قذاف الدم لـ {الشرق الأوسط}: قيادات عسكرية متخصصة انضمت للجيش الليبي

انتقد هجوم الغرب على البرلمان الشرعي.. ودعا القمة العربية إلى التدخل لإنقاذ بلاده «قبل فوات الأوان»

أحمد قذاف الدم
أحمد قذاف الدم
TT

قذاف الدم لـ {الشرق الأوسط}: قيادات عسكرية متخصصة انضمت للجيش الليبي

أحمد قذاف الدم
أحمد قذاف الدم

دعا أحمد قذاف الدم، المبعوث الشخصي السابق للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وابن عمه، القمة العربية التي ستعقد خلال أيام في منتجع شرم الشيخ بمصر، للتدخل لإنقاذ ليبيا «قبل فوات الأوان». وانتقد بشدة هجوم دول غربية كبرى، على البرلمان الشرعي في بلاده، بالتزامن مع محاولات يقوم بها مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، برناردينو ليون، للتوفيق بين الفرقاء في هذا البلد.
وقال قذاف الدم في حوار مع «الشرق الأوسط» بشأن معلومات عن انضمام قيادات عسكرية كبيرة للجيش الليبي الوطني أخيرا، إنه بدأت بالفعل عودة أعداد كبيرة من العسكريين للانضمام إلى القوات المسلحة، ومن بينهم «ضباط متخصصون»، ولهذا تأثيره على سير المعارك على الأرض في الوقت الراهن.
وقلل من شأن جلسات الحوار التي تقودها الأمم المتحدة، وقال إن محاولات الحوار هذه، معظمها مجرد تجميع لمجموعات قد لا تملك السيطرة إلا على بعض الشوارع أو الأماكن أو بعض الحواري في المدن وتريد أن تقنع الناس بأن هذا هو الحل.. «هذه في الحقيقة مسكنات لا معنى لها»، مشيرا إلى أن ليبيا اختلط فيها الحابل بالنابل، وأصبحت مستباحة لكل الأطراف، وقال: «نحن نحزن على هذه الدماء التي تسيل كل صبح وشبابنا يموتون، وعلينا أن نتوقف عن كل هذا إذا كنا جادين، لإنقاذ الوطن».
وشدد على أن «الحل في يد الليبيين، وليس في يد «ليون ولا في يد الأمم المتحدة ولا غيرها». وقال إن الليبيين قادرون على القيام بواجبهم تجاه الوطن في هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ ليبيا، «وقد أزفت هذه الساعة. وكما نقول دولة الباطل ساعة وهي الآن تنحسر وفي الدقائق الأخيرة». وإلى أهم ما جاء في الحوار:

* ما تفسيرك لموقف عدد من الدول الغربية أخيرا تجاه التطورات في ليبيا وانتقادها البرلمان المعترف به دوليا؟
- لا أجد إلا تفسيرا واحدا، وهو أنهم يريدون شرعنة الباطل الذي صنعوه بغزو ليبيا عام 2011. نحن اليوم أمام هذا البرلمان الذي جرى انتخابه العام الماضي.. صفقوا له وجرى تأييده من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما، وقيادات كل من بريطانيا وفرنسا والأمم المتحدة التي يمثلها في ليبيا في الوقت الحالي المبعوث ليون. وقالوا عقب انتخاب البرلمان الصيف الفائت إن هذه هي الديمقراطية وهذه هي الحرية، وإنه اليوم الموعود لتحقيق حلم الليبيين في برلمان منتخب. واليوم نفاجأ بأن السيد ليون يريد أن يهدد.. ويقول هو وبعض وزراء خارجية الدول الغربية وبعض مبعوثي تلك الدول بأنهم قد يسحبون الشرعية من هذا البرلمان أو أن يسقطوا اعترافهم بهذا البرلمان. حين أنظر إلى مثل هذه التصريحات أتساءل: ما هذه الديمقراطية التي يتحدثون عنها، وما هذه الحرية التي يتحدثون عنها؟
* لكن لماذا يجري الهجوم على السلطات الشرعية الآن من جانب بعض الدول الغربية؟
- ما يقولونه اليوم هو محاولة لتسفيه إرادة الليبيين الذين وقفوا في الطوابير وصوتوا لانتخاب البرلمان. ويبدو أنه جرى التغرير بهم حتى اعتقد المواطنون أنهم حققوا حلمهم في الانتخابات. واضح جدا من خلال هذه التصريحات الغربية، أن الغرب يريد مرة أخرى إخضاع ليبيا لسلطة دول الحلف الأطلسي، وكأن هذا الحلف، ومن خلال هذه التصريحات، يريد أن يقول إننا أصبحنا مرة أخرى تحت الحماية الدولة. ولا قيمة ولا معنى لا لإرادة الليبيين ولا لكل الترتيبات والإجراءات التي حدثت في الماضي. وحتى البنود التي طرحت من خلال الحوارات (التي يقودها ليون) وبحث الحكومة (التوافقية)، لم نجد من خلال الوثائق التي نشرت أي شيء يبيِّن لمن تخضع هذه الحكومة وما هو دور البرلمان المنتخب الشرعي في هذا الأمر. أيضا هناك صلاحيات أعطيت لهذه الحكومة المفترضة ما زالت صلاحيات غامضة، وكأنها ستصبح حكومة معلقة في الهواء. من يراقبها؟ ومن يحاسبها على تنفيذ ما سيتفق عليه؟ هذا جانب.. الجانب الآخر، في الحقيقة، هو ما يجري من محاولات هنا وهناك سواء الاجتماعات التي عقدت في جنيف أو بروكسل، هذه اللقاءات مجرد تجميع لبعض الأشخاص والشخصيات، لذر الرماد في العيون حتى يقال إنهم قاموا بدور، وتجاهلوا عن عمد نحو مليوني مهجر ليبي في الخارج.. هذا رقم كبير في ليبيا التي يبلغ عدد سكانها 6 ملايين نسمة؛ رقم مهم. ولو قلنا إن كل واحد من المليوني مهجر، له شخص واحد أو اثنان في الداخل الليبي من أقاربه أو أشقائه، ولهم نفس المواقف الرافضة لما يجري من دمار منذ عام 2011، لأصبح هذا الرقم 4 ملايين. وبالتالي، فإنه على الأقل لديك نصف الشعب الليبي (يرفض ما يقوم به المجتمع الدولي في بلاده).
* وما الحل؟*
- على الجميع أن يعرف أن لا أحد يقرر مصير ليبيا في غياب نصف الشعب الذي يحق له أن يكون شريكا في هذا الوطن الذي دفعوا مهره دما عبر تاريخ ليبيا مع الترك ومع الطليان وفي مواجهة الحلف الأطلسي طوال 8 أشهر. لا يمكن تجاهل هؤلاء إذا أردنا السلام والحرية والحوار الحقيقي.
* ما سبب التطورات النوعية لعمليات الجيش الوطني الليبي في الأيام الأخيرة.. البعض يقول إن هناك تحالفات قوية بين الجيش بقيادة الفريق خليفة حفتر وقيادات من الجيش من أبناء القبائل التي كانت بعيدة عن المشهد في السابق؟
- الواقع الليبي وما يجري في ليبيا لم يعد يدور حول صراع سلطة.. الوطن ممزق، وتحول إلى جزر بركانية، وتحول إلى وضع يشكل خطرا على وجود دولة ليبيا ومستقبلها في حد ذاته. لذا أصبح الحراك لا علاقة له بالآيديولوجيات أو بالسياسة أو بالصراع على السلطة، وإنما من أجل الوطن. ولذلك كل العسكريين من الليبيين وكل القوى الحية من الوطنيين وكل القبائل تنادت لكي تنقذ هذا الوطن، ولذا نحن حينما نتحدث عن حوار أو نتحدث عن مستقبل ليبيا فجميعنا شركاء في هذا الوطن ويجب أن نلتقي..
* وبالنسبة للجهود الدولية الحالية بشأن الحوار بين الليبيين؟
- إذا كان الغرب جادا فعليه أن يجمع كل الليبيين دون استثناء تحت «راية بيضاء» لنقرر مصير ليبيا، ولا نستثني أحدا من هذا الحوار.. دون غبن ودون تهميش ودون إلغاء للآخر، بغض النظر عن توجهاتنا السياسية. نلتقي تحت رعاية الأمم المتحدة لنقرر مصير ليبيا وعلمها ونظامها السياسي.. وعندها يكون هناك معنى، حيث سيكون كل الليبيين موجودين لتقرير مصير بلادهم، أما الآن فأنت تجمع مجموعات قد لا تملك السيطرة إلا على بعض الشوارع أو بعض الأماكن أو بعض الحواري في المدن، وتريد أن تقنع الناس بأن هذا هو الحل.. هذه في الحقيقة، مسكنات لا معنى لها. ثم التهديد الذي تقوم به بعض الأطراف الغربية وهذه اللهجة المستهجنة.. ليبيا ليست محلا لها. والليبيون الأحرار لن يقبلوا بهذه اللغة التي تحدث بها السيد ليون وبعض السفراء الأجانب. نحن نرفض هذا ونطلب الاعتذار من الأمم المتحدة ومن هذه الدول عن كل هذه الأساليب غير الدبلوماسية وغير الأخلاقية والمهينة لليبيين. هذا شيء مستفز لن يؤدي إلى سلام ولا إلى أمن، وقد لا يقبل بهم الليبيون غدا ليكونوا وسطاء أو شركاء في الحل، ما لم يعتذروا عن هذه اللغة المستهجنة..
* إذا قلنا إن الميليشيات المسلحة تجد ما يمكن أن يسمى بدعم من أطراف غربية فمن أين يتلقى الجيش الوطني والحكومة الشرعية الدعم، حيث إنهم يتعرضون لضغوط من الغرب. من يدعم الشرعية في ليبيا الآن؟
- في ليبيا اختلط الحابل بالنابل.. وأصبحت ليبيا للأسف مستباحة لكل الأطراف.. نحن نحزن على هذه الدماء التي تسيل في كل صبح، وتغذَّى من الخارج، ويُدفع ثمن كل صاروخ وكل طلقة تسقط على مواطن ليبي، للأسف، من أطراف كثيرة.. لم يعد المواطن الليبي يعرف من أين تأتي هذه الصواريخ التي تنفجر فيه وفيمن حوله. كل مواطن يسقط من هذا الطرف أو ذاك الطرف هو مواطن ليبي.. نحن وقود لكل هذه المعارك، وشبابنا يموتون، وعلينا أن نتوقف عن هذا إذا كنا جادين.. في رأيي أن هذا لن يتوقف إلا بأن يقوم حوار جاد يشمل كل الليبيين من مدننا وقرانا وقوانا السياسية وقبائلنا في مؤتمر على غرار مؤتمر الطائف تحت رعاية الأمم المتحدة والجامعة العربية. عندها نجتمع ونقرر ونختار رئيس وزراء محايدا ليس من هذا الطرف أو ذاك الطرف.. ويشرف على انتخابات نزيهة يشارك فيها كل الليبيين.. يعود النازحون ويخرج السجناء ويصدر قانون عفو عام عن كل الليبيين، ويبقى الحق الخاص عندما تقوم الدولة، فحينها كل يطالب بحقه.. من أجرم في حق ليبيا ومن نهب أموال ليبيا ومن اعتدى على حرمات الليبيين، يحاكم وفقا لهذا القانون.. ونسحب الأسلحة وتسلم إلى المعسكرات ونقبل بإشراف دولي على هذا.. تعود الشرطة والقضاء والقانون في عموم البلاد، وهذا ممكن..
* كيف؟
- نحن لدينا، كـ«ليبيين» من الآليات ومن التقاليد ما نستطيع به إنهاء هذه الأزمة بشكل سريع، وقد نفاجئ العالم بهذا. الليبيون ليسوا كلهم أشرارا.. ملايين الليبيين يقبلون بهذا الحل، وهم الأغلبية.. إذا ما طرح الموضوع بهذا الشكل وبهذا الإنصاف.. أي لا يستثنى أحد، وأن يشارك فيه كل الليبيين، فهذا هو الحل. وعندها يصبح للكلام معنى. ولكن تهميش المهجَّرين في الداخل والخارج وعدم الحديث عن السجناء، ودعوة القوى التي تحمل السلاح للتفاوض.. كل هذا يشجع كل القوى السياسية على أن تحمل سلاحا.
* السؤال مرة أخرى.. على من يمكن أن يستند البرلمان في حال سحبت الدول الكبرى الاعتراف به؟
- هذا البرلمان نحن لم نشارك فيه.. نحن، كما قلت لك، على الأقل، مليونان موجودون في الخارج، ونحن لأجل الحفاظ على ليبيا ولكي لا تذهب للمجهول اعترفنا بهذا البرلمان، فأصبح البرلمان برلمان الأغلبية، ونحن عندما ندعمه، فإننا ندعمه إلى أن تخرج ليبيا من هذه الحالة كما قلت لك، من أجل إنقاذ الوطن.. عندها لا بد أن نعيد النظر في تقرير مصير ليبيا، ويكون الجميع شركاء فيه. البرلمان يكون قويا حينما يتخذ موقفا لصالح كرامة الليبيين وكبريائهم وعزتهم.. الآن، وبعد كل ما حدث طوال نحو 4 سنوات، سقط القناع، وأصبح الليبيون يتجمعون ويعون هذا الكم الهائل من الآلام والمآسي التي عمت الجميع، وبالتالي أنا متفائل بأننا سنصل قريبا لحل وإنقاذ الوطن، من دون هذا التفكير الغربي والرؤية الغربية لما يجري في ليبيا.
* برأيك ما سبب هذا الموقف الغربي الجديد تجاه ما يجري في ليبيا؟
- هم للأسف يعتمدون على مستشارين غير منصفين ويستمعون لطرف واحد ولضفة واحدة من النهر. ولم يستمعوا للطرف الآخر. بل يسخرون من بعض الشخصيات للأسف، وأنا أعرف الكثير من التصريحات المستهزئة ببعض الواجهات الموجودة الآن في ليبيا.. عندما يلتقون بهم ويملون عليهم شروطا ويقبلون هذه المهانة.. هذا شيء محزن. المواطن الليبي لن يقبل بهذا. للأسف الغرب يتعامل مع الحالة الليبية كأنه يتعامل مع دولة مثل السويد.. نحن مختلفون في تفكيرنا وفي عاداتنا وفي تقاليدنا وفي ديننا.. وبالتالي كان ينبغي للجامعة العربية والدول العربية الأقرب إلينا، أن تتدخل للمساعدة، وهي التي تدرك وتعرف ماذا يجري.. وكما فعلنا في الأزمة اللبنانية بعد الحرب الأهلية، يمكن أن نفعل في ليبيا.. أرى أنه ينبغي أن يحدث تدخل من الدول العربية وهي تستعد لعقد قمتها الآن، أي أن تنتخب شخصيات محترمة ونزيهة تذهب إلى ليبيا وتتواصل مع الليبيين.. فبعد الدمار الذي حدث لم يعد مقبولا أن نسكت عما يجري، وأصبح العار يلحق بنا جميعا ما لم نعد النظر ونستعد للانحناء أمام الوطن وتقديم تنازلات من أجل استعادة بلادنا قبل فوات الأوان..
* هل تعتقد أن الجيش، والقوى المتحالفة معه الآن، قادر على كسر شوكة المتطرفين؟
- هذا المناخ وهذه التصريحات الغربية وهذه اللغة تشجع كل الأطراف على التحرك. إذا كان لدينا برلمان شرعي، فلماذا نسمح بتجاوزه؟ أما القوات المسلحة فهي الطرف الأقوى، وإذا ما عاد جنودنا وضباطنا، وهم يعدون بعشرات الآلاف، فإنهم قادرون على حسم الأمر خلال أسابيع.
* هل عادوا؟
- بدأوا يعودون.. كثيرون من الشباب والقيادات والضباط بدأوا يعودون للوطن لأن الوطن يناديهم الآن، وأصبحوا ينحنون أمام ليبيا، ومستعدون من أجل إنقاذ الوطن لأن يقدموا كل التنازلات، ليس لطرف معين، ولكن للوطن ككل. وهذا ما جعل التقدم العسكري على الأرض محسوما لصالح القوات المسلحة ولصالح أبناء الشعب الليبي.. أبناء القوات المسلحة من كل ليبيا من الشرق والغرب والشمال والجنوب يشاركون الآن، وهذا ما يحافظ على وحدة الوطن وحريته وكرامته من خلال المؤسسة العسكرية التي تضم كل الليبيين.
* نعم.. لكن ما عدد العسكريين السابقين الذين عادوا للانخراط في الجيش حاليا.. كم نسبتهم.. أعلم أنه موضوع حساس، لكن لا بد من الإشارة إليه؟
- قد يفاجأ كثيرون، حتى من الدول التي تراقب ليبيا، بوطنية الليبيين واستعدادهم للتضحية من أجل الوطن والعودة له وحقن دماء الليبيين.. الرقم الذي عاد فقط قادر على الحسم، وما زالت الأعداد تتزايد كل يوم، وحتى الذين كانوا داخل ليبيا ولم يلتحقوا بالقوات المسلحة بدأوا يعودون للجيش. البرلمان أخذ خطوات جريئة برفع القوانين سيئة السمعة من الإقصاء والعزل السياسي.. كما بدأ التواصل بين الليبيين لتجاوز هذه المرحلة إلى أن ننقذ ليبيا. نحن الرقم الصعب في المعادلة الليبية، وسنحسم الأمر في النهاية، ولا أقصد من ذلك إعادة صياغة النظام القديم، وإنما عندما نجلس ونتحاور يعود الأمر مجددا للمواطنين الليبيين ليقرروا مصير ليبيا بحيث تكون ملكية أو جمهورية أو جماهيرية.. وكيف يكون نظامها السياسي.. وما يقبل به الليبيون نحن نقبل به.
* لكن هل تؤكد المعلومات بشأن انضمام قيادات بعينها وذات حيثية في الميدان للجيش؟
- بالنسبة للقيادات الميدانية والعسكريين.. ليبيا كان لديها جيش قوي من أقوى جيوش المنطقة، وكان لدينا عسكريون تدربوا في أرقى الأكاديميات العسكرية في العالم في الشرق وفي الغرب، ولدينا شبابنا من كل هذه المدن والقبائل، عادوا، وعاد أيضا كل من يريد أن يدافع عن قريته ومدينته وأهله لوقف هذا الدمار، ولذلك تنادى كل هؤلاء بغض النظر عن الأسماء الموجودة. لعل هناك أسماء كثيرة قد تكون أكثر أهمية من كل ما قد يخطر على بال بعض الناس في هذه المرحلة. وهم ضباط متخصصون وسيسهمون في حقن دماء الليبيين وإيقاف هذا النزيف. وفي النهاية الحل في يد الليبيين وليس في يد «ليون» ولا في يد الأمم المتحدة ولا غيرها. الليبيون قادرون على القيام بواجبهم تجاه الوطن في هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ ليبيا، وقد أزفت هذه الساعة. وكما يقال، «دولة الباطل ساعة» وهي الآن تنحسر وفي الدقائق الأخيرة.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.