الحكومة السودانية تتهم أنصار البشير بتدبير «محاولة انقلاب»

«الترويكا» تحذر من تقويض «الانتقال الديمقراطي»... وحمدوك يشدد على «تسريع إصلاح الأجهزة الأمنية»

عبد الله حمدوك خلال إعلانه على التلفزيون الرسمي فشل المحاولة الانقلابية صباح أمس (أ.ف.ب)
عبد الله حمدوك خلال إعلانه على التلفزيون الرسمي فشل المحاولة الانقلابية صباح أمس (أ.ف.ب)
TT

الحكومة السودانية تتهم أنصار البشير بتدبير «محاولة انقلاب»

عبد الله حمدوك خلال إعلانه على التلفزيون الرسمي فشل المحاولة الانقلابية صباح أمس (أ.ف.ب)
عبد الله حمدوك خلال إعلانه على التلفزيون الرسمي فشل المحاولة الانقلابية صباح أمس (أ.ف.ب)

اتهمت الحكومة السودانية أمس «فلول نظام الإسلاميين المعزول»، وجهات داخل وخارج القوات المسلحة بتدبير المحاولة الانقلابية، التي شهدتها البلاد، والتحضير المسبق لها بالاستفادة من حالة الانفلات الأمني، والأوضاع في شرق البلاد، وقطع الطرق وإغلاق الموانئ ومناطق إنتاج النفط. وفي غضون ذلك، أعلن الجيش السوداني إفشال التحرك الانقلابي، واعتقال 21 ضابطاً وعدد من الجنود، والسيطرة على الأوضاع. فيما أعلنت مجموعة دول «الترويكا» رفضها للمحاولة الانقلابية، وحذرت من أي محاولة لتقويض الانتقال.
وأعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة وزير الإعلام، حمزة بلول، في بيان رسمي عن إفشال المحاولة الانقلابية، والقبض على قادتها من عسكريين ومدنيين، موضحاً أن التحقيقات تجري معهم، فيما تجري ملاحقة فلول النظام البائد المشاركين في المحاولة الانقلابية الفاشلة.
من جهته، قال رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، في بيان بثه التلفزيون الرسمي أمس، إن ما حدث «انقلاب مدبر من جهات داخل وخارج القوات المسلحة، وامتداد لعمل الفلول». في إشارة إلى أتباع نظام الإسلاميين بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، بهدف «إجهاض الانتقال المدني الديمقراطي».
وأضاف حمدوك موضحاً «لقد سبقت المحاولة تحضيرات واسعة، تمثلت في الانفلات الأمني في المدن، واستغلال الأوضاع في شرق البلاد، ومحاولات قطع الطرق القومية، وإغلاق الموانئ وتوقيف إنتاج النفط، والتحريض المستمر ضد الحكومة المدنية». مشيراً إلى أن المحاولة الانقلابية الفاشلة، «كانت تستهدف الثورة وكل ما حققه شعبنا العظيم من إنجازات، وتقويض الانتقال المدني الديمقراطي، وإغلاق الطريق أمام حركة التاريخ... لكن عزيمة الشعب كانت أقوى من محاولة الانقلاب على الانتقال، فقطعت الطريق عليه، وأفشلت المحاولة».
في سياق ذلك، تعهد حمدوك بعد اجتماع مطول مع قيادات تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير»، التي تمثل المرجعية السياسية للحكومة الانتقالية، بإجراء اتصالات موسعة مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، لعرض الحقائق أمام الشعب. وقال إن محاولة الانقلاب الفاشلة «تؤشر بوضوح لضرورة إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتستدعي مراجعة كاملة لتجربة الانتقال بشفافية كاملة وبوضوح تام، من أجل الوصول لشراكة مبنية على شعارات ومبادئ الثورة، وطريق يؤدي للانتقال المدني الديمقراطي لا غيره».
وأوضح حمدوك أن إلقاء القبض على مدبري المحاولة الانقلابية جاء أثناء تنفيذهم للانقلاب، وأنه تم قطع الطريق على خطواتهم العملية لإجهاض الحكومة المدنية، ما يستدعي كشف الحقائق كاملة للشعب السوداني والعالم بأسره. كما تعهد بمحاسبة كل الضالعين، سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، بشفافية ووفق القانون، وبأن تعمل الحكومة والأجهزة المختصة، بما فيها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران)، على اتخاذ إجراءات فورية من أجل تحصين الانتقال، ومواصلة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، الذي لا يزال يشكل خطراً على الانتقال، حسب تعبيره.
في سياق ذلك، أوضح حمدوك أن المحاولة الانقلابية «جاءت لقطع الطريق على تحسين الأوضاع الاقتصادية، في وقت بدأت تشهد فيه انتعاشاً واضحاً، وبدأت السياسات الاقتصادية الإصلاحية تؤتي أكلها في كل مؤشرات الاقتصاد الكلي، ما يستدعي تعزيز ولاية الحكومة ووزارة المالية على كل الموارد القومية، وتوجيهها لتحسين الأوضاع المعيشية لشعبنا كقضية ذات أولوية»، وذلك في إشارة للتصريحات السابقة، بسيطرة الجيش على أكثر من 80 في المائة من موارد البلاد.
واعتبر حمدوك أن وحدة «قوى الحرية والثورة والتغيير» هي «ضمانة حقيقية لتحصين الانتقال الديمقراطي، وتحقيق أهداف الثورة». داعياً الشعب إلى ممارسة حقه بكافة الأشكال السلمية لدعم الحكومة الانتقالية، وإكمال مؤسسات الانتقال، بما في ذلك المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية، ومجلس القضاء العالي والنائب العام، والمفوضيات، وقال بهذا الخصوص إن ما حدث «درس مستفاد، ومدعاة لوقفة حقيقية وجادة لوضع الأمور في نصابها الصحيح».
بدوره، قال الجيش السوداني في بيان مقتضب، أمس، إن عدة ضباط وعسكريين من رتب مختلفة حاولوا في الساعات الأولى من فجر أمس القيام بمحاولة للاستيلاء على السلطة في البلاد.
وكشف البيان الموقع باسم المستشار الإعلامي للقائد العام، العميد الطاهر أبوهاجا، أن الجيش «سيطر على الأوضاع واعتقل المشاركين في المحاولة الفاشلة، البالغ عددهم 21 ضابطاً، إلى جانب عدد من ضباط الصف والجنود، واستعاد كل المواقع التي سيطر عليها الانقلابيون»، دون تحديد تلك المواقع، موضحاً أن الأبحاث والتحقيقات لا تزال جارية للقبض على بقية المتورطين.
من جهته، قال حمزة بلول الأمير في بيان بثه التلفزيون والإذاعة، إن الحكومة الانتقالية والأجهزة النظامية المختصة «عملت بتنسيق تام للسيطرة على الأوضاع، وإحباط المحاولة الانقلابية». مؤكداً أن مؤسسات الحكم المدني «لن تفرط في مكتسبات الشعب وثورته، وستكون على خط الدفاع الأول لحماية الانتقال من قوى الظلام المتربصة بالثورة».
ودعا بلول قوى الثورة ولجان المقاومة، والأحزاب السياسية وأطراف السلام، والأجسام المهنية والنقابية، وكل قطاعات الشعب السوداني، إلى «توخي اليقظة والانتباه إلى المحاولات المتكررة، التي تسعى لإجهاض ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة».
وحاولت المجموعة الانقلابية، التي قادها ضباط كبار في الجيش محسوبون على النظام المعزول، السيطرة على سلاحي المدرعات والمظلات بالعاصمة الخرطوم، تمهيداً لتسلم السلطة. وبعد اعتقال المتورطين في المحاولة حذر عضو مجلس السيادة الانتقالي، محمد الفكي سليمان، عبر صفحته الرسمية على فيسبوك الانقلابيين، ودعا الجماهير للدفاع عن بلادهم وحماية الانتقال.
من جانبها، أكدت أحزاب «تحالف قوى الحرية والتغيير» الحاكم الوقوف بقوة في وجه أي محاولة لتقويض الفترة الانتقالية، والتحول الديمقراطي عبر الانقلابات العسكرية أو غيرها، وشددت على أهمية الإسراع في إصلاح الأجهزة النظامية والجيش والشرطة، وبقية الأجهزة الأمنية، وعلى أهمية وحدة الصف الوطني للدفاع عن أهداف الثورة. فيما حذر «تجمع المهنيين السودانيين» من جهات «تعمل على صناعة الفوضى للانقضاض على الفترة الانتقالية»، وعزز دعوة «الحرية والتغيير» لتسريع هيكلة القوات المسلحة وتنظيفها من الانقلابين، وحسم المتواطئين لقطع الطريق أمام العسكر وفلول النظام المعزول.
وعلى صعيد متصل، زار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، أمس سلاح المدرعات، بعد أنباء عن تورط عدد من قادته في المحاولة الانقلابية التي شهدتها البلاد اليوم.
وذكر مجلس السيادة، عبر حسابه الرسمي على موقع فيسبوك، أن البرهان زار سلاح المدرعات بمعسكر الشجرة، وقام بتحية الضباط والجنود، وشكرهم على حكمتهم في التعامل مع الأحداث.
وفي أول رد فعل دولي على الانقلاب، حذرت مجموعة دول «الترويكا» الغربية (أميركا، المملكة المتحدة والنرويج»، من الساعين لتقويض عملية الانتقال التي يقودها المدنيون، وتوعدت بوقوف شركاء السودان الدوليين بحزم خلف شعب السودان وحكومته الانتقالية. معلنة بوضوح عن رفضها أي محاولات لعرقلة أو تعطيل جهود الشعب السوداني، لإنشاء مستقبل ديمقراطي وسلمي، ودعمها للانتقال الديمقراطي بقيادة المدنيين.
ودعت «الترويكا» في بيان لأن يعمل المكونان المدني والعسكري، وجميع الفاعلين السياسيين، على منع التهديدات التي تواجه الانتقال الديمقراطي، وإنشاء مؤسسات انتقالية، ومعالجة التوترات في الشرق والمناطق الأخرى.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.