حيدر العبد الله: لا أستطيع حمل حصان امرئ القيس على كاهلي

الشاعر السعودي يقول إنه قد يكون «سيّاب» الهايكو العربي

حيدر العبد الله
حيدر العبد الله
TT

حيدر العبد الله: لا أستطيع حمل حصان امرئ القيس على كاهلي

حيدر العبد الله
حيدر العبد الله

شارك الشاعر السعودي حيدر العبدالله في آخر أمسيات الشعر بمعرض الرياض الدولي للكتاب. ويتميز العبدالله بأنه منفتح على مختلف التجارب الشعرية، يكشف عنها مشروعه المميز في ترجمة أعمال الشاعر الأميركي بيلي كولينز إلى اللغة العربية، ومشروعه الطموح في تقديم صياغة عربية لقصيدة «الهايكو» بعد أن وجد خلال البحث والتجربة خمسة بحور شعرية خليلية على الأقل، يمكنها، بتطويع بسيط، استضافة الهايكو ذي السبعة عشر مقطعاً صوتياً، ما يسمح بـ«كتابة الهايكو بإيقاع عربي خالص».
حيدر العبدالله كان أصغر شاعر عربي وأول شاعر سعودي يحصل على لقب وبردة أمير الشعراء بأبوظبي (عام 2015)، إضافة إلى حصوله على لقب وبردة شاعر شباب عكاظ عام 2013.

(*) دعنا نبدأ من أمسيتك في معرض الرياض الدولي للكتاب، اختاروا لها عنوان: «أمراء الشعر»... هل يطربك لقب «عرش الإمارة» وأنت في ريعان الشباب؟
- لنقل إن القصيدة نوعان: قصيدة «أميرة» وقصيدة «فقيرة». ولكن كلما أدركت القصيدة فقرها توسعت رقعة إمارتها. وفي المقابل؛ كلما تأمّرت القصيدة وتكبرت، زاد في الميزان فقرها. فالقصائد تُؤمَّر ولا تتأمَّر. يُؤمِّرها شعورها الدائم بالترابية، ويمرّغها في التراب تأمُّرها. لا أجد القصيدة متكئة على أرائك المخمل لابسة ثياب الحرير وشاربة في كؤوس الفضة. ليس هذا ما يراد لها وليس هذا مكانها الطبيعي أبداً. نعم للألقاب نشوتها وللجوائز والتنويهات لحظتها، ولكن لحظة الكتابة والتجلي تعيش في الشوارع والأزقة، وتجلس على الأرض والحصير وتلبس ما يلبس الناس وتأكل مما يأكلون. وبصراحة، لم أكن لأوافق على عنوان الأمسية لو كان لي فيه يد، ليس استهانة بنفسي وصاحبيّ الشاعرين العزيزين سلطان السبهان وسلطان الضيط، ولكن لأن نصوص الشاعر أولى بتقديمه وتزكيته من ديباجة الأوسمة والألقاب. ليس لهذا فحسب، فالمعرض يضج أيضاً بأمسيات شعرية أخرى تسبق أمسيتنا وتتلوها، لشعراء سعوديين وعرب يكبروننا عمراً وتجربة، ولذلك فأنا متنازل عن هذه الصفة احتراماً لهم، وأختار أن ألبي دعوة الشعر، شاعراً مجرداً من الألقاب.

- شاعر من القمة
(*) لكنك بالفعل بدأت من القمة حين حصلت على بردة ولقب شاعر شباب عكاظ عام 2013. ولقب أمير الشعراء عام 2015...
- لا شك حالفني الحظ، وربما الموهبة، ولكن الحظ والموهبة لا يمثلان شيئاً ذا بال ما لم تعضدهما تجربة إنسانية ناضجة وعميقة. لتلك النجاحات وسواها شعور مؤقت بالنشوة، وشعور دائم بالمسؤولية وخطورة الموقف.
(*) هل يتعين على الشاعر أن يكون «مشاءً» أم «عـداءً»، كما عبرت مرة؟
- نعم، قلت مرة إن الشاعر المشاء خير وأفضل عند الكتابة من الشاعر العداء. فالأدب هو عصارة التجربة الإنسانية، التي لا يمكن لها أن تتكثف وتتبلور تحت الأضواء وداخل مضامير السباق. يحتاج الشاعر إلى التوقف أكثر من المضيّ قدماً، إلى البطء أكثر من السرعة، وإلى الإصغاء والتأمل أكثر من الكتابة والقول.
حين كنت صغيراً كانت أمي تحضر لنا وجبة فاخرة تسمى «المطموم». تشعل أمي النار في كرب النخيل، حتى إذا تحول جمراً ورماداً، دفنت به القدر في حفرة، وصبرت عليه الساعة والساعتين والثلاث حتى يستوي اللحم، فإذا بالغداء المنتظر ينبعث لنا من تحت الرماد كما تنبعث العنقاء.
ولكن المايكرويف أفسد علينا لذة المطموم، وأخذ منا الصبر والأناة. ومع تسارع وتيرة الحياة، خسرنا الإحساس بقيمة الأشياء. وليت كل قصيدة وجبة مطموم، وجولة مشي حر.
(*) أنت متفاعل شعرياً مع الجمهور عبر منصات التواصل... هل وفرت لك تلك المنصات جمهوراً افتراضياً؟
- للأمانة، لم أكن حتى وقت قريب متفاعلاً على منصات التواصل الاجتماعي، ولكني أدركت أخيراً أهمية العودة إليها، ليس بالضرورة عودة الشاعر إلى منبره، بل عودة الإنسان إلى سربه. ربما تظلم منصات التواصل القصيدة أكثر مما تنصفها، فضآلة المساحة، وسهولة النشر، وأزمة التلقي السريع، كلها تفسد على القصيدة، وسواها من الأشكال الأدبية، خلوتها بك، وبالآخر. سابقاً كان الشاعر يتردد ألف مرة قبل أن يعتمد نصاً في ديوان سيطبعه أو في جريدة ستنشره له.
أما الآن فالشعراء ينشرون مسوداتهم دون مبالاة، لأن التلقي السريع يستدرج الكتابة السريعة، والعكس صحيح. ولكن لمنصات التواصل أهمية بالغة على الصعيد الاجتماعي، فمن المؤلم أن ينساك الناس، وأن تنسى كيف تتواصل معهم.
(*) ماذا أردت أن تقول لمحمود دوريش في قصيدتك «ترجل يا حصان»؟
- أردت أن أقول له إنني لا أستطيع حمل هذا الحصان العربي على كاهلي. الحصان الذي سرقناه من امرئ القيس ذات معلقة. والحصان الذي تركتَه أنت وحيداً. هذا الحصان بكل ما يحمله من فروسية خائبة، وتراث بطولي أثقله وأرسله إلى الشيخوخة المبكرة، يفترض أن يقلّني بدل أن أقلّه. أقول له، لست ساعي بريد لك.
وقبل أن أغادره، أقول له كلمة أخيرة، إن سلالة الشعر العربي، لن تتوقف عندك يا محمود درويش، لأنها لم تتوقف قبلك عند امرئ القيس، ففي الأفق شعراء يمكنهم التمرد على أبوتك وسلطة نصك، وأنا أحدهم.

- الهايكو عربياً
(*) لديك مشروع كتابي جديد... حدثنا عنه.
- أعمل على كتابة أطروحة جادة وأصيلة تعيد التأسيس والتقعيد لقصيدة «الهايكو» العربية. فالهايكو منذ دخلت إلى وعينا العربي عبر الشاعر السوري الراحل محمد عضيمة في ستينات القرن الماضي، لم تنجح في الوصول إلى نجاح ومستوى الهايكو الياباني أو حتى نظيره الإنجليزي. فقصيدة الهايكو التي تكتب بالعربية اليوم قصيدة خُنثى، لا تمت إلى الهايكو الأصلي بصلة، فضلاً عن قطيعتها مع تراثنا اللغوي والطبيعي. سأحاول من خلال هذا المشروع الضخم، تطويع الخصائص اللغوية والجغرافية العربية في كتابة هايكو عربي يتمتع بالموسيقى ويذوب في الطبيعة العربية، بما يتماهى مع يقظة الزن وخفة الهايكو، عبر كتاب تنظيري، وأمثلة تطبيقية. وآمل أن ينجز المشروع قبل النسخة المقبلة من معرض الرياض الدولي للكتاب.
(*) كيف يمكننا أن نتحدث عن «هايكو» عربي بسمات وأوزان مختلفة عن نسخته اليابانية؟
- شعر الهايكو الياباني هو في الأصل شعر موزون على الطريقة اليابانية، ومن العيب والعبث كتابة الهايكو باللغة العربية على شكل نصوص نثرية، بالنظر إلى الترسانة الموسيقية العربية، التي تعد من أقوى وأنجع الأنظمة الشعرية بين اللغات كلها. وقد وجدت خلال البحث والتجربة خمسة بحور شعرية خليلية على الأقل، يمكنها، بتطويع بسيط، استضافة الهايكو ذي السبعة عشر مقطعاً صوتياً، ما يسمح بكتابة الهايكو بإيقاع عربي خالص. هل أكون «سيّاب» الهايكو العربي؟ ربما. ولم لا؟ ولكن الميزان الإيقاعي ليس شرط الهايكو الوحيد، فثمة شروط أخرى أكثر جوهرية تتعلق بالمضمون، كاجتراح الطبيعة، وتوظيف الفصول الأربعة، ونسيان الذات بحثاً عن الموضوعية، والتقشف البلاغي التام، وغيرها.
(*) هل تعتقد أن هذه التجربة تنجح في الشعر العربي الميّال للرمزية؟
- غاية الهايكو الأسمى هي التخفف من الغلالة المجازية، وتكريس البساطة، للدخول في حالة تأمل نقية أشبه بالنرفانا. فالهايكو ليست قصيدة قصيرة الهيكل فحسب، إنها قصيدة شفافة وغير مثقلة بإكليل البلاغة والمحسنات البديعية، والرمز والأسطورة.
وهذا ما يشكل التحدي الأكبر لفحولة القصيدة العربية، وعرامتها. الهايكو ثوب من نسيج واحد، في مقابل ثوب القصيدة العربية الموشى ذي الأنسجة المتعددة. ولكن لحظة الشعر العالمية المعاصرة، تحتم علينا مجاراتها. على الشاعر العربي خوض تجربة الهايكو، كتمرين على الأقل، وكاختبار لصدق وشجاعة تجربته الإنسانية، حين تتعرى قصيدته من دروع اللغة السميكة.
(*) لديك كذلك، مشروع لترجمة أعمال الشاعر الأميركي بيلي كولينز إلى اللغة العربية، الذي تقول إنك تعلمتَ منه «أنـه لا يوجـد فـي الحيـاة شـيء تافـه»... حدثنا أولاً عن هذا المشروع... وهل حقاً أنه لا يوجد في هذه الحياة شيء تافه، وأنت ترى كيف تطوقنا التفاهة من كل مكان؟
- يعلمنا بيلي كولينز مهارة الإصغاء إلى التفاصيل، وتحويل الهامش إلى متن، وهو بذلك يتماس مع عمق الحياة البشرية وأدق شؤونها، لأن إحدى فضائل الشعر الأهم هي القدرة على إعادة صهر التوافه وتحويلها إلى تحف ذات قيمة. أما التفاهة التي تطوقنا من كل مكان، فهي نتاج وعينا اللاشعري لما حولنا. واسمح لي أن أهديكم ترجمتي لإحدى قصائد بيلي كولينز، التي آمل أن توضح ما أعنيه.

- الكراسي التي لا يجلس عليها أحد
تراها في الشرفات أو على العشب جوار البحيرة في الأسفل، منسقة بشكل ثنائي عادة، إيحاءً بزوجين قد يجلسان هناك ويتأملان الماء أو شجرات الظل العملاقة. المشكلة هي أنك لا ترى أحداً على الإطلاق يجلس في تلك الكراسي المهجورة لا بد أنها، ولو لمرة، بدت مكاناً جيداً للتوقف برهة والقيام بلا شيء.
أحياناً، ثمة طاولة صغيرة بين الكرسيين، حيث لا كأس تستريح وحيث لا يضع أحد كتاباً مقلوباً على وجهه.
ربما لا يخصني هذا الأمر برمته، ولكن دعنا نفترض لو أن أولئك الذين وضعوا تلك الكراسي الخاوية في شرفة أو على مرفأ لو أنهم يوماً جلسوا عليها فقط من أجل استحضار الشيء الذي ظنوا أنه يستحق المشاهدة من كرسيين جنباً إلى جنب مع طاولة بينهما.
الغيوم مرتفعة وكثيفة ذلك اليوم المرأة تصرف نظرها من كتابها إلى السماء والرجل يأخذ رشفة من شرابه.
ثم لا صوت سوى صوت نظراتهما، وهدير ماء البحيرة وصيحة طائر ما، ثم آخر صيحتي بهجة أم صيحتا نذير - كفيلةٌ بتمضية الوقت... هذه الحَيرة.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.