«الترويكا» الغربية تدعم حكومة حمدوك لحل أزمة شرق السودان

إغلاق الطرق والميناء يهدد بخنق اقتصاد البلاد... واتهامات للمكوّن العسكري بالتمهيد لانقلاب أبيض

سائقو شاحنات قرب بورتسودان بعد إغلاق الطرق المؤدية للميناء مما سبب أزمات في السلع الأساسية (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات قرب بورتسودان بعد إغلاق الطرق المؤدية للميناء مما سبب أزمات في السلع الأساسية (أ.ف.ب)
TT

«الترويكا» الغربية تدعم حكومة حمدوك لحل أزمة شرق السودان

سائقو شاحنات قرب بورتسودان بعد إغلاق الطرق المؤدية للميناء مما سبب أزمات في السلع الأساسية (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات قرب بورتسودان بعد إغلاق الطرق المؤدية للميناء مما سبب أزمات في السلع الأساسية (أ.ف.ب)

أعلنت دول الترويكا الغربية (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، النرويج) دعمها الكامل للحكومة المدنية في السودان، لوضع حد لإغلاق الطرق والموانئ في شرق البلاد، ونوهت لخطورة إغلاق الميناء وخنق اقتصاد البلاد ومواطنيها، في آخر تطورات مشهد الأزمة الشاملة التي تجتاح الإقليم منذ نحو شهر. وفي هذا الإطار نقلت تقارير صحافية أن وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي، تقوم بزيارة لمدينة بورتسودان للالتقاء بالمجموعة المحتجة لإيجاد حل لمطالب الإقليم.
ومنذ الجمعة 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، نفذ أنصار الزعيم الأهلي محمد محمد الأمين ترك، الذي يعمل تحت مسمى «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة»، عملية إغلاق كاملة لشرق السودان، شملت الطريق البرية الرابطة بين موانئ البلاد على البحر الأحمر وبقية أنحاء القطر، فضلاً عن إغلاق الموانئ، وإغلاق مطار بورتسودان، ووقف صادر نفط دولة جنوب السودان، الذي أعيد فتح الأنبوب الناقل إثر وساطة حكومية.
وظل شرق البلاد وموانيه مغلقة طوال هذه الفترة، ما تسبب في أزمةٍ وشحٍ في السلع الرئيسية مثل الدواء والخبز، وبدأت تطل من جديد صفوف (طوابير) المواطنين أمام المخابز، وعادت أسعار السلع للارتفاع بشكل مضطرد، بعد استقرار نسبي شهدته خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وهو ما قالت عنه الحكومة المدنية في بيان: «استمرار عملية إغلاق الميناء والطريق القومية، سيؤدي لانعدام تام للسلع، والتأثير الكبير على توليد وإمداد الكهرباء بالبلاد، وكل ذلك يرقى لأن يكون جريمة في حق ملايين المواطنين، ويزيد من معاناة شعبنا».
وقالت مجموعة «الترويكا» الغربية التي ترعى عملية السلام في السودان، في بيان نشرته السفارة الأميركية في الخرطوم على صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، أمس، إن المجموعة انضمت للحكومة الانتقالية - التي يقودها المدنيون - في الدعوة إلى إنهاء الحصار المستمر للموانئ والبنية التحتية للنقل في شرق السودان، ودعت القادة السياسيين في شرق السودان لقبول العرض الحكومي لمعالجة مظالمهم عبر حوار سياسي، عوضاً عن الاستمرار في عمل لا يؤدي إلا للإضرار بالاقتصاد الوطني.
وتعهدت دول «الترويكا» بالشراكة مع الحكومة الانتقالية بقيادة مدنية، بمواصلة العمل لمواجهة تحديات التنمية التي تواجه سكان شرق السودان، ومع اعترف المجموعة بأن القضية داخلية، لكنها حثت المجتمع الدولي على تقديم الدعم الكامل لجهود الحكومة السودانية لحل المشكلة، وإنهاء الحصار المستمر.
ونقلت تقارير صحافية أن وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي، التي تزور الشرق حالياً، لأداء واجب عزاء في أحد رموز التصوف في السودان، ينتظر أن تلتقي الزعيم القبلي محمد محمد أحمد الأمين ترك، وأن تبحث معه فك المتاريس عن الطرقات والميناء، فيما نقلت تقارير صحافية، أمس، تطوراً جديداً لمطالب الشرق، تمثلت في اشتراط الناظر ترك لفتح الميناء والطرقات إلغاء الجمارك كلياً عن السلع الواردة.
وبدأت مطالب المجموعة القبلية التي يقودها ناظر قبيلة «الهدندوة» محمد محمد أحمد الأمين ترك، بإلغاء ما عرف في اتفاقية سلام جوبا بـ«مسار شرق السودان»، قبل أن تطورها إلى المطالبة بحل الحكومة المدنية وتكوين حكومة كفاءات مستقلة، وحل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران) 1989، ورفضت التعامل مع المدنيين، واشترطت أن يكون تعاملها مع «المكون العسكري» في الشراكة الانتقالية وحده، بل وأعلن مشاركون في الأحداث حظر مسؤولين ووزراء، على رأسهم وزير وزارة مجلس الوزراء من زيارة شرق السودان، وفي آخر تطوراتها أن شرق السودان ربما يعلن من طرف واحد «دولته المستقلة».
وتتجه الاتهامات للمكون العسكري في الحكومة الانتقالية، على وجه التحديد لرئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، بدعم المجموعة القبلية، ويقول نشطاء وسياسيون إن الإغلاق يتسق مع سياسات يتبعها الرجل لتوفير أجواء تسهل عملية «انقلاب أبيض» على الحكومة المدنية.
وقال عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان، في تصريحات صحافية أعقبت الأزمة التي تلت المحاولة الانقلابية الفاشلة، إن وزارة الداخلية طلبت الإذن لاتخاذ إجراءات استباقية للحيلولة دون إغلاق شرق البلاد، لكن المقترح لقي رفضاً قاطعاً من البرهان، الذي طلب الانتظار لحين بدء المجموعة إغلاق الطرق.
ويتهم مواطنون ونشطاء سياسيون، المكون العسكري، الذي تخضع له أجهزة الضبط واحتكار العنف من شرطة وأمن وجيش، بالتواطؤ مع المجموعة القبلية وأنصار نظام الإسلاميين، لخلق حالة من الفوضى تمكنهم من تمرير مخططهم باستبدال حاضنة جديدة تتبع لهم بالمرجعية السياسية للحكومة الانتقالية، ويعتبرون قطع الطرق الرئيسية وإغلاق الموانئ والمطارات بمثابة جريمة ضد الدولة، تأخرت - أو تواطأت - السلطات الأمنية في وقفها.
وشرق السودان من أكثر المناطق التي ظلت طوال تاريخ البلاد تعاني التهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وشهدت نتيجة لذلك العديد من الأنشطة التي تطالب بحقوق المواطنين، بما في ذلك حمل السلاح وشن الحرب على حكومة نظام الرئيس المعزول عمر البشير، التي وقعت اتفاقية مع مقاتلي شرق البلاد في العاصمة الإرتيرية أسمرا عام 2006.
وقضت اتفاقية شرق السودان بتخصيص ما أطلق عليه «صندوق تنمية شرق السودان»، الذي دعمته الصناديق العربية بأكثر من ملياري دولار، لكنها ذهبت لشبكات الفساد ولم يستفد الإقليم منها شيئاً، وفي اتفاقية جوبا لسلام السودان الموقعة في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أفرد لشرق السودان وضع خاص عرف بـ«مسار شرق السودان»، يقوده مشاركون في تحالف «الجبهة الثورية» التي وقعت الاتفاقية مع حكومة السودان، وهو ما ترفضه مجموعة ترك.
وأدت «الصراعات القبلية» في الإقليم لإقالة والي (حاكم) كسلا التابعة للشرق، الذي يتكون من ثلاث ولايات (البحر الأحمر، كسلا، القضارف)، حيث رفضته مجموعة «ترك»، وكادت تحدث اشتباكات عرقية بين المجموعة التي يقودها والمجموعة الأخرى التي يتحدر منها الوالي والمجموعات الحليفة، ما اضطر رئيس الوزراء لإقالة الوالي قبل تسلمه مهام منصبه، وهو السيناريو ذاته الذي ترفض به المجموعة ذاتها «مسار شرق السودان».
ويتساكن في شرق البلاد عدد من المجموعات السكانية والثقافية المعروفة بـ«بجا»، من بينهم «هدندوة، بشاريين، بني عامر، أمرار، حباب»، وغيرهم من مجموعات سكان الإقليم الأصلية بجانب أعداد كبيرة من المهاجرين للإقليم من أنحاء البلاد المختلفة، ويقود الناظر ترك القسم الأكبر من قبيلة «هدندوة»، بينما يقود ناظر آخر الجزء المتبقي من القبيلة، وهم الذين يقودون عملية الإغلاق الذي ترفضه المجموعات الأخرى، أو تسكت عليه.
وفشلت الجهود الحكومية والمدنية لتلافي الأزمة، بينما ظلت تتزايد وترتفع مطالب مجموعة «ترك» باضطراد، لكن لجنة حكومية بقيادة عضو مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي، أفلحت في إقناعه بإعادة فتح أنابيب البترول، التي كان يخشى أن يؤدي استمرار إغلاقها لتدمير بنية نقل النفط عبر الأنابيب كاملة.
ويقود رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، جهوداً حثيثة للوصول لحل سياسي عبر الحوار لـ«معضلة الإغلاق»، لكن جهوده لا تزال تصطدم بممانعة المكون العسكري في مجلس السيادة، الذي دأب على القول إن حق التظاهر ووضع المتاريس منهج استنه ثوار ديسمبر (كانون الأول)، وأن القوات الأمنية لن تواجه من يقومون بتتريس الطرقات بالقوة، خشية تحميلهم المسؤولية القانونية عما يمكن أن ينتج عن ذلك، بل وبعض التلميحات تشير إلى أقوال ساخرة تصدر عن بعضهم من قبيل «هذه هي المدنية التي تريدون».
وفي آخر تطورات المشهد، اجتمعت لجنة وزارية مكونة من رئيس الوزراء وعدد من وزرائه برئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، لوضع حل للمعضلة، وذكر تعميم صحافي صدر من مجلس الوزراء الخميس، إنها هدفت للوصول لاتفاق بين مكونات الحكومة الانتقالية على كيفية مواجهة أزمة شرق البلاد، في وقت تتواصل فيه حالة التوتر بين المدنيين والعسكريين في الشراكة الحاكمة للفترة الانتقالية، التي أعقب الملاسنات والاتهامات التي أدت لقطع التواصل بين الطرفين، ما جعل من الوصول لحلول عاجلة للقضايا الخلافية يزداد صعوبة بمضي الوقت، فإلى جانب إغلاق الشرق، فإن الحكومة في الخرطوم نفسها مغلقة، وهو ما أشار إليه عضو مجلس سيادة بأن «مشكلة الشرق تقبع هنا في القصر الرئاسي بالخرطوم».



الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.