حيدر العبد الله: لا أستطيع حمل حصان امرئ القيس على كاهلي

حيدر العبد الله: لا أستطيع حمل حصان امرئ القيس على كاهلي

الشاعر السعودي يقول إنه قد يكون «سيّاب» الهايكو العربي
الأحد - 4 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 10 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [ 15657]
حيدر العبد الله

شارك الشاعر السعودي حيدر العبدالله في آخر أمسيات الشعر بمعرض الرياض الدولي للكتاب. ويتميز العبدالله بأنه منفتح على مختلف التجارب الشعرية، يكشف عنها مشروعه المميز في ترجمة أعمال الشاعر الأميركي بيلي كولينز إلى اللغة العربية، ومشروعه الطموح في تقديم صياغة عربية لقصيدة «الهايكو» بعد أن وجد خلال البحث والتجربة خمسة بحور شعرية خليلية على الأقل، يمكنها، بتطويع بسيط، استضافة الهايكو ذي السبعة عشر مقطعاً صوتياً، ما يسمح بـ«كتابة الهايكو بإيقاع عربي خالص».

حيدر العبدالله كان أصغر شاعر عربي وأول شاعر سعودي يحصل على لقب وبردة أمير الشعراء بأبوظبي (عام 2015)، إضافة إلى حصوله على لقب وبردة شاعر شباب عكاظ عام 2013.


(*) دعنا نبدأ من أمسيتك في معرض الرياض الدولي للكتاب، اختاروا لها عنوان: «أمراء الشعر»... هل يطربك لقب «عرش الإمارة» وأنت في ريعان الشباب؟

- لنقل إن القصيدة نوعان: قصيدة «أميرة» وقصيدة «فقيرة». ولكن كلما أدركت القصيدة فقرها توسعت رقعة إمارتها. وفي المقابل؛ كلما تأمّرت القصيدة وتكبرت، زاد في الميزان فقرها. فالقصائد تُؤمَّر ولا تتأمَّر. يُؤمِّرها شعورها الدائم بالترابية، ويمرّغها في التراب تأمُّرها. لا أجد القصيدة متكئة على أرائك المخمل لابسة ثياب الحرير وشاربة في كؤوس الفضة. ليس هذا ما يراد لها وليس هذا مكانها الطبيعي أبداً. نعم للألقاب نشوتها وللجوائز والتنويهات لحظتها، ولكن لحظة الكتابة والتجلي تعيش في الشوارع والأزقة، وتجلس على الأرض والحصير وتلبس ما يلبس الناس وتأكل مما يأكلون. وبصراحة، لم أكن لأوافق على عنوان الأمسية لو كان لي فيه يد، ليس استهانة بنفسي وصاحبيّ الشاعرين العزيزين سلطان السبهان وسلطان الضيط، ولكن لأن نصوص الشاعر أولى بتقديمه وتزكيته من ديباجة الأوسمة والألقاب. ليس لهذا فحسب، فالمعرض يضج أيضاً بأمسيات شعرية أخرى تسبق أمسيتنا وتتلوها، لشعراء سعوديين وعرب يكبروننا عمراً وتجربة، ولذلك فأنا متنازل عن هذه الصفة احتراماً لهم، وأختار أن ألبي دعوة الشعر، شاعراً مجرداً من الألقاب.


- شاعر من القمة

(*) لكنك بالفعل بدأت من القمة حين حصلت على بردة ولقب شاعر شباب عكاظ عام 2013. ولقب أمير الشعراء عام 2015...

- لا شك حالفني الحظ، وربما الموهبة، ولكن الحظ والموهبة لا يمثلان شيئاً ذا بال ما لم تعضدهما تجربة إنسانية ناضجة وعميقة. لتلك النجاحات وسواها شعور مؤقت بالنشوة، وشعور دائم بالمسؤولية وخطورة الموقف.

(*) هل يتعين على الشاعر أن يكون «مشاءً» أم «عـداءً»، كما عبرت مرة؟

- نعم، قلت مرة إن الشاعر المشاء خير وأفضل عند الكتابة من الشاعر العداء. فالأدب هو عصارة التجربة الإنسانية، التي لا يمكن لها أن تتكثف وتتبلور تحت الأضواء وداخل مضامير السباق. يحتاج الشاعر إلى التوقف أكثر من المضيّ قدماً، إلى البطء أكثر من السرعة، وإلى الإصغاء والتأمل أكثر من الكتابة والقول.

حين كنت صغيراً كانت أمي تحضر لنا وجبة فاخرة تسمى «المطموم». تشعل أمي النار في كرب النخيل، حتى إذا تحول جمراً ورماداً، دفنت به القدر في حفرة، وصبرت عليه الساعة والساعتين والثلاث حتى يستوي اللحم، فإذا بالغداء المنتظر ينبعث لنا من تحت الرماد كما تنبعث العنقاء.

ولكن المايكرويف أفسد علينا لذة المطموم، وأخذ منا الصبر والأناة. ومع تسارع وتيرة الحياة، خسرنا الإحساس بقيمة الأشياء. وليت كل قصيدة وجبة مطموم، وجولة مشي حر.

(*) أنت متفاعل شعرياً مع الجمهور عبر منصات التواصل... هل وفرت لك تلك المنصات جمهوراً افتراضياً؟

- للأمانة، لم أكن حتى وقت قريب متفاعلاً على منصات التواصل الاجتماعي، ولكني أدركت أخيراً أهمية العودة إليها، ليس بالضرورة عودة الشاعر إلى منبره، بل عودة الإنسان إلى سربه. ربما تظلم منصات التواصل القصيدة أكثر مما تنصفها، فضآلة المساحة، وسهولة النشر، وأزمة التلقي السريع، كلها تفسد على القصيدة، وسواها من الأشكال الأدبية، خلوتها بك، وبالآخر. سابقاً كان الشاعر يتردد ألف مرة قبل أن يعتمد نصاً في ديوان سيطبعه أو في جريدة ستنشره له.

أما الآن فالشعراء ينشرون مسوداتهم دون مبالاة، لأن التلقي السريع يستدرج الكتابة السريعة، والعكس صحيح. ولكن لمنصات التواصل أهمية بالغة على الصعيد الاجتماعي، فمن المؤلم أن ينساك الناس، وأن تنسى كيف تتواصل معهم.

(*) ماذا أردت أن تقول لمحمود دوريش في قصيدتك «ترجل يا حصان»؟

- أردت أن أقول له إنني لا أستطيع حمل هذا الحصان العربي على كاهلي. الحصان الذي سرقناه من امرئ القيس ذات معلقة. والحصان الذي تركتَه أنت وحيداً. هذا الحصان بكل ما يحمله من فروسية خائبة، وتراث بطولي أثقله وأرسله إلى الشيخوخة المبكرة، يفترض أن يقلّني بدل أن أقلّه. أقول له، لست ساعي بريد لك.

وقبل أن أغادره، أقول له كلمة أخيرة، إن سلالة الشعر العربي، لن تتوقف عندك يا محمود درويش، لأنها لم تتوقف قبلك عند امرئ القيس، ففي الأفق شعراء يمكنهم التمرد على أبوتك وسلطة نصك، وأنا أحدهم.


- الهايكو عربياً

(*) لديك مشروع كتابي جديد... حدثنا عنه.

- أعمل على كتابة أطروحة جادة وأصيلة تعيد التأسيس والتقعيد لقصيدة «الهايكو» العربية. فالهايكو منذ دخلت إلى وعينا العربي عبر الشاعر السوري الراحل محمد عضيمة في ستينات القرن الماضي، لم تنجح في الوصول إلى نجاح ومستوى الهايكو الياباني أو حتى نظيره الإنجليزي. فقصيدة الهايكو التي تكتب بالعربية اليوم قصيدة خُنثى، لا تمت إلى الهايكو الأصلي بصلة، فضلاً عن قطيعتها مع تراثنا اللغوي والطبيعي. سأحاول من خلال هذا المشروع الضخم، تطويع الخصائص اللغوية والجغرافية العربية في كتابة هايكو عربي يتمتع بالموسيقى ويذوب في الطبيعة العربية، بما يتماهى مع يقظة الزن وخفة الهايكو، عبر كتاب تنظيري، وأمثلة تطبيقية. وآمل أن ينجز المشروع قبل النسخة المقبلة من معرض الرياض الدولي للكتاب.

(*) كيف يمكننا أن نتحدث عن «هايكو» عربي بسمات وأوزان مختلفة عن نسخته اليابانية؟

- شعر الهايكو الياباني هو في الأصل شعر موزون على الطريقة اليابانية، ومن العيب والعبث كتابة الهايكو باللغة العربية على شكل نصوص نثرية، بالنظر إلى الترسانة الموسيقية العربية، التي تعد من أقوى وأنجع الأنظمة الشعرية بين اللغات كلها. وقد وجدت خلال البحث والتجربة خمسة بحور شعرية خليلية على الأقل، يمكنها، بتطويع بسيط، استضافة الهايكو ذي السبعة عشر مقطعاً صوتياً، ما يسمح بكتابة الهايكو بإيقاع عربي خالص. هل أكون «سيّاب» الهايكو العربي؟ ربما. ولم لا؟ ولكن الميزان الإيقاعي ليس شرط الهايكو الوحيد، فثمة شروط أخرى أكثر جوهرية تتعلق بالمضمون، كاجتراح الطبيعة، وتوظيف الفصول الأربعة، ونسيان الذات بحثاً عن الموضوعية، والتقشف البلاغي التام، وغيرها.

(*) هل تعتقد أن هذه التجربة تنجح في الشعر العربي الميّال للرمزية؟

- غاية الهايكو الأسمى هي التخفف من الغلالة المجازية، وتكريس البساطة، للدخول في حالة تأمل نقية أشبه بالنرفانا. فالهايكو ليست قصيدة قصيرة الهيكل فحسب، إنها قصيدة شفافة وغير مثقلة بإكليل البلاغة والمحسنات البديعية، والرمز والأسطورة.

وهذا ما يشكل التحدي الأكبر لفحولة القصيدة العربية، وعرامتها. الهايكو ثوب من نسيج واحد، في مقابل ثوب القصيدة العربية الموشى ذي الأنسجة المتعددة. ولكن لحظة الشعر العالمية المعاصرة، تحتم علينا مجاراتها. على الشاعر العربي خوض تجربة الهايكو، كتمرين على الأقل، وكاختبار لصدق وشجاعة تجربته الإنسانية، حين تتعرى قصيدته من دروع اللغة السميكة.

(*) لديك كذلك، مشروع لترجمة أعمال الشاعر الأميركي بيلي كولينز إلى اللغة العربية، الذي تقول إنك تعلمتَ منه «أنـه لا يوجـد فـي الحيـاة شـيء تافـه»... حدثنا أولاً عن هذا المشروع... وهل حقاً أنه لا يوجد في هذه الحياة شيء تافه، وأنت ترى كيف تطوقنا التفاهة من كل مكان؟

- يعلمنا بيلي كولينز مهارة الإصغاء إلى التفاصيل، وتحويل الهامش إلى متن، وهو بذلك يتماس مع عمق الحياة البشرية وأدق شؤونها، لأن إحدى فضائل الشعر الأهم هي القدرة على إعادة صهر التوافه وتحويلها إلى تحف ذات قيمة. أما التفاهة التي تطوقنا من كل مكان، فهي نتاج وعينا اللاشعري لما حولنا. واسمح لي أن أهديكم ترجمتي لإحدى قصائد بيلي كولينز، التي آمل أن توضح ما أعنيه.


- الكراسي التي لا يجلس عليها أحد

تراها في الشرفات أو على العشب جوار البحيرة في الأسفل، منسقة بشكل ثنائي عادة، إيحاءً بزوجين قد يجلسان هناك ويتأملان الماء أو شجرات الظل العملاقة. المشكلة هي أنك لا ترى أحداً على الإطلاق يجلس في تلك الكراسي المهجورة لا بد أنها، ولو لمرة، بدت مكاناً جيداً للتوقف برهة والقيام بلا شيء.

أحياناً، ثمة طاولة صغيرة بين الكرسيين، حيث لا كأس تستريح وحيث لا يضع أحد كتاباً مقلوباً على وجهه.

ربما لا يخصني هذا الأمر برمته، ولكن دعنا نفترض لو أن أولئك الذين وضعوا تلك الكراسي الخاوية في شرفة أو على مرفأ لو أنهم يوماً جلسوا عليها فقط من أجل استحضار الشيء الذي ظنوا أنه يستحق المشاهدة من كرسيين جنباً إلى جنب مع طاولة بينهما.

الغيوم مرتفعة وكثيفة ذلك اليوم المرأة تصرف نظرها من كتابها إلى السماء والرجل يأخذ رشفة من شرابه.

ثم لا صوت سوى صوت نظراتهما، وهدير ماء البحيرة وصيحة طائر ما، ثم آخر صيحتي بهجة أم صيحتا نذير - كفيلةٌ بتمضية الوقت... هذه الحَيرة.


السعودية Art

اختيارات المحرر

فيديو