«مرحبا أيها الغريب»... كيفية التواصل في عالم مفكك

ول بكنغهام يتأمل في متع وآلام العالم أثناء الجائحة

الضيافة تعلب دوراً مهماً في المجتمع العربي
الضيافة تعلب دوراً مهماً في المجتمع العربي
TT

«مرحبا أيها الغريب»... كيفية التواصل في عالم مفكك

الضيافة تعلب دوراً مهماً في المجتمع العربي
الضيافة تعلب دوراً مهماً في المجتمع العربي

إحدى أعمق صور الفقدان التي عانى الكثير منا أثناء الجائحة – لا سيما أولئك الذين كانوا محظوظين إلى درجة أنهم لم يفقدوا فرداً من أسرهم – كان الانقطاع عن الناس الذين لم نكن قريبين منهم. أحن إلى ضجيج المؤتمرات الأكاديمية، للأحاديث التي تدور أثناء استراحات القهوة مع أناس أراهم مرة في العمر. لقد تعلمنا من إدراك مدى ما نجنيه من قرب الناس الذين لا نحبهم ولكن حضورهم يمنحنا راحة وانتعاشاً.
في كتابه «مرحباً أيها الغريب» يقدم ول بكنغهام، وهو أكاديمي ومؤلف مشاء، استكشافاً متألقاً ومؤثراً في الغالب لما يعنيه الاتصال بالغرباء. نقطة انطلاقه الألم. يطارد كتابه موت زوجته (إلي) بسبب السرطان. يقول إنه بينما كان ينتظر مواساة أصدقائه في أعقاب تلك الحادثة «دهشت بالقدر الذي احتجت فيه إلى الغرباء – الناس الذين لم يعرفوا (إلي)، الذين لم يعرفوا شيئاً عن خصوصية معاناتي».
حتى قبل وفاة زوجته، أمضى بكنغهام حياته بين غرباء. أثناء نموه كان البيت الديني لوالده مفتوحاً للمصلين وحشد من المتسكعين والباحثين عن مأوى. وفي كبره سافر على نطاق واسع وأمضى فترات طويلة يعمل ويستكشف ويتعلم في إندونيسيا والصين وميانمار وأماكن أخرى. بل إنه بعد اكتشاف المرض لدى زوجته استمر في السفر معلماً في تشينغدو ولم يعد إلا بعد أن اتضح أن المرض في مرحلته النهائية.
يتجذر «مرحباً أيها الغريب» في تقليد عريق من التفكير حول ما يعنيه العيش في عالم نحاط فيه بالغرباء، ونحتاج مع ذلك إلى متعة البيت وراحته. تجربة بكنغهام الأنثروبولوجية من حيث هو كثير التجوال تمد الكتاب بالمعلومات بينما يتكئ العمل على معرفة المؤلف بالتواريخ والآداب والأساطير القديمة. يشكل هوميروس حضوراً دائماً في الكتاب وتمثل متاعب أوديسيوس في العودة إلى وطنه – واتكاؤه المشوب بالصعوبات على الغرباء لكي يستضيفوه على الطريق – متاعبنا بمعنى ما. وفي حين يأخذ بكنغهام في الاعتبار تاريخ الخوف من الأجانب والشك تجاههم، فإنه يؤكد التاريخ المقابل لـ«الفيلوكسينيا»، وهي كلمة يونانية في الإنجيل تحمل معنى حب الاستطلاع تجاه أولئك الذين لا يشبهوننا والرغبة في الاتصال بهم.
من المؤكد أن «الفيلوكسينيا» جديرة بالاحتفاء. للإنسان تاريخ ثري من الاستضافة والترحيب ومد العون لأولئك الذين ليسوا من الأقارب. بكنغهام نفسه جرب شخصياً المتع المدوخة والكامنة في الضغط عليه لكي يضع الطعام في يديه ويدعى للإقامة في البيوت حيثما كان، من بلغاريا إلى باكستان. وقد بادل ذلك بمعاملة مثيلة. في السنوات الأولى من زواجه، وبعد أن شعرا بالملل من هدوء حياتهما في برمنغهام، فتح بكنغهام وزوجته شقتهما للعالم من خلال تطبيق «كاوتشسيرفنغ».
«وبينما كان الضيوف يعبرون تخوم منزلنا، جاءوا حاملين هدايا غريبة ورائعة... زجاجات من اليونيكوم اللاذع، المشروب الكحولي الهنغاري ذي المذاق القوي الشبيه بالأدوية، وكتل من الجبن البارميجاني المجلوب من مزارع عائلية في إيطاليا. حلي منزلية. وفي إحدى المرات استضفنا طاهياً سورياً مختصاً بالبانكيك. وضع مقلاته في مطبخنا وأعد وليمة من الكريب والفطائر».
إن بدا كل ذلك نزوعاً اجتماعياً (هو كذلك بالتأكيد بالنسبة لي)، فإنه لا يعني أن «مرحباً أيها الغريب» يدعو إلى الحد الأقصى من الاختلاط الاجتماعي في كل الأوقات. بل إن بكنغهام يعترف أنه أثناء إقامته في قرية إندونيسية، حيث يعيش الناس حياة اجتماعية وعامة كان يحن أحياناً إلى سكينة الفندق وعزلته. كما أنه صارع لكي يتكيف مع الضيافة المهيمنة التي واجهها في باكستان، وفي تعلم كيف يكون «ضيفاً طيباً».
استضافة الغرباء ليست مجرد غيرية. من الممكن أن تكون مسألة التزام، احترام، وكرامة. يتذكر بكنغهام لاجئاً إيرانياً اسمه رحيم، كان بكنغهام معلماً له في مادة حول الكتابة في ليستر. دعاه رحيم إلى بيته لتناول الشاي وفرش له مائدة من المؤكد أنها أضرت بإمكاناته المتواضعة. وفي حين خرج بكنغهام غير مرتاح في البدء لقبوله تلك الوليمة، علم أن «القدرة على القيام بدور المضيف ربما ساعده على بناء شعور بإنسانيته وقوة في وجه عالم بالغ القسوة».
لكن هناك حدود. حتى في أكثر تقاليد الضيافة تعقيداً، كما في الجزيرة العربية ومنغوليا، على الضيف واجبات أيضاً، ليس في قبول الطعام والمأوى بطريقة مناسبة فحسب، وإنما أيضاً في المغادرة في الوقت الصحيح وبالطريقة الصحيحة. ينطوي الانفتاح دائماً على المخاطر والثقة. ليس من المصادفة أن تكون رموز الضيافة مرتبطة غالباً برموز الشرف التي تحكم على أولئك الذين يخالفونها بأسوأ المصائر. ربما يمتد رمز «الكانون» الألباني الشمالي إلى أكثر من 3000 سنة، لكنه لا يزال يفرض سيطرته. يقتضي الشرف أن يتنازل المضيفون عن أسرتهم وأفضل طعامهم لمن يزورونهم. لكن حين يهان ذلك الشرف فإنه يؤدي إلى صراعات دموية قد تمتد لأجيال.
يحتفي كتاب «مرحباً أيها الغريب» بالمدني مثلما يحتفي بالريفي. حتى في المناطق الحضرية من تشينغدو، يجد بكنغهام في نهاية المطاف «بيتاً» ضمن شوارعها المكتظة بالبهجة. في الوقت نفسه، يؤدي الخطو المتسارع للتحول المدني إلى عزل أولئك المتخلفين عنه. أحب بكنغهام الفترة التي قضاها يعمل في يانغون وشارع الثقافة النابض الذي أحاط به في بورما. غير أن جارته التي يفترض أن تشترك معه في الباحة لم تتظاهر فقط بأنه لم يكن موجوداً، بل إن من المحتمل أنها فوق ذلك مسؤولة عن ترك إناء من «أبِن»، وهو نوع من الطين السحري الأسود اللزج، على عتبة بابه. يقر هو بأنها قد تكون محقة في عدم الثقة به، وذلك لأنه كان جزءاً من موجة من النزوع للاختلاف التي كانت تجتاح الحي والتي كانت هي مستَبعَدة عنها.
العيش مع الغرباء ليس سهلاً إذن. مع كل المتع الناجمة عن الاجتماع التي يصفها هذا الكتاب بحيوية، فإنه ليس مجرد مديح لدعوة الناس إلى العشاء.
ومع ذلك، فإن بكنغهام وإن بدا حذراً، فإنه في الواقع لا يناقش الصعوبات المترتبة على التواصل (أونلاين). وفي حين توجد على الشبكة تقاليد ترحيبية (تطبيق «كاوتشسيرفينغ» مثلاً، مع أنه حتى هنا ليس المكون الرقمي سوى البداية) فقد رأيت العديد من الناس يمزقون أنفسهم على شبكات التواصل لكي لا يشعروا أن الإنترنت تستدعي خوفنا من الآخرين أكثر من استدعائها سعينا إليهم.
شعرت أيضاً أن بكنغهام لم يعرف تماماً ما يفعل تجاه الوباء. في النص لا توجد سوى إشارات قليلة إليه، إلى جانب ملاحظة للمؤلف في نهاية الكتاب. هنا يتحدث عن ألوان القلق في حياته في بلد مثل بلغاريا تخرج من الحجْر، قبل أن يؤكد بثقة أن «الأوبئة تأتي وتذهب... فقط إن استطعنا أن نتمسك... بحاجتنا، بعضنا لبعض، عندئذٍ – حين تمر العاصفة - نكون مهيئين لفتح أبوابنا، لاستعادة التواصل، للعناق والمضي في بناء عالم مشترك يستحق العيش فيه».
ذلك شيء يستحق التمسك به فعلاً، لكن كما يعترف المؤلف نفسه، المرض أيضاً إحدى النتائج الحتمية للرغبة الإنسانية في العيش مع الغرباء. وقد أدهشتني الكيفية التي صارت بها إحدى النقاط البارزة في الكتاب – وهي وصف الكاتب لمتع مطاعم الطبخ الحار في تشينغدو – وصفاً أيضاً للحالات المثالية لانتشار الوباء. الطبخ السيشواني متعة مشتركة، فوضوية ومليئة بالضجيج، ظهرت في ثقافة تعلي من شأن الاحتشاد الحميم. الفيروسات تزدهر في أوضاع من التداخل الاجتماعي المفرط كتلك. لقد انتشر «كوفيد» من ووهان، وهي مدينة صينية ضخمة، ووجد بيئته الأكثر ترحيباً في المجتمعات التي يعيش فيها الناس في حشود اجتماعية.
لذلك نعم، الأوبئة تأتي وتذهب، ومع ذلك يظل الإنسان مدمناً للتجمع. لكننا اليوم نُمطَر كما لم يحدث من قبل بمعرفة مفصلة حول الثمن الذي تتقاضاه حياة كتلك. إن كان ثمة نهاية لهذا الوباء، فإن الصدمة التي نتجت عنه ستظل معنا في المستقبل. لذا فإن كان «مرحباً أيها الغريب» تأملاً جميلاً لمتع وآلام العالم الذي يحن الكثيرون منا للعودة إليه، فقد يكون مرثية لعالم سنفتقد لبعض الوقت.

* مراجعة لكتاب «مرحباً أيها الغريب» لـوِل بكنغهام (الغارديان)



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.