عز الدين فشير: تركت «مقعد السلطة» إلى «مقعد الكتابة» سعياً وراء ما أحبه

الكاتب المصري يرى أن المقارنة بالآخرين محفوفة بالمخاطر

عز الدين فشير: تركت «مقعد السلطة» إلى «مقعد الكتابة» سعياً وراء ما أحبه
TT

عز الدين فشير: تركت «مقعد السلطة» إلى «مقعد الكتابة» سعياً وراء ما أحبه

عز الدين فشير: تركت «مقعد السلطة» إلى «مقعد الكتابة» سعياً وراء ما أحبه

تجمع أعمال الروائي المصري عز الدين شكري فشير، بين الاحتفاء النقدي والنجاح الجماهيري، ما جعل روايات له مثل «عناق عند جسر بروكلين» و«كل هذا الهراء» ضمن قوائم الأكثر مبيعاً، كما تم تحويل روايتيه «أبو عمل المصري» و«مقتل فخر الدين» إلى مسلسل تلفزيوني. في سياق هذه المعادلة الصعبة لا يرى فشير أي تضحية في استقالته المثيرة من منصب «الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة» بمصر منذ سنوات، وتركه العمل بوزارة الخارجية بعد أن وصل لدرجة سفير، وكما يقول: «انتقلت من مقعد السلطة» إلى مقعد الكتابة «التي أحبها»... هنا حوار معه حول تجربته والمحطات التي مر بها وأثرت في عالمه الروائي.

> تنتمي روايتك التي صدرت مؤخراً «حكاية فرح» إلى ما يسمى «رواية الأجيال»، ألم تخشَ المقارنة بنجيب محفوظ صاحب التجربة الأشهر في هذا النوع الأدبي؟
- كبار الكتاب –من تولستوي إلى محفوظ– لم يتركوا نوعاً من الرواية إلا وكتبوا فيه، ومن ثم لا مفر من الكتابة في أنواع –بل موضوعات- تطرقوا إليها من قبل. ومقارنة رواية كتبتها بأي من أعمال هؤلاء الكبار تسعدني، حتى وإن أخجلتني، ولم تكن النتيجة لصالحي. من ناحية أخرى، مقارنة كتاب معاصرين بآخرين رحلوا من زمن عملية محفوفة بالمخاطر، لأن النص الروائي نفسه يتغير بمرور الوقت، معناه لغوياً والطريقة التي يُقرأ بها، وكذلك المشاعر التي تتولد عنه. وبالتالي مقارنة نص جديد بآخر كُتب منّ سبعين عاماً تتطلب قدرة على معرفة الكيفية التي قُرئ بها هذا النص وقتها: كيف فهمه القراء ساعتها وما المشاعر التي ارتبطت به؟ وذلك في إطار السياق الثقافي والسياسي والاجتماعي السائد وقتها. «ميرامار» أو «القاهرة 30» أو «ثرثرة فوق النيل»، وقت صدورها ليست الروايات نفسها التي نقرأها الآن: معانيها تغيرت، وطريقة قراءتها والمشاعر التي تتولد لدينا في أثناء القراءة تغيرت. وهذا يجعل المقارنة بين رواية جديدة وأخرى تسبقها بعشرات السنين مسألة غاية في الصعوبة، وربما بلا فائدة تُذكر. لكن مجرد وضع اسمي في جملة واحدة مع كاتب مثل نجيب محفوظ هو إطراء يكفيني.
> جاء السرد في الرواية على لسان امرأة تروي التحولات النفسية والاجتماعية للنساء عبر أزمنة وأماكن متفاوتة، كيف تمكنت من سبر غور مكنونات المرأة بهذه الحساسية والدقة؟
- أظن أن الكتابة في جوهرها تقوم على ثلاثة أمور: الملاحظة والخيال والتعاطف. دقة الملاحظة هي التي تمكّن الكاتب من جمع تفاصيل العالم من حوله بدرجة تفوق المتوسط: تفاصيل الناس، من طريقة سلوكهم إلى تعبيرات وجوههم، إلى الفروق الدقيقة بين طرق تعبيرهم. تفاصيل الأحداث، تفاصيل المكان، وغيرها. الخيال هو الذي يدفع الكاتب إلى السؤال عمّا كان يمكن حدوثه، والأحداث التي مرّت أجزاء منها أمامه، وما تبقى من حياة الأشخاص الذين قابلهم ولو للحظات. التعاطف هو ما يمكّن الكاتب من تمثل شخصيات مغايرة له تماماً؛ سواء في الرؤى أو النوع أو الأدوار التي يلعبونها في الحياة. هذا التعاطف هو الذي يمكّن الكاتب من وضع نفسه مكانهم، وتخيُّل أحاسيسهم وطريقة تفكيرهم والكيفية التي يعبّرون بها عمّا يجول في نفوسهم. وكلما زاد تعاطف الكاتب وقدرته على الملاحظة ونشاط خياله، زادت قدرته على التعبير عن أشخاص مختلفين عنه: رجل يكتب عن نساء، مؤمن يكتب عن ملحدين، مسالم يكتب عن إرهابيين، وهكذا.
> اللافت أنه رغم تعدد البيئات والعصور في الرواية، فإن جوهر أزمات المرأة يبدو واحداً في كل زمان ومكان، كما بدا لافتاً أن المرأة أكثر صلابة من الرجل في مواجهة العواصف. كيف ترى الأمر؟
- جوهر أزمات المرأة يبدو لي واحداً، وهو إخضاعها لمعاملة غير عادلة بسبب كونها امرأة. شكل هذا الظلم يختلف في درجته، لكن في معظم الأحوال الجوهر واحد. حتى حين يعلن القانون المساواة التامة بين النساء والرجال، فإن المجتمع نفسه يتواطأ على مواصلة المعاملة التمييزية ضدها. المرأة في مجتمعاتنا العربية تتحمل عبء المشكلات والتناقضات الاجتماعية كلها بشكل أكبر من الرجل؛ من الازدواجية الأخلاقية إلى الفقر. كل العيوب والتناقضات تصب عندها. كأن المرأة جالسة في الكواليس وخلف الستار؛ بينما يقوم الرجال بالتمثيل على الخشبة. تعرف النساء جيداً أن هذا تمثيل، وأن هؤلاء الممثلين سيدخلون عليها ويكشفون وجوههم الحقيقية. انظري إلى الطالبة الجامعية التي يتحرش بها أستاذها، الأستاذ نفسه الذي يملأ قاعة المحاضرات ضجيجاً عن القيم والدين والأخلاق! كيف ترى هذه الطالبة ليس فقط أستاذها بل بقية الرجال، المجتمع كله والأخلاق التي يدّعيها؟ فإذا كانت –وفقاً للإحصاءات- كل امرأة تقريباً قد تعرضت للتحرش أو الاعتداء الجنسي على الأقل مرة، فمعنى هذا أن النساء كلهم ينظرن إلى أخلاق المجتمع وادعاءاته نظرة مختلفة تماماً عمّا يمثله الرجال. وفي الوقت نفسه، مطلوب منهن مواصلة التظاهر بأن هذه الأخلاق حقيقية، اللاتي يعرفن جميعاً زيفها. كل هذا عبء على المرأة، تبدأ عملية تدريبها على تحمله وهي طفلة صغيرة، عادةً بالتخويف والقهر.
> لماذا تبدو مدينة «المنصورة» التي عشت بها شطراً من أيام الطفولة والصبا كأنها هاجس يطاردك في الكثير من أعمالك بما فيها عملك الأخير؟
- لأننا كلنا نقضي حياتنا نفرّ من طفولتنا أو نطاردها، أو الاثنين معاً. كأننا نريد الاحتفاظ بها وإبقاءها حية وفي الوقت نفسه التخلص أو حتى الانتقام منها ومما حملته من مؤثرات سلبية، وهناك دائماً مؤثرات سلبية. الأطباء النفسيون دائماً ما ينصحون الناس بالكتابة عن الأشياء والناس الذين يحبّونهم ويؤلمهم فقدهم، وعن الأشياء التي يحاولون نسيانها أو تجاهلها بسبب ما تصيبهم به من ألم أو اضطراب. كتابة الرواية لا تخلو من هذا الجانب: لعل هذا هو الجانب الشخصي الذاتي لها. في حالتي الكتابة عن المنصورة –التي عشت فيها حتى ذهبت إلى الجامعة– إحدى الوسائل التي تساعدني على التعامل مع هذه الطفولة بحلوها ومرها دون الوقوع في فخ الحنين إلى الماضي. وهذا -على الأرجح- ما فعلته «فرح» في الرواية: استعادت كل تفاصيل الماضي ثم هدمته من أساسه بحيث لا يبقى له وجود إلا في مذكراتها.
> في مقابل الإقبال الجماهيري، هل تحظى أعمالك باحتفاء نقدي مماثل؟
- لا أظن أحداً من الكتاب يرضى بحجم الاحتفاء أو النقد الذي يلقاه. هذه مسألة لا يمكن إشباعها، لأن بها قدراً كبيراً من الزهو وتضخيم الذات الذي يجب احتواؤه وترويضه. وهو فخ أيضاً لو وقع فيه الكاتب لَدمّر توازنه النفسي. ومن ثم لنترك الاحتفاء جانباً، ولنترك تقدير الكاتب لنفسه أو لجودة كتابته جانباً، فهذه ليست معايير يمكن الركون إليها. المهم في هذا الموضوع –في رأيي- هو حاجة الأدب لحركة نقدية قوية كي يزدهر. قد يكتب القارئ في «مراجعة» مثلاً أنه أحب لغة الرواية –أو كرهها، أو أنه شعر بالملل والحشو– أو لم يتمكن من ترك الكتاب حتى أنهاه. لكن لماذا؟ ما الذي يميز لغة الرواية بالضبط؟ هذا سؤال يحتاج لناقد يدرس علاقة اللغة بالتعبير، ولديه ذخيرة من المقارنات بين الاستخدامات اللغوية المختلفة في روايات وأزمنة وسياقات مختلفة بحيث يكون تحليله إضاءة للكاتب والقارئ معاً، لا مجرد انطباعات وإشادات وانتقادات.
> استقلتَ من منصب «الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة» مؤكداً أنك تفضل أن تكون في «مقعد الكتابة» على «مقعد السلطة»، كما تركت العمل في وزارة الخارجية المصرية فيما بعد رغم وصولك لمناصب رفيعة! هل يستحق المشروع الإبداعي مثل هذه التضحية؟
- ليس هناك تضحية في الموضوع، بل اختيارات للحياة التي أريد أن أعيشها. الكتابة ليست مشروعاً مربحاً، لا مادياً ولا حتى معنوياً. فلا أعرف روائياً عربياً واحداً يستطيع الحياة من عائد رواياته. كما أن حياة الكاتب قلق مستمر؛ على مستوى كتابته، وانتشار رواياته، وردود فعل النقاد أو القراء أو الناشرين، ناهيك بأثر كل هذا على توازنه النفسي. إن من يكتب سعياً للشهرة يعرّض نفسه لدرجة أكبر من كل هذا، ولصدمة كبيرة حين يدرك كيف اختفت أسماء كبيرة لا حصر لها من المشهد الروائي الذي كانت تتصدره يوماً ما. برأيي، تكون الكتابة اختياراً ذا معنى في حالة واحدة فقط وهي حب الكاتب لها وارتباطه بها، لذاتها وبغضّ النظر عن الفشل والنجاح وبقية تبعاتها. بهذا المعنى لا يكون التخلي عن وظيفة أو سلطة تضحية بل مجرد سعي وراء الشيء الذي أحبه، وراء الحياة التي اخترتها لنفسي، وهي حياة أستمد شعوري بالرضا عن نفسي من تحققها.
> من المنصورة إلى القاهرة إلى باريس ثم كندا وبعدها القدس والخرطوم وانتهاء بالولايات المتحدة. محطات كثيرة في رحلة طويلة من الدراسة والعمل الدبلوماسي، ما الذي يتبقى من تلك الرحلة في ذهنك ووجدانك؟
- هذه هي حياتي كلها، لا مجرد رحلات. نحو 35 عاماً في مصر –بالتساوي بين القاهرة والمنصورة، و20 خارجها في هذه البلاد. لا يمكنني تلخيص أثر هذه السنوات ببساطة. لكن ربما يكون أهم ما يتبقى منها ويتصل بموضوعنا هو أثرها على مدى تعاطفي مع الغريب. قد يكون هذا الغريب شخصاً أو حالة أو رؤية أو عقيدة أو طريقة حياة أو حكايات يرويها الناس عن أنفسهم وتاريخهم. في كل هذه الحالات أتاحت لي هذه السنوات نعمة الحياة وسط سياقات غريبة عن تنشئتي، وأخرى كنت أظنها قريبة ثم اكتشفت أنها ليست كذلك. في كل هذه الحالات كان عليَّ التعلم والتأقلم، وسط مجموع مغاير من البشر. رأيت العالم من عيونهم، ولمست مباشرة مشاعرهم التي تخالف مشاعري لكنها لا تقل عنها قوة، ورأيت أفكاراً وعقائد تخالف ما لديّ لكنها لا تقل عنّي يقيناً، وهكذا. كروائي، أتاحت لي سنوات الحياة في عوالم مغايرة فرصة أظنها لا تُعوّض لإثراء تعاطفي وتقويته وقدرتي على وضع نفسي محل الآخرين ورؤية الأمور من منظورهم.
لكن تبقى الوحدة الجانب الأقل لطفاً، وهي ليست نقصاً في عدد مَن يعرفهم المرء، ولا نقصاً في مشاعر الود والحب وإنما تقلص في المساحة المشتركة مع الآخرين. حين أكون مع هذا الجانب، أرى مخاوفه ومعاناته وحكاياته وأحلامه، لكني أيضاً أرى أوهامه وإغفاله لمخاوف ومعاناة وأحلام وحكايات الأطراف الأخرى وتقليله من شأنها أو تحقيرها. أتفهم ذلك، لكني لا أستطيع الاشتراك فيه، وبالتالي عند هذه النقطة أنفصل عن هذه الجماعة. نفس الشيء يحدث مع بقية الجماعات الأخرى. في نهاية المطاف، تظل الصحبة محدودة بتلك المساحة الأولية التي أشاطر فيها مَن حولي مخاوفهم ورغباتهم، لكني أعلم أني سرعان ما سأجد نفسي وحدي ثانيةً.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.