الرياض... الوجهة الجديدة والفصل الجديد

تجربتي في معرض الكتاب

الرياض... الوجهة الجديدة والفصل الجديد
TT

الرياض... الوجهة الجديدة والفصل الجديد

الرياض... الوجهة الجديدة والفصل الجديد

كنتُ أظن أني سأبقى ثلاثة أيام في معرض الرياض الدولي للكتاب الذي نظمته وزارة الثقافة في الفترة من 1 إلى 10 أكتوبر (تشرين الأول). لكن الخطة تغيرت، فبعد الاطلاع على برنامج دليل المعرض الذي أعدته الوزارة في 133 صفحة، كان من الواضح أن ثلاثة أو أربعة أيام لن تكون كافية لشخص يرغب في التجول بين دور النشر ويحضر فعاليات ثقافية ويستمع إلى آراء بعض الحضور من المثقفين وأصحاب دور النشر ويتوق للتعرف بشكل مباشر على الإنجاز. كان دليل برنامج فعاليات المعرض متنوعاً وطموحاً بالفعل يشتمل على نشاطات عديدة منها عرض الكتب، ومؤتمر متخصص للناشرين، وإقامة الندوات، وإلقاء المحاضرات، وتقديم الإفادات والتجارب الثقافية، وعقد الحوارات بين الجمهور وعدد من الكتاب العرب والأجانب، وتواقيع المؤلفين، والفعاليات الموسيقية وغيرها كثير.
كان هناك تنوع مدهش بالفعل على الأرض. وكان ضيف الشرف العراق العظيم، وفي العقل والخيال والقلب دجلة والفرات والنخل وسومر وآشور وأوروك وعشتار/ عشتاروت (وأنا أكتب هذه المقالة في مقهى شعبي في تاروت الهاجعة على ضفة الخليج) وبابل وبغداد ودار الحكمة والحضور الثقافي الاستثنائي والمذهل للعراق على مر العصور ونتف من التاريخ العربي الإسلامي. ليس باستطاعة أحد، والحال كذلك، أن يعيش أجواء المعرض بشكل معقول ويكوّن فكرة عملية عما يجري في ظرف ثلاثة أيام. لذلك أصبحت الأيام الثلاثة ستة أيام، وليس من سمع كمن رأى. وحتى الأيام الستة لم تكن كافية.

- الإنجاز والإبهار
الزائر للمعرض يرى بوضوح أموراً عديدة في مقدمتها أن المملكة العربية السعودية تستطيع أن تُنجز وتبهر وتختط وجهة جديدة وتفتتح فصلاً جديداً في الحياة الثقافية المجتمعية في معرض كتاب أنيق غير مسبوق في البلاد العربية والإسلامية من حيث التنوع واستخدام تقنية المعلومات والحوار مع العالم واستشراف عالم البيانات الضخمة والذكاء الصناعي. مما يتعلمه المرء من المعرض أن هناك شغفاً وحرصاً من الجمهور السعودي على اقتناء الكتاب والتفاعل مع الثقافة في تجلياتها المتنوعة، فتحية لكل امرأة ورجل وطفل زاروا المعرض وهم نحو مليون زائر حسب التقديرات الأولية.
الشكر لوزير الثقافة بدر بن عبد الله الفرحان آل سعود والعاملين في هيئة الأدب والنشر والترجمة بالوزارة على الجهود الرائعة التي صبّت تفاصيلها بالفعل في وجهة جديدة وفصل جديد من العمل في ميدان الثقافة. كل فعالية في المعرض كانت على صلة بأهداف محورية في رؤية المملكة وتخدم صميم أهداف الوزارة في تطلعاتها الحديثة. فالمعرض يخدم مكانة المملكة وصناعة الكتاب والنشر وتشجيع الإقبال على اقتناء الكتاب، ويعمل على جعل الثقافة أسلوب حياة، ويعزز ثقافة معارض الكتب، ويحتفي بالبعد المعرفي الإنساني والاقتصادي للثقافة ويعزز من قيم الحوار الإيجابي مع ثقافات وتجارب العالم ويكرس جودة الحياة على الصعيد الأهم وهو وعي وثقافة الإنسان، ويضع صناعة الكتاب والحراك الثقافي في مكانه الصحيح المنشود لكونه الأساس لأي تنمية شاملة متوازنة. ويمكن أن يُقال هذا بتأكيد، لأن الثقافة ببساطة هي رؤية للذات والعالم. شكراً للناشرين والمثقفين والكتاب المتحدثين، سعوديين وعرباً وأجانب، فالجميع شركاء في صناعة النجاح.

- المثاقفة والانفتاح المتوازن
هذه هي التجربة الأولى لإقامة معرض كتاب دولي في الرياض بهذه الرؤية وهذا التنوع يشتمل على منظومات مبتكرة من الفعاليات الثقافية والفنية والحوارات واللقاءات تتزامن مع عرض نحو 1000 دار نشر من داخل السعودية وخارجها لمئات الآلاف من عناوين الكتب في شتى حقول المعرفة ولشتى الفئات العمرية. النتيجة كانت مهرجاناً معرفياً ثقافياً بامتياز يدعو المرء إلى الانغماس والمشاركة والتأمل والإفادة من الخبرات والمعلومات التي يوفرها المعرض. التهنئة للجهة التي اختارت شعار المعرض الجدير بالتأمل (وجهة جديدة.. فصل جديد)، فهذه العبارة محتشدة بالطموح والأمل، وتعبر فيما يتصل بالثقافة عن الطموحات المعرفية والثقافية التي تنطوي عليها رؤية المملكة 2030. كل شيء في المعرض كان يرمي إلى تحقيق أهداف محورية في الرؤية من حيث خدمة مكانة المملكة وتطوير الثقافة كأسلوب حياة وعمل اجتماعي واقتصادي ومعرفي، ومن ذلك الموضوع المحوري الكبير في المعرض وهو خدمة الكتاب الرقمي والورقي وصناعته وتطوير النشر في المملكة.. كانت الفعاليات الثقافية والبرامج تؤكد على المثاقفة والانفتاح المتوازن على العالم ومحاورة المبدعين وتقديم تجارب العالم في ميادين الكتابة والنشر، وكان جميلاً أن يعبر هؤلاء المبدعون والمتخصصون على المنصات وفي الحوارات الجانبية عن انطباعاتهم الإيجابية عن ثقافتنا وبلادنا وأنهم يعرفون الآن ما لم يعرفوه عن بلادنا وأهلها. وقد عبر معظمهم صراحة أنهم سيحملون كل ذلك إلى الأوساط الإعلامية والثقافية في بلدانهم. ويحق للمواطن أن يفخر بالإنجاز أخذاً في الاعتبار أن المعرض تجربة جديدة من حيث التنوع والشمول والتفاصيل الاحترافية المعمول ببعضها في أكبر معارض الكتب في العالم.

- صناعة النشر
في معارض الكتب منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادية بوجه عام وفي المعارض الحديثة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص تتركز الجهود على تطوير صناعة النشر كاقتصاد وعلى حماية الحقوق الفكرية للمؤلفين، وفي هذا تتساند الأبعاد المعرفية والاقتصادية والإبداعية والقانونية. وكانت معارض الكتب ولا تزال مكاناً للقاء الناشرين بالمؤلفين وإبرام عقود النشر وحماية حقوق الإبتكار والإبداع. ويجد المتابع ذلك واضحاً وموثقاً في الأدبيات العالمية ذات الصلة التي تنشرها الجمعية الدولية للناشرين IPA والمنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO. وكنتُ أرجو دعوة هذه الجهات التي تعمل بالتنسيق مع اليونسكو ومع أعداد كبيرة من الناشرين والمؤلفين في العالم إلى معرض الرياض الدولي للكتاب وإعطاءهم مساحة للحديث والتفاعل، فهو مكان لائق بهم يعكس حراك النشر والثقافة في المملكة.
إلى الجوانب المعرفية والاقتصادية والقانونية المتصلة بصناعة النشر، تعمل معارض الكتب العالمية اليوم كقوة ناعمة على أكثر من صعيد وبطرائق مختلفة. وكنتُ أرجو أن أجد شاشات في ممرات المعرض تعرض لقطات من إنجازات المملكة في الثقافة والمشروعات العملاقة في الاقتصاد والرياضة والفنون والسياحة لمزيد من التعريف بالإنسان والمكان. كان هناك مجال أكبر لحضور جهات عديدة في المعرض مثل وزارة الرياضة والسياحة والإعلام والتعليم وتقنية المعلومات ونيوم ومشروعات العلا والبحر الأحمر والقدية. ويمكن أن تقوم هذه الجهات بأعمال محددة في شراكة مع وزارة الثقافة ومع القطاع الخاص، فالمناسبة فرصة معرفية واقتصادية وإعلامية كبيرة واعدة للتعريف والإعلام والتفاعل، فقد كان المعرض بأكمله منصة تطل منها المملكة على العالم وينظر إليها العالم، وتخصيص قناة تلفزيونية ثقافية لمتابعة الفعاليات باللغة العربية والإنجليزية على الأقل. كان سيكون أمراً مفيداً.

- نحو التحسين
قامت الجهة أو الجهات الاستشارية للمعرض بجهد طيب مشكور. لكن ثمة ملاحظات ومقترحات تحسينية وتطويرية أخرى بعضها مهم، ومنعا دعوة عدد أكبر من أساتذتنا وزملائنا المثقفين والمبدعين السعوديين وتخصيص أماكن للقاء بهم على هامش الفعاليات الرسمية للمعرض. ومهما تكن هذه الملاحظات التي لا بد من وجودها في عمل عملاق، فإن ذلك لا يقلل من روعة الإنجاز وألق النجاح، لكن الطموحات كبيرة دائماً. بلادنا قادرة ومليئة بالطاقات وتستحق الأفضل دائماً. ومن المتوقع أن تتسلم الوزارة آراء ومقترحات المثقفين والمبدعين والمواطنين في البريد الإلكتروني الذي خصصته الوزارة مشكورةً لهذا الغرض.
أخيراً وليس آخراً: شكراً لوزير الثقافة على القرار الذي صدر بإعفاء دور النشر من إيجارات المساحات. جاء هذا في وقته بسبب الآثار الاقتصادية للجائحة ولطمأنة الناشرين السعوديين أن لديهم شريكاً كبيراً موثوقاً يتلمس معاناتهم ويدفع بآمالهم وطموحاتهم إلى الأمام. ولعل من المناسب الإشارة إلى التأثير الإيجابي للقرار الكريم على الزملاء الناشرين السعوديين.
بهذا المعرض تكون وزارة الثقافة قد رسمت وحددت مستوى عالياً لمواصفات معارض الرياض الدولية القادمة، واختطت بالفعل طريقاً جديداً مليئاً بالتحديات التي تشحذ الهمم. وليس من المبالغة القول إن العمل على المعرض القادم يجب أن يبدأ منذ الآن لتعزيز الإيجابيات والبناء عليها وتحاشي أي سلبيات وتركيز الجهود في مسارات وأعمال معينة تخدم الثقافة في تجلياتها وأبعادها المتنوعة.

- رئيس تحرير الموسوعة العربية العالمية الرقمية



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.