علي جواد الطاهر وجهوده في التأريخ للأدب في المملكة

علي جواد الطاهر وجهوده في التأريخ للأدب في المملكة
TT

علي جواد الطاهر وجهوده في التأريخ للأدب في المملكة

علي جواد الطاهر وجهوده في التأريخ للأدب في المملكة

أثرى الناقد العراقي الدكتور علي جواد الطاهر (رحمه الله) المكتبة العربية بعدد من المؤلفات، ففيها تحقيق لكتب التراث، وفيها دراسات في تاريخ الأدب العربي: قديمه وحديثه، وفيها نقد للشعر، ونقد للقصة والرواية، وعروض للكتب، واستدراكات عليها، وكان له حضور قوي في معظم المطبوعات العربية، ومنها السعودية: كاتباً للمقالة بأنواعها المختلفة، ولم تكن صلته بالدول العربية كاتباً فقط في مطبوعاتها، بل أُتيح له التدريس في بعض الجامعات العربية، وفي المقدّمة جامعة الرياض- جامعة الملك سعود التي قضى فيها خمس سنوات كانت ثريّة كل الثراء، إذْ اطلع بشكل ممتاز على الكتاب السعودي، وخاصة الأدبي منه، وتعرف على عدد من أبرز الأدباء السعوديين، وعندما عاد إلى بلده (العراق) تولدت لديه فكرة رصد المطبوعات السعودية والترجمة للمؤلفين السعوديين، فكانت البداية في مجلة «العرب» لصاحبها الشيخ حمد الجاسر (رحمه الله) في حلقات في المدة من المحرّم 1391هـ وحتى ذي القعدة 1402هـ، وبلغت الحلقات ستاً وخمسين حلقة، ثم حوّل الحلقات إلى كتاب عنوانه «معجم المطبوعات العربية: المملكة العربية السعودية»، وصدر في طبعته الأولى عام 1405هـ - 1985م، ثم صدرت طبعته الثانية عام 1418هـ - 1997م بتغيير يسير في العنوان، إذْ أصبح «معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية».

الطاهر في السعودية
انتقل الدكتور علي جواد الطاهر إلى المملكة العربية السعودية عام1383هـ - 1963م أستاذاً بكلية الآداب بالرياض التابعة لجامعة الرياض - الملك سعود حتى عام 1388هـ - 1968م، ثم عاد إلى بغداد أستاذاً بجامعتها حتى عام 1981م، وهو العام الذي أُحيل فيه على التقاعد، ومن تلاميذه في كلية الآداب بالرياض: يحيى ساعاتي (يحيى محمود بن جنيد)، ومحمد حسن باكلا، وعبد العزيز الهلابي، وفؤاد سندي، وغيرهم.
وقد روى الدكتور علي القاسمي في كتابه «طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات» قصة قدوم الدكتور علي جواد الطاهر وبعض من زملائه العراقيين إلى المملكة العربية السعودية، إذ وقع انقلاب عسكري عام 1963م في العراق، فأقدمت الحكومة الجديدة على فصل عدد من أساتذة الجامعة الذين عدّتهم «من المناوئين لها أو من اليساريين، وكان معظمهم في طليعة علماء العراق وأدبائه وفنانيه مثل الأساتذة الدكاترة: محمد مهدي المخزومي، وخالد الجادر، وعلي جواد الطاهر، وشاكر خصباك، وغيرهم».
وكان خصباك زميلاً للدكتور عبد العزيز الخويطر في أثناء الدراسات العليا في لندن، فلما تولى الخويطر إدارة جامعة الرياض كتب إليه خصباك يُخبره بأنه بلا عمل بعد أن فصلته الحكومة العراقية مع عدد من زملائه، فكتب الدكتور الخويطر «برقية يُعلمه فيها أن الحكومة السعودية قد أعطت تعليماتها إلى السفير السعودي في بغداد للتعاقد معه ومع جميع زملائه الأساتذة المفصولين للتدريس في جامعة الرياض».
وقد أتاحت له إقامته في الرياض مدة ست سنوات أن يبني علاقات قوية مع بعض الأدباء والمثقفين، وامتدت الصلة معهم بعد عودته إلى العراق، ومن أبرزهم: حمد الجاسر، وعبد العزيز الرفاعي، وعبد العزيز الخويطر، ومنصور الحازمي، وأحمد الضبيب، وغيرهم.
وأثمرت هذه الصلة مقالات وبحوثاً عديدة كتبها الدكتور علي جواد الطاهر في مجلات سعودية، وفي المقدمة: مجلة العرب، ومجلة المنهل، ومجلة الفيصل، وعالم الكتب، ويكفي أن نعرف أن مادة كتابه الضخم «معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية» نشرت في مجلة العرب، ومادة كتابه «وأنت تقرأ» نشرت في مجلة الفيصل.
ولم تنقطع صلة الدكتور الطاهر بعد عودته إلى العراق بطلابه وزملائه ومحبيه، فإضافة إلى صلته كاتباً في المجلات السعودية، ظل على تواصل مع بعض طلابه، وفي المقدمة يحيى محمود بن جنيد إذ نشأت بينهما مراسلات مدة طويلة، ويحتفظ جنيد بعدد كبير منها مؤرّخة في المدة من 1390 - 1414هـ (1970 - 1994م)، وفيها يطلب ملحوظات على ما ينشر من حلقات ضمن معجم المطبوعات، وعلى الطبعة الأولى منه عندما صدرت الحلقات في كتاب، ويطلب بعض الكتب التي صدرت، ويطرح بعض المقترحات بشأن مجلة عالم الكتب، ويسأل عن تلاميذه وزملائه من الأساتذة، ويعرض خدماته لتأمين بعض الكتب العراقية.

آراء الدكتور علي جواد الطاهر
في الأدب السعودي
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في مجلدين بعنوان «معجم المطبوعات العربية: المملكة العربية السعودية»، وتولت المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت والمكتبة العالمية في بغداد طباعته في عام 1405هـ - 1985م.
ويكشف الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه «معجم المطبوعات» بدء صلته بالأدب في المملكة العربية السعودية إذ اشترى في عام 1944م بعد انتهاء دراسته الثانوية كتاب «أدب الحجاز» لمحمد سرور الصبّان، وهذا الكتاب هو أول كتاب يصدر في الدولة السعودية، وكان صدوره عام 1344هـ، وسبب انتشاره ووصوله إلى العراق إلى أنه «من مطبوعات مصر، وما يُطبع فيها (يسهل توزيعه ووصوله إلى الأماكن النائية)».
ثم كانت الصلة الأقوى والأعمق حين تعاقدت معه جامعة الملك سعود في المدة من 1383 - 1388هـ (1963 - 1968م) أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب، فقاده العشق والحب لهذا الأدب أن يطلع على كل كتاب يتصل به بسبب في مكتبة الجامعة وفي المكتبة العامة السعودية في دخنة، ثم شراء من المكتبات التجارية، وإهداء من بعض المؤلفين.
وعندما عاد إلى العراق، تجدّدت الصلة بالأدباء السعوديين، إذ عُقد مؤتمر الأدباء العرب السابع عام (1389هـ - 1969م) في بغداد، ومثّل المملكة وفد يتكوّن من أدباء بارزين، وهم: حسن القرشي وعبد الله بن خميس وعبد العزيز الرفاعي.
وبالنظر إلى المعجم نجد أن آراءه في الأدب السعودي متناثرة وغير مرتّبة، إذ تأتي عرضاً في مقدماته المطوّلة، أو في الخاتمة، أو في أثناء الترجمة لهذا الأديب أو ذاك، والسبب أن غرض تأليف المعجم هو رصد ما صدر من مطبوعات سعودية في العلوم كافة، وليس في الأدب وحده.
ولو كان هذا المعجم من تأليف مختص بعلم المكتبات والمعلومات فقط، لاقتصر على الغرض الأساس، ولم نجد أي جوانب نقدية في العمل، ولكن الطاهر هو في المقام الأول ناقد وأستاذ جامعي متخصص في الأدب والنقد وقارئ متذوق للنصوص، ومن هنا ظفرنا بعدد من الآراء المهمة في الأدب السعودي متناثرة في «معجم المطبوعات»؛ وذلك يُعلي شأنه ويعطيه قيمة مضاعفة، إذ جمع بين العمل الوراقي (الببليوغرافي) والممارسة النقدية.
وأول ما يمكن التوقف عنده، بعض الأحكام العامة على الأدب السعودي، وأهمها وصف ما اطلع عليه من نصوص مقالية منشورة في الصحف السعودية بأنها انعكاس حسن للصحافة المصرية؛ ولعله تجنب أن يقول: «تقليد للصحافة المصرية»، وأضاف: «أدباء السعودية شأن غيرهم من الأقطار العربية الأخرى تلاميذ للصحافة المصرية بوجه وآخر، وهم متأثرون شأن من سواهم بالمهجر عموماً وبجبران خصوصاً، وقد غلب في الأيام الأخيرة المضمون على الفن في الأداء». وهذا الحكم يصدق على النصوص المبكّرة جداً المنشورة في أدب الحجاز (1344هـ)، وعلى بعض النصوص المنشورة في وحي الصحراء (1355هـ)، وفي غيرهما من الكتب، في حين استقلت المقالة تماماً على يدي هؤلاء فيما بعد نصوص البدايات، ويمكننا الوقوف على رد الأستاذ عبد العزيز الرفاعي على الدكتور بكري شيخ أمين في هذا الصدد، ونشره الطاهر نفسه في معجمه، يقول الرفاعي: «تأثر الأدب السعودي من حيث هو بالأدب المصري وبالأدب المهجري، وكان هناك دور تقليدهما الذي مرّ بالأدب السعودي في بعض مراحله مضافاً إلى ذلك تأثره بالأدب الشامي...، ولكن هذه المرحلة اختفت من أقلام الرعيل الأول واستقامت لهم أساليبهم الخاصة وتميزت المقالة السعودية بشخصية خاصة يدركها الباحث المدقّق، وإن كانت لا تبعد عن المقالة في البلاد العربية».
كما خصّ الطاهر الكتب المبكّرة التي حوت نصوصاً وتراجم للأدباء السعوديين، أو صدرت لأدباء الرعيل الأول بحديث وتقويم لأثرها ونقد لبعض جوانب التأليف فيها مثل: أدب الحجاز، وخواطر مصرّحة، ووحي الصحراء، والتيّارات الأدبية، وشعراء نجد المعاصرون، والموسوعة الأدبية، وغيرها.
وقد وصف كتاب «أدب الحجاز» لمحمد سرور الصبّان بأن له «خطراً كبيراً وأهمية بالغة»، وأن ما ورد فيه «من شعر ونثر وثيقة لا يُستهان بها، ومن ثمّ فهو منطلق في أي دراسة للفكر الحجازي خصوصاً، وللفكر السعودي عموماً».
وتوقف عند كتاب محمد حسن عوّاد «خواطر مصرّحة» الصادر عام 1345هـ، وقال: إن العوّاد فاجأ «مجتمعه بكتاب نثري فكري أشبه بالثورة على القديم والدعوة إلى الجديد وحريّة الفكر».
ووصف كتاب «وحي الصحراء» الصادر عام 1355هـ-1937م بأنه «يعكس الروح المتوثبة في أدباء الحجاز للنهضة والتقدم والإصلاح»، وأنه «مصدر أساسي لا غنى عنه لباحث، أو محب الاطلاع في الأدب الحجازي - السعودي»، ولكنه انتقد عنوان الكتاب، وحاول تعليل التسمية فقال: «سُمّي (وحي الصحراء)، وليس فيه شيء عن الصحراء، وإنما هو لحجازيين من مكة وجدة والمدينة...؛ ولعل المؤلفيْن اختارا الاسم لما تقترن به الجزيرة العربية عادة من الصحراء».
وأثنى الطاهر على كتاب «التيارات الأدبية في قلب جزيرة العرب» لعبد الله عبد الجبار الصادر عام 1959م، وأبدى ملحوظة عليه، فقال عنه: «دراسة رصينة، ولكنها متشعبة واسعة شملت نواحي عديدة، فهو تاريخ وأدب وجغرافية وفكر وسياسة ونفط وكل شيء، الكتاب قيّم، وقيّم جداً في بابه».
واقترح على عبد الله بن إدريس مؤلف كتاب «شعراء نجد المعاصرون» الصادر عام 1380هـ - 1960م أن يُعيد طباعته «بعد إجراء ما جدّ له من معلومات وآراء ومختارات»، وأخذ عليه خلو الكتاب من ترجمة لعبد الله بن خميس ومقبل العيسى.
وأخذ على عبد السلام طاهر الساسي في «الموسوعة الأدبية» الصادرة عام 1388هـ - 1968م أن بعض تراجمه هي في الأساس نقول من الكتب المتقدمة مثل «وحي الصحراء»، وليس فيها إضافة عنها.

* أستاذ الأدب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية اللغة العربية بالرياض، قسم الأدب. والمقال مقتطفات من ورقة ألقاها أمس في «معرض الرياض الدولي للكتاب» بالعنوان نفسه



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.