو موافقة دمشق على «آلية عمل»، بفضل تدخلات رفيعة بما في ذلك بحث الموضوع خلال لقاء الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي.
عليه، تقرر عقد الجولة السادسة بين 18 و22 الشهر الجاري، وفق الاتفاق المبرم، برعاية أممية في منتدى جنيف، الوحيد الذي لا يزال يوفر للمعارضة تعاطياً ندّياً مقابل الحكومة. بالفعل، عقد بيدرسن يوم الأحد الماضي، اجتماعاً ثلاثياً ضم رئيسي وفدي الحكومة أحمد الكزبري والمعارضة هادي البحرة، وذلك لأول مرة منذ تشكيل اللجنة الدستورية والاتفاق على «معايير العمل» قبل سنتين. وجرى التفاهم عشية انعقاد الجولة السادسة يوم الاثنين الماضي، على إجراءات عملية، بحيث يتم بحث أربعة مبادئ دستورية، مبدأ واحد لكل يوم، إذ يقدم وفد الحكومة المبدأ الأول والرابع، ووفد المعارضة المبدأ الثاني، مع إعطاء المجتمع المدني صلاحية تقديم المبدأ الثالث. كما جرى التوافق على أن يقدم كل طرف الاقتراح خطّياً ثم يجري النقاش عليه وعلى جميع المبادئ في اليوم الأخير، أمس، مع الاستعداد لاستكمال تقديم المبادئ في جولتين مقبلتين قبل آخر العام.

- مواكبة غربية
وعلى هامش الاجتماعات، عُقدت اجتماعات دبلوماسية احتفالية خصوصاً من الضامنين الثلاثة لعملية آستانة، روسيا وإيران وتركيا، شارك فيها المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينيتيف الذي وصل إلى جنيف قادماً من دمشق حيث التقى الأسد. كما حضر إلى مقر الأمم المتحدة نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي إيثان غولدريش، مسؤول الملف السوري الجديد، وعقد سلسلة اجتماعات مع بيدرسن ومبعوثين غربيين آخرين من النرويج وإيطاليا، إضافة إلى لقاءات مع وفود سورية معارضة. وتضمنت مواقف المبعوثين الغربيين في جنيف أو في عواصمهم «ترحيباً حذراً» بعمل اللجنة الدستورية في جولتها السادسة، مع دعوات إلى فتح بنود أخرى في القرار الدولي 2254، بما في ذلك وقف شامل لإطلاق النار وملف المعتقلين والعودة الطوعية والآمنة للاجئين.
- رفض الأجندات الانفصالية
وحسب أوراق المبادئ الأربعة، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نصها، قدم الكزبري، مقترحه لبند «سيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدة أراضيها»، ويقع في صفحتين وستة عناصر، تضمن رفضاً لـ«التدخل في شؤونها الداخلية بأي شكل كامل» وأن سوريا «موحدة أرضاً وشعباً وغير قابلة للتجزئة» بحيث «يخضع للمساءلة القانونية كل من يتعامل مع أي طرف خارجي بأي طريقة غير شرعية».
وإذ تضمنت الورقة بنداً بالتمسك بـ«تحرير الأراضي المحتلة» بوصفها «واجباً وطنياً... ويعد أي شكل من أشكال التعاون الذي يسهّل استمرار أو ترسيخ هذا الاحتلال خيانة عظمى»، فإنها غمزت أكثر، في البند اللاحق، من قناة الأكراد السوريين في شرق الفرات، لدى وضع بند خاص يتضمن رفض الانفصال. وجاء فيه: «تعد أي مشاريع أو توجهات انفصالية أو شبه انفصالية... مناقضة لمبدأ وحدة الأرض السورية ومخالفة لإرادة الشعب، وينظم قانون الإدارة المحلية سلطات وصلاحيات مجالس الوحدات الإدارية». وزاد أن لـ«الدولة الحق الحصري في السيادة على الموارد الطبيعية والثروات الباطنية».
وينسجم هذا مع الموقف الذي عبّر عنه مدير مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك، لوفد كردي بقيادة إلهام أحمد كان زاره في دمشق، برفض «الإدارة الذاتية» واقتراح العمل بموجب قانون الإدارة المحلية رقم 107، ورفض سيطرة الأكراد بدعم أميركا على الغاز والنفط والثروات الزراعية في شمال شرقي سوريا. كما يتطابق مع البيانات التي أعلنها ضامنو عملية آستانة في اجتماعات على مستوى القادة أو الخبراء.

- حياد الجيش والأمن
في اليوم الثاني، قدم البحرة «حصته الدستورية» من المبادئ في هذه الجولة، وتتعلق بـ«الجيش والقوات المسلحة والأمن والاستخبارات»، حيث يقع اقتراحه في صفحتين، وتضمن أن «الدولة تلتزم ببناء مؤسسات الأمن والمخابرات لحفظ الأمن الوطني وتخضع لسيادة القانون وتعمل وفق الدستور»، وأن «الجيش والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية مؤسسات وطنية تضمن السيادة... وتحدد عقيدة الجيش بعيداً من الانتماءات الآيديولوجية والحزبية وتحتكر السلاح واستعماله»، وأن الجيش «ملزم بالحياد السياسي التام ويدعم السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون»، وأن أجهزة الأمن مكلفة حماية الأمن والأفراد والممتلكات وفق «احترام مبادئ حقوق الإنسان الأساسية وفي إطار الحياد السياسي التام».
ويوم الأربعاء، قدم وفد المجتمع المدني «المحسوب على المعارضة»، مقترحه لمبدأ «سيادة القانون» في صفحتين، تضمن عناوين وجملاً حقوقية عامة انطلقت بعض جملها من الدستور السوري الحالي للعام 2012 مثل أن السوريين «متساوون أمام القانون في الواجبات والحقوق» وأن «المعاهدات الدولية التي التزمت بها تأتي في منزلة أدنى من الدستور وأعلى من التشريعات الوطنية». ولم يُعرف ما إذا كان المقصود هنا الإشارة إلى الاتفاقات العسكرية المبرمة بين الحكومة السورية والجانب الروسي حول وجود قواعد عسكرية لـ49 سنة أو أكثر في غرب البلاد.
كما نص المقترح على أن «جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان لا تسقط بالتقادم، وتعمل كل مؤسسات الدولة الوطنية بتطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب» وأن «العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون». وقال دبلوماسي إن هذا البند يتضمن إشارة إلى الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت في سوريا ووثّقتها تقارير أممية، في وقت تدعم دول غربية عملية «المساءلة والمحاسبة» في سوريا. وأضافت الورقة أنه «لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا بموجب أمر قرار صادر على السلطة القضائية» وأن يبلغ كل شخص خلال 24 ساعة «أسباب توقيفه»، ولا يحق لـ«السلطة الإدارية توقيف أحد احتياطياً إلا بموجب قانون الطوارئ» مع «حظر تشكيل محاكم استثنائية».
- دعم الجيش
وفي اليوم الرابع، قدم الكزبري مسودة مبدأ «الإرهاب والتطرف» مستنداً إلى أوراق سابقة سُلمت إلى الأمم المتحدة عن ذات الموضوع. ونصّت الورقة الجديدة على خمسة مبادئ تتضمن التزام الدولة «مواجهة الإرهاب بجميع صوره وأشكاله وتعقب مصادر تمويله، وتعد مصادر تمويله جريمة يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات»، إضافةً إلى «رفض الفكر المتطرف والعمل على استئصاله... ويتم إنزال أشد العقوبات وفقاً للقانون بمن ينتمي إلى (داعش) أو (جبهة النصرة) و(الإخوان المسلمين)».
وأضافت الورقة أن «الجيش العربي السوري والقوات المسلحة مؤسسات وطنية تحظى بدعم ومؤازرة الشعب، وهي مسؤولة عن الدفاع عن سلامة أرض الوطن وأمنه وسيادته من جميع أشكال الإرهاب والاحتلال والتدخل والاعتداءات الخارجية» وضرورة «تكاتف أبناء الشعب إلى جانب الجيش العربي السوري والقوات المسلحة في مواجهة الإرهاب، وتعزيز الأمن والاستقرار في أراضي الجمهورية العربية السورية كافة واجب وطني»، إضافة إلى القول إن «الشهادة في سبيل الوطن بما في ذلك في إطار محاربة الاحتلال أو مكافحة الإرهاب قيمة عليا، وتكفل الدولة ذوي الشهداء وفقاً للقانون».
- فجوة كبرى
وبعد تقديم كل بند، جرت مناقشات وقدم كل طرف بعض التعديلات المقترحة. وحسب مشاركين، كان النقاش جدياً ومهنياً مع لقاءات دورية بين الكزبري والبحرة وبيدرسن على عكس الجولات السابقة، لكنه أظهر في الوقت نفسه فجوة كبيرة بين موقفي وفدي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني (ينقسم أعضاؤه إلى موالين لكل طرف)، وسط رفض وفد الحكومة تقديم مقترحات خطّية جديدة أو الانتقال إلى وضع المقترحات في صياغات مشتركة، الأمر الذي أدى إلى الاتفاق بين القيمين على حل وسط، على تخصيص جلسة أمس لاستمرار تدفق التعليقات في اللجنة المصغرة التي تضم 45 عضواً، من دون الاتفاق على آلية لتحويل هذه الأوراق إلى صيغة مكتوبة تدعم الإصلاح الدستوري في سوريا.
كما ظهرت مؤشرات إلى صعوبة موافقة الكزبري على عقد الجولة السابعة في الشهر المقبل، والتريث في المضي قدماً في العمل وفق الآلية المتفق عليها بين الأمم المتحدة والأطراف الفاعلة. ويُعتقد أن هذا «سيضع الكرة في الملعب الروسي»، كي تقوم موسكو بإقناع دمشق كي يعمل وفد الحكومة وفق «آلية العمل» المتفق عليها بين الكزبري والبحرة بـ«تسهيل» من بيدرسن، خصوصاً أن مسؤولين من روسيا حثوا نظراءهم الأميركيين والغربيين ومن دول عربية على «تقديم حوافز لسوريا في مجال تنفيذ البنود الخاصة بالتعافي المبكر وإيصال المساعدات عبر خطوط التماس بموجب القرار الدولي الجديد الخاص بالمساعدات الإنسانية مقابل مرونتها باللجنة الدستورية وفق القرار 2254، خصوصاً أن موسكو تعد هذه الأمور إنجازات تلتفّ على العقوبات والمواقف الغربية الرافضة لدعم الإعمار أو فك العزلة ورفع العقوبات قبل تحقيق تقدم ذي مغزى في العملية السياسية لتنفيذ القرار 2254».



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.