وزير الثقافة العراقي لـ «الشرق الأوسط»: نخطط لشراكات حقيقية مع السعودية

أكد أن الثقافة هي المظلة الكبرى التي تجمع البلدان العربية

وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي
وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي
TT

وزير الثقافة العراقي لـ «الشرق الأوسط»: نخطط لشراكات حقيقية مع السعودية

وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي
وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي

قال وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي الدكتور حسن ناظم، إن مشاركة بلاده ضيف شرف معرض الرياض الدولي للكتاب هذا العام، تأتي في أجواء متنامية بين العراق والسعودية، وعمل دبلوماسي دؤوب لبناء شراكات حقيقية على مختلف المستويات. وقال ناظم، إن مشاركة العراق في معرض الرياض الدولي للكتاب «تأتي في ظرف استثنائي يعزز الشراكات بين البلدين ويعزز الصلات بين الثقافتين». وقال في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن العلاقات الدبلوماسية بين العراق ومحيطه العربي تمثل مرحلة جديدة من التواصل، مضيفاً أن «الثقافة العراقية مقبلة على ظروف نوعية تعيد صلاتها، خاصة بالثقافة العربية، حيث هي المظلة الكبرى التي تجمع البلدان العربية، والعراق باعتباره فاعلاً في هذه الثقافة عبر قرن من الزمان يعود الآن بوضع جديد في صلاته مع العالم العربي، ولا سيما مع السعودية».
كما أوضح وزير الثقافة العراقية، أن زيارة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، للعاصمة العراقية بغداد في أبريل (نيسان) 2019 كانت لها أصداء إيجابية رائعة لدى الأوساط العراقية، واصفاً الزيارة بأنها «غير تقليدية»، وكانت بداية لتعاون ثقافي حقيقي بين البلدين.
تحدث الوزير العراقي لـ«الشرق الأوسط» من واشنطن، حيث كان يحضر تسلم «لوح جلجامش» إحدى النفائس الاثرية التي تمّ تهريبها من العراق... وذلك قبيل افتتاح معرض الرياض الدولي للكتاب، حيث يشارك في فعالياته:

> كيف تصفون مشاركة العراق هذا العام في معرض الرياض الدول للكتاب؟
- مشاركة العراق هذا العام في معرض الرياض الدولي للكتاب، هي مشاركة حيوية وتأتي في ظروف استثنائية؛ فالعلاقات مع المملكة العربية السعودية تتصاعد وتتزايد على صُعد كثيرة في جانبها الثقافي وفي جانبها الاقتصادي. هذه المشاركة هي أيضاً تتويج لكل الجهود التي بذلتها المملكة والعراق من أجل استعادة هذه الصلات المحورية والأساسية بين البلدين. نحن نعلم أن الصلات الثقافية هي صلات أساسية لصياغة علاقات بين المجتمعات. وأنا أحسب أن الصلات الثقافية لم تنقطع أساساً لأن المثقفين والفنانين والأساتذة الجامعيين في كلا البلدين ظلوا يعملون في حقول الثقافة والفن، وبينهم صلات متواصلة. أنا عن نفسي لي علاقات مميزة في الوسط الأكاديمي السعودي والوسط الثقافي السعودي، وكانت لنا زيارات قبل هذه المشاركة في المعرض. إذن، تأتي مشاركة العراق في معرض الرياض الدولي للكتاب في ظرف استثنائي يعزز الشراكات بين البلدين ويعزز الصلات بين الثقافتين، ويعزز أيضاً الأنشطة الفنية، ويتيح مزيداً من الأعمال المشتركة في ضوء مذكرة التفاهم التي وُقّعت بين البلدين قبل فترة قريبة.
> ماذا يعني لكم هذا التواصل الثقافي بين البلدين... وبين التراث الثقافي والأدبي في كلا البلدين؟
- التواصل الثقافي بين البلدين هو أمرٌ حتمي؛ لأن البلدين ينطويان على ثقافة مشتركة، لسنا في حاجة إلى أدلة لإثبات هذه الصلات التراثية والتاريخية والثقافية. المملكة العربية السعودية والعراق بلدان متجاوران؛ هناك امتدادات ثقافية، وامتدادات أسريّة وعشائرية، وهناك تشارك في كثير من ظواهر الثقافة بين البلدين، وبالتالي ليس هناك غرابة في أن تجد سماتٍ مشتركة بين البلدين. الثقافة في المملكة العربية السعودية لها جذور في العراق على مستوى الشعر وعلى مستوى الأدب إجمالاً وحتى الفكر، وبالتالي العراق بوصفه بلداً أساسياً من أعمدة الثقافة العربية، يجد أيضاً له وجهاً في المملكة العربية السعودية، لنا تاريخ من أولئك الأساتذة الكبار الذين عملوا في المملكة منذ السبعينات، وما زالت إلى الآن تجاربهم في المملكة لها صدى مشهود، وأيضاً التأثير الثقافي للمثقفين السعوديين الذين أثروا الثقافة العربية، وتركوا تأثيراً في الثقافة العراقية. هذا التبادل والاشتراك هو أساس كبير لتطوير العلاقات بين البلدين.
> يحتفي معرض الرياض هذا العام برموز الأدب والفكر والفن العراقي، حيث يلتقي على ضفافه محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب مع علي جواد الطاهر، على إيقاع موسيقى نصير شمة، وأغاني سعدون جابر، وأطلال مدن «أور، بابل، النمرود»... كيف تقيّمون هذا الحضور العراقي الباذخ؟
- البرنامج الذي هيأه معرض الرياض الدولي للكتاب لجمهورية العراق بوصفها ضيف شرف على هذا المعرض، برنامج واسع وكريم ومنظّم، يشمل أماسي شعرية، وندوات فكرية، ومحاضرات؛ ولذلك فالوفد الكبير الذي نصطحبه معنا يضم مثقفين وفنانين وشعراء عراقيين لهم إسهامات. المعرض أيضاً احتفى بالراحلين من كبار الأدباء والنقاد العراقيين، مثل شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، وشاعر الحداثة الشعرية العربية بدر شاكر السياب، وأيضاً الناقد الكبير علي جواد الطاهر، الذي له خصوصية في المملكة العربية السعودية؛ لأنه قضى سنوات يدرس في الجامعات السعودية.هذا برنامج غني ويشمل الفنّ أيضاً بحضور الموسيقار نصير شمة وسعدون جابر، وهناك محاضرات عن الآثار في العراق... إذن، هناك شمولية في تنظيم الأنشطة العراقية، وهذه مناسبة لأن نشكر فريق العمل السعودي الذي بذل جهوداً كبيرة في متابعة وتنظيم المشاركة العراقية.

الثقافة عابرة للحدود

> كيف يمكن للثقافة والتراث أن يعيدا إحياء ما يجمع بين المملكة العربية والسعودية والعراق من أواصر؟
- الحقيقة، حتى في تلك السنوات التي وضعت فيها ظروف سياسية معينة حقبة من الانقطاع - للأسف – لم تتمكن أن تقطع الأواصر الثقافية... خاصة أن تلك الحقبة من الانقطاع لم تمثل انقطاعاً كاملاً على المستوى الثقافي والتراثي؛ المثقفون العراقيون والأساتذة الجامعيون في كلا البلدين كانوا على تواصل. لأن الحقول الفكرية والحقول النقدية وحقول الفلسفة والترجمة وعلم اللغة هي مستمرة لا تنقطع... الباحث في المملكة العربية السعودية يتطلع لإنتاج العرب جميعاً وليس العراق فقط، والباحث في العراق يتطلع إلى الإنتاج الثقافي والتراثي في المملكة وفي غيرها من البلدان العربية. فالحقيقة أن الثقافة عابرة للحدود، وليس شرطاً أن تتأثر بالظروف السياسية ومما تحتمه – أحياناً - من انقطاعات بين البلدان.
> هذا يضع مسؤولية إضافية على الثقافة والمثقفين؟
- نعم، أمام الثقافة مهمة أكبر الآن، في ضوء ملاءمة الظروف لاستعادة صلات أساسية بين الثقافة السعودية والثقافة العراقية. بالتأكيد، حقبة الانقطاع تؤثر بنحوٍ ما، لكن نحن الآن أمام حقبة فيها إقبال رائع، وفيها قرار سياسي شجاع، يؤسس إلى ترك الماضي وراءنا، والانطلاق في علاقات جديدة وعلى مستويات عديدة، ومن خلال المجلس التنسيقي السعودي – العراقي، الذي يمثل إطاراً للتعاون في مجالات متعددة، بينها الثقافة، والمذكرات التي وُقّعت بين البلدين؛ سنشهد في الحقبة المقبلة تلاحماً وتوطيداً للصلات الثقافية أكبر، وفيها بشائر خير لكلا الشعبين ولكل البلدين.
> كانت هناك زيارات متبادلة، بينكم وبين وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان... كيف تقيّمون التعاون الثقافي بين البلدين... وإلى أين يتجه؟
- وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، زار العراق قبل مدة، ورأى بعينيه أثر الثقافة العراقية، وزار شارع المتنبي - وكثيراً ما أشار إلى ذلك - وهو شارع «الأيقونة» للثقافة العراقية، وفي لقائي معه عبر برنامج «زووم» كان هناك تبادل للأفكار بأريحية عالية وبجوٍ إيجابي ورائع، خططنا فيه (الحوار) لمشاركتنا في هذا المعرض، وخططنا فيه للقيام بتنظيم أسابيع ثقافية وفنية في بغداد والرياض، وهناك انفتاح لدى وزير الثقافة على كل ما يمكن أن نفعله في هذه المدة وفي هذه الظروف، بمعنى آخر؛ إن الأساسات أقيمت، وإن العجلة تقدمت إلى الأمام، ولن يكون هناك حاجة إلى الالتفات إلى الوراء.
في العراق، نحن أيضاً في وزارة الثقافة والسياحة والآثار، لدينا رغبة وانفتاح شديدان على العمل مع الحاضنة العربية، ومع إخواننا العرب والبلدان العربية جميعاً، ناهيك عن العمل مع المملكة العربية السعودية؛ التي لها معنى كبير لحضورها في بلدنا، وصلاتها التاريخية بنا.
> ماذا بشأن معرض الكتاب؟
- في معرض الرياض للكتاب كان هناك عناية فائقة، وخاصة من الأمير بدر، بالجناح العراقي والأنشطة العراقية، للتخطيط لحضور ثقافي عراقي في معرض الرياض، واستثمار وجودنا كضيف شرف للمعرض، هناك أنشطة عديدة أخرى وعروض موسيقية ومحاضرات خاصة، وبرنامج واسع ولمسنا حسن التنظيم ودقته والتشجيع على طرح المزيد من الفعاليات... وقد أبدت وزارة الثقافة السعودية استعدادها لإقامتها خلال معرض الرياض الدولي للكتاب، وهذا أمر يدعو للبهجة والتفاؤل لمستقبل هذه العلاقات وتنميتها.
> هل هناك مشاريع ثقافية وأدبية وفنية عراقية - سعودية يجري تنفيذها الآن؟ وما هي المشاريع التي تدرسونها مع الجانب السعودي للسنوات المقبلة؟
- هناك عمل مشترك ضمن أعمال المجلس التنسيقي العراقي - السعودي، ففي الآثار هناك جهد مشترك لتسجيل «درب زبيدة» طريق الحج القديمة على لائحة التراث العالمي، أيضاً هناك مشتركات آثارية لهذا الامتداد الجغرافي والثقافي بين البلدين، كذلك هناك تفكير في وضع خطط لإنجاز مشروعات فنية، وعلى المستوى الثقافي كان هناك اتفاق مبدئي في إقامة أسابيع ثقافية وفنية في بغداد والرياض.
> كم عدد دور النشر العراقية والعناوين المشاركة في معرض الرياض للكتاب؟
- أعداد دور النشر العراقية في معرض الرياض الدولي للكتاب قد تبلغ 20 داراً، ضمنها الدور الحكومية لوزارة الثقافة والسياحة والآثار، وهي دار الشؤون الثقافية العامة المسؤولة عن طباعة الكتب، ودار المأمون للترجمة، ودار ثقافة الأطفال، ودار النشر الكردية، المسؤولة عن جسر وربط الثقافتين الكردية والعربية، إضافة إلى الهيئة العامة للآثار والتراث التي تشارك بإنتاجها من الكتب والمجلات، مثل مجلة «سومر» ذات الصيت الذائع وغيرها، وستبلغ العناوين التي تقدمها الدور العراقية في معرض الرياض ما يقرب من 500 عنوان.

آثار العراق

> أنتم حالياً في واشنطن بعد تسلم «لوح جلجامش» إحدى النفائس الاثرية التي تمّ تهريبها من العراق... هل لديكم إحصاء بهذه الآثار وأماكن وجودها؟
- فيما يتعلق بالآثار المنهوبة من العراق، فأعدادها كبيرة جداً. لا نتحدث هنا عن تلك الآثار التي سُرقت من المتحف العراقي، فهذه مسجلة، وهناك فيها إحصاء ووثائق، ونحن نلاحقها. استرددنا بعضاً منها، ونعمل على استرداد الباقي والهيئة العامة للآثار والتراث تساعدنا في ذلك، كما تساعدنا وزارة الخارجية العراقية، عبر صلاتها وسفاراتها في العالم. وأيضاً تساعدنا قوانين الدول الصديقة التي تمنع تهريب الآثار العراقية وتجرّم التعامل بها.
بقية الآثار المسروقة هي مسروقة نتيجة للنبش العشوائي في الأراضي العراقية. تعلم أن العراق يضم مساحة جغرافية كبيرة وفيه حضارات متنوعة عبر التاريخ، وأينما ذهبت وحفرت تجد آثاراً لحضارات آشور وحضارات بابل وسومر وأكد وكيش، وغيرها من الحضارات التي تعاقبت على العراق. فالعراق كله آثار وبالتالي تصعب السيطرة على أراضيه لا بالشرطة الآثارية ولا حتى بالتكنولوجيا، ونحن نتعرض إلى هجمات كثيرة في هذا الصدد، وهي خفّت الآن، وليست كما كانت مستعرة في الأيام الأولى بعد العام 2003، لكن الآن هناك سيطرة نوعاً ما على أراضينا.
> ما هي الجهود الإقليمية المبذولة لحماية الآثار في هذه المنطقة عموماً؟
- دعاني أوضح، أولاً على الصعيد العراقي المحلي، هناك وعي يتنامى الآن أكثر من السابق في مسألة معنى هذه الآثار ومعنى استردادها، حيث بدأ كثير من الذين حصلوا على بعض الآثار يعيدونها طوعاً إلى وزارة الثقافة والآثار. هذا الوعي ضروري أن ينتشر أيضاً في البلدان المجاورة. حيث شكلت البلدان المجاورة للعراق محطات لتهريب الآثار العراقية. تلك الآثار التي وصلت إلى الولايات المتحدة وإلى أوروبا لم تخرج من العراق مباشرة، بل ذهبت عبر بلدان الجوار؛ ولذلك نحن نهيب بهذه الدول التي هي دول صديقة وغيورة على تراث المنطقة أن تمنع تهريب الآثار، وأن تصدر قوانين تجرّم الاتجار بهذه الآثار؛ حفظاً لتراث المنطقة التي تضم تراثاً عظيماً، لا يقتصر على العراق فحسب، فكل هذه الدول كالسعودية وسوريا وتركيا وإيران غنية بالآثار، ومن الصالح للجميع أن يحافظوا عليها، وأن يصدروا قوانين تحول دون تسهيل عمليات تهريب وسرقة الآثار.
> برأيكم، متى ستكون مناطق الآثار العراقية جاهزة لاستقبال الزوار من مختلف العالم؟
- السياحة الأثرية في العراق لم تكن منتعشة في أي يوم من الأيام، ويجب أن نعترف بهذه الحقيقة! إذا أخذنا بالحسبان سياسات الديكتاتوريات قبل عام 2003 نجد الأنظمة المستبدة عموماً لا تشجع على السياحة؛ لأن نظرتها إلى السياح وإلى كل زائر هي نظرة مريبة، فالسياحة الآثارية لم تكن منتعشة في العراق قبل 2003، فقد كانت مقتصرة على الآثاريين الدارسين والمنقبين وعلى البعثات التنقيبية الأجنبية التي تأتي باتفاق مع الحكومة.
بعد التغيير وانفتاح البلد مرّ العراق بظروف أمنية، وبموجة عاتية من الإرهاب، هذه الأحداث خلقت بيئة غير آمنة للسياحة عموماً وليس فقط للسياحة الآثارية. لكن هناك تصميماً الآن بعد كل الإنجازات التي تحققت في القضاء على الإرهاب، وبعد توفير بيئة آمنة نسبياً، هناك عمل حثيث وهناك خطط لإنعاش السياحة الآثارية وعدم الاقتصار على البعثات التنقيبية وعلى الدارسين الآثاريين الأجانب... هناك تشجيع، خاصة بعد زيارة البابا لمحافظة «ذي قار» في الناصرية وزيارة «بيت إبراهيم» الذي يقع في المنطقة الأثرية المهمة (أور)، لدينا خطة لإنعاش السياحة الآثارية في العراق، وخاصة تلك الأماكن التي تمثل قدسية لبعض الديانات، وأيضاً الآثار في بابل وآشور التي دخلت لائحة التراث العالمي (اليونيسكو)... على الصعيد الاقتصادي، يلزمنا شيء من التعافي؛ لأن إنعاش المواقع السياحية يقتضي القيام بصيانات للمواقع الاثرية ويقتضي إقامة بنى تحتية في هذه المواقع لكي تكون في خدمة الزائرين والسائحين؛ ولذلك نحن نضع خطة لذلك - وإن شاء الله - يتعافى الاقتصاد فتتعافى معه السياحة الآثارية.

المشهد الثقافي

> بصفتكم أستاذاً وباحثاً وناقداً ومؤلفاً كيف تقيمون المشهد الثقافي في العراق؟
- أنا أرى أن الثقافة في العراق ما زالت منتجة وفاعلة، واعتقادي، أن الظواهر الثقافية في البلدان لا تنهار بانهيار الأنظمة السياسية. نعم، كانت هناك لدينا مشاكل ومعضلات وظروف عصيبة. بعد العام 2003 تعرّض البلد للغزو والاحتلال، فضلاً عن الصعوبات والتحديات التي خلفها النظام الديكتاتوري... وكل هذا بالتأكيد خلّف آثاراً على الثقافة العراقية وعلى إنتاجها... لكن أنا أقول إن الدول تنهار، والحضارات تنهار، والثقافة تستمر!
ما زال العراق ولّاداً للمثقفين والأساتذة الجامعيين، وما زالت المبادرات الفردية لدى مثقفينا موجودة هنا وهناك؛ مبادرات في الفكر والفن... كل ما هنالك نحن نحتاج إلى مزيد من البنى التحتية التي تؤهل المثقفين والفنانين للاستمرار في عملهم، ولدعم عملهم.
> تتحدثون عن توجه الحكومة نحو التواصل مع المحيط، كيف تعملون لتحقيق هذه الغاية؟
- نعم، المرحلة الراهنة ترسم مرحلة جديدة من التواصل مع المحيط والعالم، هي هذه الظروف التي نراها هذه الأيام، وخاصة عبر السنتين الأخيرتين، وهناك جهود تبذلها الحكومة العراقية التي أسمت العام الحالي بعام الدبلوماسية، هذا الانفتاح الذي تقوده الحكومة يمثل وجهة نظر جديدة في العلاقات مع دول الجوار الإقليمي، فعودة العراق إلى دوره الفاعل في المنطقة؛ كونه نقطة لقاء حتى للمتصارعين في الشرق الأوسط، والرحلات المكوكية التي تبذلها الحكومة بشخص رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، سواء رحلاته باتجاه المملكة العربية السعودية أو زياراته إلى الإمارات العربية المتحدة أو القمة الثلاثية مع الأردن ومصر، خلقت بيئة ملائمة جداً، ليس فقط لإنعاش الثقافة العراقية وإعادة صلتها بالعالم، بل بإنعاش بلادنا عموماً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي..
الثقافة العراقية مقبلة على ظروف نوعية تعيد صلاتها، خاصة بالثقافة العربية، حيث هي المظلة الكبرى التي تجمع البلدان العربية، والعراق باعتباره فاعلاً في هذه الثقافة عبر قرن من الزمان يعود الآن بوضع جديد في صلاته مع العالم العربي ولا سيما في البلدان العربية المجاورة وخاصة المملكة العربية السعودية.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».