سيدات لبنان يلجأن إلى الدراجات النارية لحل أزمة النقل

في إطار البحث عن وسائل بديلة في غياب المواصلات العامة

مشهد الطوابير الطويلة من السيارات يتكرر يومياً أمام محطات البنزين في لبنان (أ.ب)
مشهد الطوابير الطويلة من السيارات يتكرر يومياً أمام محطات البنزين في لبنان (أ.ب)
TT

سيدات لبنان يلجأن إلى الدراجات النارية لحل أزمة النقل

مشهد الطوابير الطويلة من السيارات يتكرر يومياً أمام محطات البنزين في لبنان (أ.ب)
مشهد الطوابير الطويلة من السيارات يتكرر يومياً أمام محطات البنزين في لبنان (أ.ب)

تنتقل اللبنانية لانا شحادة على دراجتها النارية الصغيرة كل صباح من منزلها الكائن في منطقة دوحة عرمون (جبل لبنان) متجهة إلى عملها في منطقة الحمرا في العاصمة بيروت. تحمل أغراضها في حقيبة تضعها على ظهرها، تعتمر خوذتها... وتنطلق.
وفي وقت يعيش فيه اللبنانيون أسوأ أزمة محروقات تشل البلاد، تمر لانا من أمام طوابير السيارات اللامتناهية من دون أن تكترث لزحمة السير الخانقة التي سببتها تلك الطوابير، ولا تخشى نفاد مادة البنزين من دراجتها، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها حتى الآن لم تضطر إلى التغيب عن عملها كمصممة غرافيك في إحدى الشركات بسبب تلك الأزمة التي تشل الوطن والمواطنين، على عكس زملائها.
ومؤخراً مع اشتداد أزمة المحروقات واضطرار اللبنانيين إلى الوقوف في «طوابير» أمام محطات البنزين للتمكن من تعبئة سياراتهم، ومع فقدان قيمة الليرة اللبنانية الكثير من قيمتها وارتفاع كلفة صيانة السيارات وكذلك تكلفة النقل العام، يبحث اللبنانيون عن وسائل بديلة تقلهم إلى أعمالهم وتقضي حاجاتهم اليومية من دون الاضطرار إلى دفع تكاليف باهظة تقضم رواتبهم التي أصبحت لا تكفي متطلباتهم الحياتية.
وكثرت في الآونة الأخيرة رؤية النساء يقدن دراجات نارية على اعتبار أنها وسيلة نقل سهلة وغير مكلفة.
وتروي لانا أنها بدأت بقيادة الدراجة النارية عقب احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أي مع بداية أزمة الدولار في لبنان، وتقول: «طالما أحببت الدراجة النارية لكن لم يتقبل أهلي، خصوصاً أخي الفكرة في السابق، وكان لديهم بعض المخاوف من نظرة المجتمع لفتاة تقود دراجة نارية»، وتضيف: «لكن بعد الثورة تقبلوا الموضوع وكأن أخي ثار على أفكاره السابقة بعد أن شاهد العديد من الفتيات يقدن دراجات نارية وتأكد حينها أن المشكلة في الأشخاص الذين يعيبون ركوب الفتيات للدراجة النارية لا بالفتيات ذاتهن».
وتحكي لانا تجربتها أمام محطات الوقود وتضحك عندما تروي أن «الفتاة التي تقود دراجة نارية تستطيع تعبئة الوقود لدراجتها أكثر من الشباب»، وتشرح: «عندما أجد محطة بنزين تقوم بتعبئة المادة للدراجات النارية، ووسط ازدحام الدراجات التي يقودها الرجال، يعبئ العاملون في المحطة دراجتي قبل جميع المصطفين أمام الخراطيم عندما ينتبهون إلى أن فتاة تريد تعبئة دراجتها... ربما خجلاً من أن أنتظر بالصف كما يفعلون مع سائقي الدراجات الذكور». ووفقاً لها، يطلب منها بعض الزملاء أن تأخذ دراجاتهم النارية إلى المحطات لملئها بالمادة النادرة، بعدما فشلوا في تعبئتها بأنفسهم، «لكني لا أقبل» تؤكد لانا.
ومع ازدياد الطلب على مادة البنزين في السوق مع تقليل الاستيراد من الخارج بسبب شح الاعتمادات التي يخصصها مصرف لبنان لدعم استيراد المحروقات، برزت السوق السوداء بشكل لافت، وأصبح تجار السوق السوداء يقفون في الطوابير مرات عدة في اليوم لشراء المحروقات من المحطات بالسعر الرسمي الذي بلغ أكثر من 210 آلاف ليرة لبنانية (13 دولاراً) لصفيحة البنزين منذ يومين، ويبيعونها بالسوق السوداء لأشخاص لديهم قدرة شرائية بأسعار تصل إلى المليون ليرة لبنانية (65 دولاراً) للصفيحة.
وأغلبية تجار السوق السوداء هم من أصحاب الدراجات النارية ويقومون بملء دراجاتهم عشرات المرات في اليوم ثم يفرغونها في غالونات لبيعها، ما دفع أصحاب المحطات إلى الامتناع عن التعبئة لكل سائقي الدراجات، نظراً للزحمة التي يسببونها من جهة ولتجارتهم بالمادة من جهة أخرى.
وتملك لانا سيارة لكنها نادراً ما تستخدمها مؤخراً «إلا في الحالات الطارئة أو في مشاوير الليل»، بحسب قولها.
طريقة أخرى يلجأ إليها إيلي ضاهر وغيره من اللبنانيين للوصول إلى مكان عمله بأقل خسائر ممكنة، فهو يسكن في منطقة الدامور (جنوب بيروت) اتفق مع أربعة من جيرانه على «برنامج توصيلات»، ويفسر لـ«الشرق الأوسط» «نحن الخمسة نعمل من الاثنين إلى الجمعة في بيروت، فاتفقنا على أن نذهب كل يوم إلى أشغالنا بسيارة واحدة يقوم صاحبها بإيصال البقية إلى أقرب نقطة إلى عملهم ثم يقلهم من نفس النقطة».
ويشرح إيلي، وهو مهندس، أن أزمة المحروقات، إن كان لناحية ارتفاع أسعارها أو انقطاعها، دفعت بالكثيرين إلى إيجاد وسائل بديلة في ظل عدم وجود خطط نقل مشترك في لبنان وغياب الحلول، ويقول: «أجرة التاكسي من بيتي في الدامور إلى مقر عملي في وسط بيروت تتخطى الـ400 ألف ليرة لبنانية ذهاباً وإياباً ومصروف الوقود في سيارتي خرافي... فكان لا بد من إيجاد بديل».
وعن التجربة، يحكي إيلي أنها مريحة أكثر من ناحية المصروف لكنها مربكة أحياناً، ويضيف «علينا في بعض الأحيان انتظار أحدهم فيتأخر الأربعة الآخرون عن عملهم بسبب شخص واحد، أو يتحتم علي التحدث مع الشباب منذ الصباح الباكر من باب الأخلاقيات حتى لو كان مزاجي عكراً أو لا أريد الكلام... لها سلبياتها وإيجابياتها».
وبحسب إيلي الـ«pullover» أو «أوتوكار الجيران» على حد وصفه، هو الحل الأنسب حالياً وبهذه الطريقة نكون قد استخدمنا سياراتنا مرة في الأسبوع وخففنا مصروف بنزين وحرقة أعصاب على المحطات وأيضاً أسهمنا في تخفيف زحمة السير».
ومعظم المواطنين الذين يعملون في العاصمة يسكنون خارجها، ويعتمد أكثر من نصف اللبنانيين على سياراتهم الخاصة في التنقل ويحوي البيت الواحد على سيارة لكل فرد خصوصاً العائلات التي تسكن خارج العاصمة، ومع اشتداد أزمة المحروقات اتسعت المسافات بين هؤلاء الأفراد وأماكن عملهم كما ارتفعت الكلفة إلى حد كبير، فكان لا بد من حل يقربهم من مكان عملهم ويخفف أعباء المصروف، ومن بين هؤلاء لارا الديك التي لملمت أغراضها وأغراض زوجها وجهزت الحقائب وأفرغت البراد وأغلقت نوافذ منزلهما في المتن وأقفلت الباب واتجهت مع زوجها إلى بيت أهلها في المصيطبة (بيروت)، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».
«لا نعلم متى نعود إلى بيتنا حالياً نحن في حالة تهجير لكننا اكتفينا من التوتر والقلق» على حد تعبيرها، وتضيف «كلفة البنزين أصبحت تفوق قدرتنا هذا أصلاً إن توفرت، وهناك مخاطرة كبيرة بعدم الذهاب إلى العمل بسبب الأزمة، فرؤساء العمل يريدون حجة لفصل الموظفين ولا نريد إعطاءهم الحجة في هذه الظروف».
وتغضب لارا عندما تتحدث عن بنزين السوق السوداء الذي اضطرت لشرائه مرات عدة بعدما باءت كل محاولاتها أمام المحطات بالفشل «600 ألف ليرة لبنانية لصفيحة بنزين واحدة! دفعت المبلغ من اللحم الحي لكني لم أجد وسيلة أخرى. تغيبت عن العمل يومين بسبب البنزين على أمل أن أتمكن من التعبئة وآخر المطاف فرغ خزان سيارتي وأنا أنتظر دوري في الطابور». ولا تتصرف لارا وزوجها بأريحية في منزل العائلة خصوصاً أنهما لا يتمتعان بالخصوصية الكافية في بيت يسكنه والدها ووالدتها وإخوتها الأربعة، لكنها تؤكد أنها تفضل هذه الفوضى على القلق اليومي وزحمة السير والخوف على باب رزقها.



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.