نجلاء بودن رمضان... أول رئيسة حكومة عربية

أستاذة جامعية وإدارية تونسية «في خدمة الدولة»

نجلاء بودن رمضان... أول رئيسة حكومة عربية
TT

نجلاء بودن رمضان... أول رئيسة حكومة عربية

نجلاء بودن رمضان... أول رئيسة حكومة عربية

فاجأ الرئيس التونسي قيس سعيد غالبية المراقبين داخل تونس وخارجها بتعيين امرأة في الـ63 من عمرها رئيسة جديدة للحكومة بعد أكثر من شهرين من الجدل والصراعات، في أعقاب إبعاد حكومة هشام المشيشي وحل البرلمان وتعليق العمل بأغلب فصول الدستور بحجة تعرض البلاد لـ«خطر داهم». وكانت المفاجأة الثانية أن نجلاء بودن رمضان التي عُينت في هذا المنصب لم تكن ضمن قائمة المرشحات له، رغم تأكيد تقارير إعلامية كثيرة منذ شهرين أن «الخلف» المحتمل للمشيشي قد يكون سيدة. إذ توقع كثيرون أن تكون رئيسة الحكومة المقبلة الوزيرة نادية عكاشة، مديرة مكتب الرئيس وكبيرة مستشاريه في قصر قرطاج. وفي مطلق الأحوال، لم يكن يُعرف عن بودن الانخراط في الصفوف الأولى للحياة السياسية والشأن العام طوال مسيرتها العلمية والهندسية في المدرسة العليا للمهندسين، ثم منذ تعيينها في 2006 على رأس مسؤوليات في وزارة التعليم العالي.
بخلاف الغالبية الساحقة من رؤساء الحكومات الذين تداولوا على المنصب في تونس، منذ استقلال البلاد عن فرنسا في مارس (آذار) 1956، لا تنحدر نجلاء بودن رمضان من محافظات «الساحل» أو من العاصمة تونس، إذ إنها من أصيلات مدينة القيروان العريقة، العاصمة الأولى للبلاد ولكامل شمال أفريقيا والأندلس إبان العهدين الأموي والعباسي الأول.
وإذا تلتقي نجلاء بودن مع رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي في كونها من أبناء الجهات الداخلية «المهمشة» مثل محافظات القيروان وسليانة وجندوبة، فإنها تختلف عنه اجتماعياً، كونها تنحدر من واحدة من أعرق وأغنى العائلات السابقة في القيروان، التي هاجرت إلى العاصمة أو إلى مدن منطقة «الساحل» التي ينحدر منها الرئيسان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي ومعظم وزرائهما.
ومن ناحية أخرى، بودن أصيلة «قلب مدينة القيروان التاريخية، داخل الأسوار التاريخية، وليست من بنات أريافها الفقيرة أو أحيائها الشعبية». ثم إنها من عائلة حضرية ميسورة الحال نسبياً وليست من بنات القبائل والوافدين الذين أصبحوا غالبية السكان في المدينة وضواحيها بعدما توسعت أرجاؤها وتضاعف عدد سكانها عشرات المرات بفعل النزوح والهجرة. وأيضاً على المستوى الأسري، تزوجت نجلاء بودن بطبيب أصيل مدينة المهدية الساحلية السياحية، 180 كلم جنوبي العاصمة تونس، من عائلة رمضان.
- خريجة جامعات فرنسا
تعد نجلاء بودن واحدة من خريجات «مدرسة الزعيم الحبيب بورقيبة والدولة الحديثة»، عندما كان النجاح في المدارس العمومية شرطاً للدخول إلى جامعات العاصمة تونس والحصول على منحة دراسة في جامعة أوروبية. وبالفعل كانت نجلاء بودن واحدة من أبرز طالبات تونس المتألقات في «المدارس العليا الكبرى» الفرنسية للهندسة وعلوم المناجم بعد فوزها بمرتبة متقدمة في «المدارس التحضيرية لدخول كبرى الجامعات الفرنسية». ومن ثم، تخرجت نجلاء بالإجازة في الهندسة ثم حازت درجة الدكتوراه عام 1987 من جامعة فرنسية مرموقة متخصصة في علوم المناجم هي «الإيكول دي مين دو باريس».
هذه المؤهلات العلمية، إلى جانب الخبرة في الجامعات الفرنسية، أهلت بودن لأن تعين أستاذة في «المدرسة الوطنية للمهندسين» في «المركب الجامعي» الكبير في جامعة العاصمة تونس، وهي واحدة من جامعات النخبة في البلاد. ولقد حافظت الدكتورة بودن على موقعيها الأكاديمي والعلمي حتى 2006، وهو تاريخ تكليفها لأول مرة بمهمة إدارية وتعليمية بصفة مستشارة في ديوان وزير التعليم العالي وقتها والقيادي في الحزب الحاكم العميد الأزهر بوعون.
- مسؤولة «مخضرمة»
تابعت نجلاء بودن التدريس في المدرسة العليا للمهندسين المختصين في علوم المناجم والزلازل والمتغيرات الجغرافية، في الوقت الذي حافظت طوال السنوات الـ15 الماضية على منصب مستشارة بامتيازات مدير مركزي، أو مدير عام، مع كل وزراء التعليم العالي الذين تعاقبوا على الوزارة منذ عام 2006، بدءاً من عميدي كلية الحقوق السابقين الأزهر بوعون (2006 - 2010) والبشير التكاري (2010 - 2011). وأيضاً، بعد «ثورة يناير (كانون الثاني)» على حكم الرئيس بن علي 2011، وإسناد الحقيبة إلى وزراء من المعارضة السابقة بينهم أحمد إبراهيم، الزعيم السابق للحزب الشيوعي (حزب «التجديد» و«المسار» لاحقاً)، والمهندس المنصف بن سالم، القيادي في حزب «حركة النهضة» الإسلامي، والخبير التقني المستقل شهاب بودن، الذي يحمل اسمها العائلي نفسه وهو مثلها من مدينة القيروان وتخرج في جامعات فرنسية ثم عُين أستاذاً في «المدرسة الوطنية للمهندسين». ولقد عُين شهاب بودن وزيراً للتعليم العالي عام 2015 في الحكومة التي ترأسها المهندس الحبيب الصيد، وكانت في حينه ائتلافاً سياسياً بين حزبي «نداء تونس» بقيادة الباجي قائد السبسي و«حركة النهضة» بقيادة راشد الغنوشي وحزامهما البرلماني والسياسي.
في الواقع، تُعد نجلاء بودن من بين كوادر الدولة «المخضرمين» الذين تولوا مسؤوليات عليا في الدولة لسنوات عدة. وكلفت بملفات كثيرة للتعاون الدولي بين الوزارة ومؤسسات عالمية في عهد الوزيرة الحالية ألفة بن عودة صيود وسلفيها سليم خلبوص وتوفيق الجلاصي، اللذين عُينا بعد خروجهما من الوزارة في مؤسسات دولية خارج البلاد.
ولقد نوّه المؤرخ نور الدين الدقي، المدير العام السابق للتعليم العالي في الوزارة، خلال تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بالخبرة العلمية والأكاديمية لـ«بودن»، مشدداً على خبراتها ومستعرضاً مناصبها التي شغلتها بكفاءتها، مديرة للتدريب في مدرسة المهندسين في 2004، ثم نائبة مدير، فمديرة ثم مستشارة بامتيازات مدير عام في مكاتب عدد من الوزراء قبل «ثورة 2011» وبعدها.
- استقلالية عن الأحزاب
في المقابل، في حين شكك البعض في فرص نجاح رئيسة الحكومة المعينة في تأدية مهمتها بسبب استقلاليتها عن الأحزاب الكبرى والنقابات المتحكمة في المشهد السياسي بتونس، ناهيك عن مؤسسات الدولة منذ 2011، أثنى عدد كبير من الحقوقيين والناشطات السياسيات على استقلاليتها. بل رأى هؤلاء في هذه الاستقلالية الميزة و«الورقة الرابحة» التي راهن عليها الرئيس قيس سعيد المستقل بدوره عن كل الأحزاب عند اختيارها.
وفي هذا السياق، شبّهت كلثوم كنو، رئيسة جمعية القضاة السابقة، رئيسة الحكومة المعينة بالمستشارة الألمانية المودعة أنجيلا ميركل... مع التذكير بتشابه الأسماء والأحرف بين «نجلاء» و«أنجيلا»... وسارت في هذا المنحى عديد صفحات المواقع الاجتماعية التي أطلقت حملة «نجلاء التونسية تخلف أنجيلا الألمانية».
من جانب ثانٍ يجمع مؤيدو نجلاء بودن وخصومها على أن كفاءتها العلمية والمهنية وحيادها السياسي والحزبي واستقلاليتها حقائق تفسر وتؤكد نجاحها في مسيرتها الإدارية رغم التغيرات وإبعاد عدد من المسؤولين السابقين في الوزارة والدولة بعد 2011، وهنا تحدث شكري النفطي، المستشار السابق لوزير التعليم العالي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عن «السمعة الطيبة» التي تحظى بها نجلاء بودن وبما عُرفت به من «مثابرة في العمل صباحاً ومساءً»، وهو ما فسّر تكليفها برئاسة قطاعات استراتيجية في قطاعات التعليم العالي والبحث العلمي والتعاون الدولي، من بينها: «مراقبة الجودة» وتنفيذ مشاريع إصلاح التعليم العالي والشراكة مع المؤسسات الدولية كالبنك الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونيسكو»، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو»، وهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.
وفي الاتجاه ذاته، تكلم عدد من زملاء الرئيسة المعينة السابقين في ديوان وزارة التعليم العالي لـ«الشرق الأوسط»، منهم المدير العام للتعليم العالي نور الدين الدقي، ومدير عام ديوان قطاع الخدمات الجامعية سعيد بحيرة، وبالأخص، عن التزامها و«مثابرتها على العمل من دون كلل من الثامنة صباحاً إلى الثامنة مساءً».
- خبرة دولية
وفضلاً عما تقدم، ووفق شهادات عدد من الوزراء والمسؤولين السابقين في وزارة التعليم العالي ممن عملوا مع نجلاء بودن قبل مفصل 2011 وبعده، مما يميز رئيسة الحكومة المعينة إتقانها اللغات الأجنبية وبطلاقة، خاصة الفرنسية والإنجليزية، وهو ما أهّلها لأن تُعين على رأس قطاع العلاقات مع البنك الدولي والمؤسسات الأجنبية المعنية بالشراكة مع تونس في العديد من القطاعات مثل التربية والتعليم، والبحث العلمي، والتدريب. مع أن هذا الاختصاص دفع عدداً من خصومها ومعارضي تعيينها إلى شن حملة ضدها في المواقع الاجتماعية. كذلك، شنّت بعض المجموعات التي تصف نفسها بـ«المستقلة» حملة ضدها، متهمة إياها بسوء التصرف في منحة حصلت عليها الوزارة سابقاً من البنك الدولي قيمتها 60 مليون دولار أميركي (أي نحو 180 مليون دينار تونسي) بهدف تحسين مستوى التعليم والدراسات في جامعات تونس!
وذهب أشرف العيادي، رئيس منظمة «أنا يقظ»، غير الحكومية التونسية المدعومة مالياً من مؤسسات أميركية وأوروبية، إلى حد الكلام عن «وجود ملف تحقيق ضد نجلاء بودن» في تلميح عن «شبهة فساد» مزعومة. وكانت تقارير هذه المنظمة تسببت سابقاً في إسقاط حكومة إلياس الفخفاخ عام 2020 بعدما اتهمته بالتورط في «شبهة تضارب مصالح». وادعى العيادي أن رئيسة الحكومة المعينة شخصية «لقيت دعماً من قِبل السيدة الأولى حرم رئيس الجمهورية القاضية إشراف شبيل سعيد رغم معارضة محيط الرئيس». وأعرب عن «تخوفه» من أن يكون مصيرها مثل مصير رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي الذي عُزل بعد «الإجراءات الاستثنائية» التي قررها الرئيس التونسي يوم 25 يوليو (تموز) الماضي، رغم الدعم القوي الذي لقيه أول الأمر من قبل قصر قرطاج عند تعيينه وزيراً للداخلية، ثم رئيساً للحكومة.
- وزيرة أم رئيسة حكومة؟
في المقابل، إلى جانب تنويه عدد من خصوم الرئيس سعيد وأنصاره بقراره تعيين نجلاء بودن على رأس الحكومة، فإنهم تساءلوا عما إذا كان سيسمح لها بأن تلعب دور «رئيس الحكومة» حسب الصلاحيات التي ينص عليها دستور البلاد الصادر في 2014، أم ستكون مجرد «وزيرة أولى» في «فريق حكومي» يرأسه رئيس الجمهورية شخصياً، حسب المرسوم 117 الذي أصدره يوم 22 سبتمبر (أيلول) الماضي.
إذ قال وليد الجلاد، البرلماني والقيادي في حزب «تحيا تونس»، إن رئيسة الحكومة المعينة «شخصية جامعية محترمة سبق أن كرمها من قبل الرئيس الأسبق الباجي قائد السبسي»، لكنه استطرد قائلاً: «... ولكن لا بد من التراجع عن المرسوم 117 الذي جعل من رئيس الدولة رئيساً فعليا للحكومة، وألغى الفصل بين السلطات والسلطة الرقابية للسلطة التشريعية المنتخبة على الحكومة والسلطة التنفيذية». كذلك رحب غازي الشواشي، زعيم حزب «التيار الديمقراطي» المعارض، بتعيين امرأة رئيسة للحكومة، ولكن مع مطالبة الرئيس سعيد بالتراجع عن المرسوم 117 وعن كل القرارات التي ألغت دور البرلمان والمؤسسات المنتخبة والدستور.
وفي المقابل، مع ثناء الوزير السابق والقيادي المنشق عن «حركة النهضة» سمير ديلو على مبدأ تعيين امرأة على رأس الحكومة، فإنه أعرب عن «أسفه» لأن هذه الخطوة جاءت في مرحلة تواجه فيها كل مؤسسات الدولة أزمة شرعية قانونية ودستورية «داخلياً وخارجيا» منذ القرارات الرئاسية الصادرة يوم 22 سبتمبر الماضي.
هذا، بينما وقع عشرات من أعضاء البرلمان الذي علق الرئيس التونسي أشغاله، لوائح تطالب بـ«استئناف العمل البرلماني والمسار الديمقراطي» في رد على هذه القرارات، رحّب أعضاء في الكونغرس الأميركي وسياسيون أوروبيون بارزون بتعيين بودن. إلا أن هؤلاء اعتبروا في تصريحات جديدة أن نجاحها مشروط بمعالجة الملفات الاقتصادية الاجتماعية المتراكمة وبأن تكون الحكومة «خاضعة لرقابة مؤسسة تشريعية منتخبة». فهل يؤدي تعيين حكومة نجلاء بودن إلى إخراج تونس من أزمتها... أم يعمق الأزمات المتراكمة منذ سنوات؟



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.